تتجاوز التداعيات المباشرة للعمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية في إيران حدود الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، لتضرب في عمق الهيكل الاقتصادي العالمي. ومع إغلاق مضيق “هرمز”، لم تعد الأزمة مقتصرة على أمن إمدادات الطاقة، بل تحولت إلى مُحفز سريع لانهيار شبكات الحماية الاجتماعية في دول الجنوب العالمي.
إن التحذيرات الأممية بانزلاق أكثر من 32 مليون شخص نحو الفقر المدقع لا تعكس مجرد أزمة إنسانية طارئة، بل تكشف عن هشاشة النظام المالي الدولي الذي يقف عاجزاً أمام صدمات متزامنة؛ تتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، وتراجع حاد في تدفقات المساعدات التنموية. هذا المشهد يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة المؤسسات الدولية على استيعاب ارتدادات نزاع مكلف يعيد هندسة أولويات الإنفاق العالمي.
حذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن النزاع العسكري المفتوح قد يدفع نحو 32 مليون شخص في 160 دولة نحو الفقر والهشاشة الاقتصادية. جاءت هذه التحذيرات على لسان مدير البرنامج، ألكسندر دي كرو، خلال اجتماع مجموعة السبع للتنمية في باريس. وتستند التقديرات إلى تداعيات إغلاق مضيق “هُرمز”، الذي يعبر منه خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، وتأثير ذلك على أسواق الطاقة والأسمدة.
وقدرت المنظمة الأممية الحاجة الماسة إلى نحو ستة مليارات دولار كإعانات فورية لدعم الفئات الأكثر تضرراً، في وقت تبلغ فيه تكلفة العمليات العسكرية نحو تسعة مليارات دولار أسبوعياً، وسط تراجع تاريخي في المساعدات التنموية بنسبة 23% العام الماضي.
صدمة الإمدادات في توقيت حرج
يأتي انفجار النزاع وتداعياته الاقتصادية في أسوأ توقيت ممكن للاقتصاد العالمي، وتحديداً لاقتصادات الدول النامية التي لم تتعافَ كلياً من الصدمات المتتالية للأوبئة والنزاعات الجيوسياسية السابقة. إغلاق مضيق “هُرمز” يشلّ الشريان الحيوي لـ 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، لكن الأثر الأعمق يمتد إلى سلاسل توريد الأسمدة والمشتقات البتروكيماوية القادمة من الخليج. هذا الخنق المزدوج للطاقة والغذاء يسرّع من وتيرة التضخم المستورد في دول إفريقيا جنوب الصحراء وجنوب شرق آسيا.
التدخل العسكري لم يكن مفاجئاً بالمعنى الاستراتيجي، لكن سرعة انتقال العدوى الاقتصادية كانت أسرع من قدرة الحكومات على بناء مصدات مالية كافية. الدول ذات الاقتصادات الهشة وجدت نفسها مجبرة على اتخاذ تدابير تقشفية قاسية، كتقنين الوقود وتقليص ساعات العمل، مما يعني شللاً فورياً في الإنتاجية المحلية. الأزمة الحالية لا تكمن فقط في ندرة الموارد وارتفاع كلفتها، بل في الانقطاع المفاجئ لشبكات التحويلات المالية من العمالة المهاجرة في دول الخليج، والتي تمثل شبكة أمان اجتماعي غير رسمية لملايين العائلات في دول مثل بنغلاديش وكمبوديا.
إقتصاد الحرب مقابل التنمية
تبرز في قلب هذه الأزمة مفارقة صارخة تكشف اختلال أولويات النظام الدولي. ففي حين تقدر الأمم المتحدة تكلفة شبكة الأمان المطلوبة لإنقاذ 32 مليون إنسان بنحو ستة مليارات دولار-وهو مبلغ يوصف بالكبير والمعقد توفيره في أروقة صندوق النقد والبنك الدوليين-تبلغ التكلفة التشغيلية للنزاع العسكري نحو تسعة مليارات دولار أسبوعياً. هذا التناقض الرقمي ليس مجرد مفارقة إحصائية، بل هو انعكاس لسياسات تضع الإنفاق الأمني والجيوسياسي فوق اعتبارات الحقوق المدنية والاقتصادية الأساسية.
