بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

اقتصاد جيوسياسي

مضيق “هُرمز”: تعطُّل الإمدادات يضرب سلاسل التوريد.. من رقائق تايوان إلى حقول الأرز في آسيا

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

تواجه دول آسيا والمحيط الهادئ ضغوطاً متزايدة على إمدادات الطاقة، مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط وبقاء مضيق “هُرمز” خارج الخدمة إلى حد كبير أمام حركة الشحن. كشف هذا التعطيل هشاشة الاعتماد الإقليمي على نفط المنطقة وغازها، في وقت تتناقص فيه المخزونات تدريجياً؛ ما يهدد سلاسل الإمداد الصناعية والغذائية على حد سواء، لتتحول الأزمة إلى اختبار بنيوي لقدرة الاقتصادات الآسيوية على تأمين احتياجاتها الحيوية في بيئة جيوسياسية مضطربة.

تحركت الحكومات سريعاً لتخفيف حدة الصَّدمة عبر حزمة إجراءات متزامنة شملت توسيع دعم الوقود للحد من ارتفاع الأسعار، وفرض قيود على الاستهلاك، واعتماد العمل عن بُعد في المؤسسات الحكومية، بالتوازي مع تحركات دبلوماسية مكثفة لتأمين إمدادات بديلة من النفط والغاز، بما في ذلك من روسيا. غير أن هذه السياسات، رغم فعاليتها في احتواء الأثر الفوري، تفرض أعباء مالية متزايدة وتخلق تشوهات في الأسواق، ما يجعلها أقرب إلى حلول مرحلية لا تعالج جوهر الأزمة.

اعتماد مُفرط على الشرق الأوسط

كشفت الأزمة بوضوح مدى اعتماد المنطقة على الطاقة القادمة من الشرق الأوسط، حيث بدأ تراجع المخزونات يهدد قطاعات استراتيجية تمتد من سلاسل توريد أشباه الموصلات في تايوان إلى الإنتاج الزراعي، ولا سيما الأرز الذي يمثل الركيزة الغذائية الأساسية في القارة الصفراء. ويعني ذلك أن أي اضطراب طويل الأمد لن يقتصر على قطاع الطاقة، بل سيمتد إلى الأمن الغذائي والصناعي على حد سواء.

ورغم أن إعادة فتح مضيق “هُرمز” قد تتيح تعافياً سريعاً نسبياً خلال أسابيع مع استقرار مسارات الشحن والتكرير، فإن استمرار الحرب يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر قتامة تشمل انقطاعات في الكهرباء وارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة وتباطؤ الإنتاج الصناعي، في وقت تتآكل فيه المساحات المالية المتاحة للحكومات نتيجة الصدمات المتكررة منذ جائحة “كورونا”.

الصين والهند: مرونة التنوع وموازنة الإمدادات

تمكنت الصين من امتصاص جزء كبير من الصدمة بفضل استراتيجية طويلة الأمد لتنويع مصادر الطاقة، ما سمح لها بتجنب السحب من احتياطياتها الاستراتيجية الضخمة، في حين لجأت إلى فرض ضوابط على الأسعار وإبقاء مستويات الإنتاج مرتفعة عبر توجيه المصافي، بالتوازي مع إعادة إحياء مشاريع تحويل الفحم إلى غاز، وهو ما انعكس أيضاً في قدرتها على تزويد بعض الدول المجاورة بالوقود، في مؤشر على متانة مخزونها.

في المقابل، تسعى الهند بشكل متسارع إلى تأمين احتياجاتها عبر استيراد كميات كبيرة من فنزويلا وروسيا، فيما تعمل على ضبط السوق المحلية من خلال إبقاء الأسعار مستقرة وتعديل الضرائب على المنتجات النفطية، إلا أن مؤشرات الضغط بدأت بالظهور في قطاع النقل مع تقارير عن تقنين الديزل، ما يعكس هشاشة التوازن بين العرض والطلب.

