بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

تحليل إخباري

الولايات أمريكية تقود حظر الملكية العقارية والإعفاء الضريبي لمنظمات مرتبطة بـ “الإخوان المسلمين”

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

تشهد الساحة السياسية والقانونية الأمريكية تحولاً إستراتيجياً جذرياً في آليات التعاطي مع منظمات الإسلام السياسي، وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين. هذا التحول يتجاوز الخطابات الانتخابية المعتادة نحو مأسسة عقيدة قانونية جديدة تُعرف بـ “التصنيف الانتقائي”. وتتخلى هذه المقاربة عن السعي خلف تصنيف فيدرالي شامل أثبت عقمه البيروقراطي، لتستعيض عنه بتفكيك شبكي مركّز يستهدف العُقد المالية والعقارية والأكاديمية الحيوية.

من خلال توظيف صلاحيات الولايات والقوانين المحلية، يجري تقويض البيئة التشغيلية التي سمحت لهذه الكيانات بالعمل ضمن النطاق القانوني الغربي لعدة عقود، مما يؤسس لمرحلة حاسمة تنهي “المنطقة الرمادية” بين الولاء الأيديولوجي الخارجي والامتثال المؤسسي الداخلي.

تُرجمت هذه العقيدة عملياً عبر مسارين؛ الأول محلي تقود فيه ولاية تكساس المواجهة بإصدار أمر تنفيذي يحظر على جماعة الإخوان ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية “كير” تملك العقارات وتصنيفهم ككيانات إجرامية عابرة للحدود. والثاني فيدرالي عبر أمر تنفيذي أصدرته الإدارة الأمريكية يصنف فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان كمنظمات إرهابية أجنبية، مستهدفاً أصولها وحظر دخول عناصرها.

وتزامن ذلك مع حراك في الكونغرس بقيادة الحزب الجمهوري لربط النشاط الطلابي المؤيد لفلسطين بـ “دعم الإرهاب”، وتفعيل تشريعات تمنح وزارة الخزانة صلاحيات واسعة لسحب صفة الإعفاء الضريبي عن المنظمات غير الربحية المتهمة، وتفعيل قانون تسجيل الوكلاء الأجانب لملاحقة مصادر تمويلها.

التصعيد المحلي والفيدرالي

يرتبط توقيت هذا الهجوم المنسق بجملة من المتغيرات الجيوسياسية والداخلية التي تبلورت عقب أحداث 7 أكتوبر 2023 وتصاعد الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة خلال عامي 2024 و2025. داخلياً، يستغل الحزب الجمهوري حالة القلق العام من الاحتجاجات الطلابية الواسعة في الجامعات العريقة لإعادة إنتاج سردية “التهديد الوجودي الداخلي” وتوظيفها كورقة ضغط سياسية ضد التيارات الليبرالية. يتيح هذا التوقيت للحكام المحافظين، مثل غريغ أبوت في تكساس ورون دي سانتيس في فلوريدا، ترسيخ مؤهلاتهم القيادية كحماةٍ للأمن القومي من خلال اتخاذ إجراءات قانونية صارمة تتجاوز العجز البيروقراطي الفيدرالي.

على الصعيد الخارجي، يعكس هذا التحول نضوج قناعة لدى صانع القرار الأمريكي بأن استراتيجيات “الاحتواء” السابقة لم تعد مجدية، خاصة مع رصد روابط عملياتية ومالية مفترضة بين فروع الجماعة في الشرق الأوسط (مثل الأردن ولبنان) وبين حركة حماس في خضم المواجهة الإقليمية المستمرة. هذا التداخل بين الضغط الانتخابي الداخلي وإعادة ترتيب الأولويات الإستراتيجية في الشرق الأوسط وفّر الزخم التشريعي اللازم لتمرير قرارات كان يُنظر إليها سابقاً كخطوات تصعيدية غير مبررة، مما جعل من عام 2026 محطة لتكريس الحصار القانوني الشامل.

التناقضات البنيوية 

تكشف الهندسة القانونية لعقيدة التصنيف الانتقائي عن تناقضات جوهرية تمس مبادئ الحكم الرشيد والاتساق السياسي والدستوري في الولايات المتحدة. يبرز التناقض الأول في لجوء السلطات التنفيذية في ولايات مثل تكساس إلى استخدام مفاهيم دينية وعقائدية مستقاة من كتابات أيديولوجية تاريخية وتوظيفها كمسوغات في وثائق قانونية جنائية، وهو ما يمثل سابقة تقوض حياد الدولة الدستوري وتضعها في موقع المفسّر للنصوص الدينية.