ويتعمق هذا التناقض مع تسجيل المساعدات التنموية العالمية تراجعاً تاريخياً تجاوز 23% العام الماضي، بقيادة واشنطن، الطرف الأساسي في النزاع الحالي. هذا الانسحاب التدريجي من الالتزامات التنموية بالتزامن مع الانخراط في هندسة عسكرية مكلفة، يضعف شرعية المؤسسات الدولية ويجرّدها من أدواتها الفعالة للتدخل. إن تقليص مساهمات الجهات المانحة الكبرى يحول برامج الإغاثة الأممية إلى مجرد منصات للتحذير والمناشدة، بدلاً من كونها آليات للتدخل الاستباقي، مما يترك الاقتصادات الناشئة في مواجهة منفردة مع عواصف التضخم.
ميزان الخسائر والأرباح: من يدفع الثمن؟
في خرائط النزاعات الكبرى، تتوزع التكاليف بشكل غير متناسب. الخاسر الأكبر هنا ليس بالضرورة الأطراف المباشرة المنخرطة في إطلاق النار، بل “الأطراف الثالثة” المتمثلة في الدول المستوردة للطاقة والغذاء. دول إفريقيا جنوب الصحراء والدول الجزرية النامية تتحمل التكلفة الأكبر عبر تآكل احتياطياتها من العملة الصعبة وعجز موازناتها. في المقابل، تُدفع بعض الدول المنتجة للطاقة خارج منطقة الشرق الأوسط، وتجار السلع الأساسية، نحو تحقيق هوامش ربح استثنائية نتيجة التسعير القائم على علاوة المخاطر.
بيد أن الخسارة تمتد لتشمل استقرار الحكم الرشيد في الدول المتضررة؛ فالضغط الاقتصادي الهائل يترجم سريعاً إلى عدم استقرار سياسي واضطرابات اجتماعية. التخفيضات الضريبية على الوقود التي لجأت إليها بعض الحكومات لتسكين الغضب الشعبي هي حلول ترقيعية ستؤدي حتماً إلى تفاقم الدين العام وتقليص الإنفاق على الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة. بالتالي، المستفيد الاستراتيجي المباشر هي الهياكل الاقتصادية البديلة للنفط والموردين الجدد، بينما تدفع المجتمعات المدنية في الجنوب العالمي ضريبة استقطاب جيوسياسي لا تملك فيه حق النقض.
مسارات الانكماش وإعادة الهيكلة
إذا استمر النزاع أو تعقدت جهود إعادة فتح مسارات الملاحة الآمنة عبر هرمز، فإن العالم يقف على أعتاب ركود تضخمي متزامن. نقاشات البنك الدولي وصندوق النقد لتدبير مليارات الإعانات قد تصطدم ببطء البيروقراطية الدولية وشح السيولة المخصصة للتنمية، ما يعني أن الفجوة الزمنية بين إقرار التمويل ووصوله ستشهد انزلاق ملايين إضافيين تحت خط الفقر الفعلي.
الاتجاه القادم سيشهد إعادة هندسة قسرية لسلاسل التوريد، حيث ستسعى الدول الكبرى مستقبلاً لتقليل اعتمادها الاستراتيجي على “نقاط الاختناق” كالمضائق الإقليمية، مما قد يغير موقع اقتصادات المنطقة في خرائط الطاقة المستقبلية. سياسياً، سيؤدي العجز التنموي الغربي إلى تعزيز فراغ قد تملؤه قوى دولية صاعدة تسعى لتقديم حزم إنقاذ مشروطة بتحالفات سياسية وشراكات استراتيجية جديدة. الأزمة الحالية، بوصفها “تنمية معكوسة”، هي تفكيك منهجي للمكاسب الاقتصادية التي تحققت في العقود الماضية، وتأسيس لنظام عالمي أكثر انقساماً.
لا يمكن قراءة التصعيد الحالي بمعزل عن ارتداداته السوسيو-اقتصادية العميقة. إن إحلال منطق العسكرة محل الاستثمار في الاستقرار التنموي يعيد رسم خارطة الطبقات الاجتماعية عالمياً. الأزمة تتجاوز الحاجة لستة مليارات دولار كمسكنات مالية فورية؛ إنها أزمة ثقة في بنية دولية تسمح بتبخر عقود من التنمية المستدامة في غضون أسابيع، لتترك دول الجنوب تواجه مصيراً اقتصادياً قاتماً في ظل تراجع متعمد لشبكات الأمان المالي.