من سنغافورة إلى أستراليا: إدارة الطلب واختلال هيكلي

أما سنغافورة، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الغاز الطبيعي المسال، فقد اتجهت إلى تنويع مصادرها الجغرافية وتعزيز احتياطيات الديزل، بالتوازي مع إطلاق حزمة دعم مالي وتطبيق إجراءات صارمة لترشيد الاستهلاك، شملت ضبط استخدام التكييف وتقليل استهلاك الطاقة في المرافق الحكومية، في محاولة لاحتواء الطلب دون الإخلال بالنشاط الاقتصادي.

بينما تكشف الحالة الأسترالية مفارقة لافتة، إذ رغم كونها مصدراً رئيسياً للطاقة، فإنها تعاني من ضعف في مخزونات الوقود المكرر، ما دفعها إلى خفض الضرائب وتقديم دعم مالي للشركات، إلى جانب تسريع تنويع مصادر الاستيراد والدعوة إلى ترشيد الاستهلاك محلياً، في ظل ضغوط متزايدة على منظومة الإمدادات.

اليابان وماليزيا: تنويع المزيج ودعم يتصاعد

تعتمد اليابان بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط، ما يجعلها أكثر عرضة للصدمات، غير أنها تحركت عبر مزيج من الإجراءات شمل استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية ودعم الأسعار، إلى جانب إعادة تشغيل مفاعلات نووية والسماح بعودة محطات الفحم الأقل كفاءة، في إطار استراتيجية أوسع لتقليل الاعتماد على الغاز القادم عبر مضيق “هُرمز”، مع دور إقليمي داعم من خلال تمويل جهود تأمين الطاقة في جنوب شرق آسيا.

أما في ماليزيا، يفرض الحفاظ على أسعار وقود منخفضة عبئاً مالياً متزايداً على الحكومة، ما دفعها إلى إعادة النظر في آليات الدعم باتجاه مزيد من الاستهداف، بالتوازي مع تشديد الرقابة على التهريب وتقليص الحصص الفردية وتعزيز استخدام الوقود الحيوي، في محاولة للحد من الاستنزاف المالي دون إثارة اضطرابات اجتماعية.

تايلاند والفلبين: من أولوية الحماية إلى الحلول الاستثنائية

تتحرك تايلاند تحت ضغط اقتراب موسم زراعة الأرز، حيث عملت على تأمين الوقود والأسمدة عبر اتفاقيات خارجية، وأطلقت حُزم دعم وقروض لدعم المزارعين والاقتصاد، مع تشديد الرقابة على الأسواق لمنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار، في سياق حماية الأمن الغذائي.

تعكس الفلبين درجة عالية من الهشاشة نتيجة اعتمادها شبه الكامل على واردات الوقود من الخليج، ما دفعها إلى اتخاذ إجراءات استثنائية شملت تعليق سوق الكهرباء الفورية وتقديم دعم مباشر للمواطنين وطرح سقف لأسعار الأرز، بالتوازي مع الدعوة لتفعيل آلية إقليمية لتقاسم الوقود في حالات الطوارئ.

باكستان: الأزمة تبلغ ذروتها

في الجزء الغربي لقارة آسيا، تواجه باكستان أزمة طاقة حادة تجلت في انقطاعات كهرباء طويلة وإجراءات تقشف قاسية تضمنت تقليص أيام العمل وخفض استهلاك الوقود الحكومي ورفع الأسعار، كما اضطرت للجوء إلى السوق الفورية المكلفة لتأمين الغاز، في وقت تسعى فيه للحصول على دعم مالي دولي لتعزيز احتياطاتها وتفادي مزيد من التدهور.

تكشف استجابات دول آسيا والمحيط الهادئ عن نمط مشترك من الاعتماد على حلول قصيرة الأجل، في مقابل تحديات هيكلية أعمق تتعلق بأمن الطاقة واستدامة المالية العامة. ومع استمرار التوترات الجيوسياسية، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق حاسم بين تسريع التحول نحو تنويع المصادر وتعزيز المرونة الاقتصادية، أو مواجهة دورات متكررة من الأزمات الأكثر كلفة وتعقيداً.