إن التشريعات المقترحة في الكونغرس لسحب الإعفاء الضريبي عن المنظمات غير الربحية تمنح وزير الخزانة سلطات استثنائية فضفاضة لمعاقبة الكيانات دون الحاجة لإدانة قضائية قطعية أو توفير ضمانات كافية للإجراءات القانونية الواجبة (Due Process)، مما يمثل خرقاً صريحاً لملف الحقوق المدنية. 

يمتد التناقض إلى الحقل الأكاديمي، حيث يُفرض تعريف ضيق ومسيس لتقييد حرية التعبير وشيطنة المنظمات الطلابية، مما يحول الحرم الجامعي من فضاء للنقاش الحر إلى ساحة للمراقبة الأمنية والفرز الأيديولوجي. هذا الاختلال البنيوي يوضح كيف يتم التضحية بالاتساق القانوني المستقر لصالح تحقيق مكاسب سياسية ظرفية وتصفية حسابات أيديولوجية ممتدة.

تقاطعات المصالح

تتقاطع في هذا المسار مصالح شبكة واسعة من الفاعلين المحليين والدوليين. محلياً، يمثل هذا التحول انتصاراً كبيراً لمراكز الفكر اليمينية والمحافظة، مثل “مؤسسة السياسات العامة في تكساس” و”مركز السياسة الأمنية”، والتي طالما روجت لنظريات “التسلل”؛ إذ تمنحها هذه القوانين شرعية مؤسسية وتجعل من أوراقها البحثية مرجعية رئيسية لصياغة التشريعات الفيدرالية والمحلية. كما يستفيد الحكام والمدعون العامون الجمهوريون عبر تعزيز شعبيتهم الانتخابية القائمة على مكافحة “التهديدات العابرة للحدود”.

دولياً، يصب هذا التوجه مباشرة في صالح حلفاء واشنطن الإقليميين، وتحديداً دول “الرباعي العربي” التي صنفت الجماعة كإرهابية منذ سنوات؛ إذ تجد في العقيدة الأمريكية الجديدة اعترافاً متأخراً بصحة مقاربتها الأمنية وتفكيكاً لأذرع الضغط واللوبيات التي كانت تؤرقها من داخل العواصم الغربية. وأخيراً، تستفيد التيارات السياسية المناهضة للهجرة والتعددية الثقافية في الغرب، حيث توفر التجربة الأمريكية الحالية “بصمة تشريعية” وقالبًا جاهزًا يمكن تصديره ومحاكاته في دول أوروبية تسعى بدورها لتضييق الخناق على منظمات المجتمع المدني الإسلامية.

تصفية المنطقة الرمادية

تتجه المقاربة الأمريكية الجديدة نحو صياغة واقع جيوسياسي وحقوقي مغاير يتجاوز مجرد التضييق الإداري المؤقت إلى تصفية شاملة لـ “المنطقة الرمادية”. مستقبلاً، ستواجه منظمات العمل الإسلامي في الولايات المتحدة، وفي مقدمتها الكيانات المدنية والحقوقية، معركة بقاء وجودية محكومة باستنزاف مالي وقانوني حاد نتيجة الطعون القضائية المستمرة وضغوط مراجعة الحسابات الضريبية الشرسة. هذا الحصار الاقتصادي والعقاري سيجبر هذه المؤسسات على الانكفاء، ويقوض قدرتها على حشد التمويل أو التأثير في السياسات العامة الغربية.

على المستوى المجتمعي، من المرجح أن تؤدي هذه السياسات إلى تنامي مشاعر الاغتراب السياسي لدى الجاليات المسلمة نتيجة تشديد الفحص الأيديولوجي وتفعيل آليات “الترحيل الأيديولوجي” للطلاب والأكاديميين، مما قد يدفع بالنشاط الحركي نحو الانعزال التام. أما على الصعيد الدولي، فإن ترسيخ نموذج “التصنيف الانتقائي” كمعيار أمريكي مستقر سيعزز من تفكيك العولمة الإسلامية الحركية، ويضع حداً للتسامح الغربي التقليدي مع المعارضات الأيديولوجية، مما يعيد رسم حدود العلاقة بين الأمن القومي والحريات المدنية في الديمقراطيات الغربية لسنوات قادمة.

إن الحرب متعددة الجبهات على البنية التحتية للإسلام السياسي في الولايات المتحدة لا تعكس مجرد يقظة أمنية ظرفية، بل تؤشر على تحول هيكلي في كيفية إدارة الدولة الغربية للتعددية السياسية والدينية في عصر الاستقطاب الفائق. وبينما تسعى القوانين الجديدة لحماية الأمن القومي عبر أدوات جراحية دقيقة، فإنها تضع النظام الدستوري الأمريكي وقيم الحكم الرشيد أمام اختبار حقيقي لم يتضح بعد مدى قدرته على الصمود أمامه دون خسارة جوهره الليبرالي.