بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

باماكو تحت الاختبار: من الحصار إلى كسر التوازن.. هل تفرض “نصرة الإسلام والمسلمين” نفسها لاعبًا في هيكل السُّلطة المقبلة؟

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

بعد نحو عام من حصار العاصمة المالية باماكو بشكل غير مباشر، انتقلت “جبهة نصرة الإسلام والمسلمين” إلى مرحلة أكثر جرأة، عبر نقل عملياتها إلى محيط المدينة نفسها. يعكس هذا التحول إعادة صياغة استراتيجية تقوم على استثمار المكاسب الميدانية في معركة أعمق: الضغط على مركز القرار بدل الاكتفاء بالسيطرة على الأطراف.

خلال الأشهر الماضية، وسّعت الجماعة نفوذها في الوسط والجنوب، مستفيدة من تراجع حضور المؤسسات الرسمية في مناطق عدّة، ومن قدرتها على التكيف مع الجغرافيا المحلية والتحالفات القبلية. 

باماكو.. هدف سياسي أكثر منه عسكري

إن الوصول إلى تخوم باماكو، أو حتى إظهار القدرة على تهديدها، يمنح الجماعة ورقة استراتيجية تثبت أن السلطة لم تعد قادرة على حماية قلبها. وهذه الرسالة، بحد ذاتها، كفيلة بإعادة تشكيل حسابات النخبة السياسية والعسكرية. وفي هذا السياق، تبدو رؤية قيادة الجماعة، الممثلة بإياد أغ غالي ونائبه أمادو كوفا، قائمة على معادلة مختلفة: ليس إسقاط باماكو بالقوة، بل دفعها إلى الانهيار التدريجي من الداخل، عبر استنزاف المؤسسة العسكرية وخلق بيئة سياسية مضطربة. 

رغم الطابع الصادم للهجمات، فإن سقوط العاصمة بيد الجماعة يبقى احتمالًا ضعيفًا في المدى القريب، بالنظر إلى التعقيدات الاجتماعية والعسكرية. غير أن أهمية ما جرى تكمُن في رمزيته، وهي القدرة على اختراق محيط السلطة.

يندرج هذا النمط من العمليات ضمن استراتيجية أشمل تسعى إلى فرض الجماعة كفاعل لا يمكن تجاهله في أي تسوية سياسية قادمة، على غرار نماذج شهدتها ساحات مثل أفغانستان وسوريا، حيث نجحت جماعات مسلحة في التحول من قوة ميدانية إلى طرف سياسي مفروض.

تقاطع مؤقت مع أزواد.. واختلاف في المشروع

في الشمال، تتقدم جبهة “أزواد” مستفيدة من الانكشاف العسكري، ما يخلق تقاطعًا موضوعيًا مع تحركات الجماعة الجهادية بهدف إضعاف سلطة باماكو. غير أن هذا التقاطع يُبطن اختلافًا عميقًا في الأهداف:

أولاً: جبهة “أزواد” تسعى إلى حكم ذاتي أو صيغة سياسية خاصة بالإقليم.

ثانياً: تدفع “جبهة نصرة الإسلام والمسلمين” نحو مشروع أيديولوجي يتجاوز حدود مالي، ويقوم على تطبيق رؤيتها المتشددة للشريعة.

ثالثاً: هذا التباين يجعل العلاقة بين الطرفين أقرب إلى “تقاطع مصالح مرحلي” لا إلى تحالف استراتيجي، ما يزيد من تعقيد المشهد بدل تبسيطه.

ساحة تنافس دولي مفتوحة

يتزامن هذا التصعيد مع احتدام الصراع الدولي على الساحل. فمالي أصبحت نقطة ارتكاز للتنافس بين الغرب، الساعي لتقليص نفوذ الأنظمة العسكرية وإعادة مسار الحكم المدني من جهة، وروسيا التي عززت حضورها العسكري واللوجستي وتسعى إلى تثبيت نفوذ طويل الأمد من جهة أخرى. وفي المشهد الخلفي، تواصل الصين وتركيا توسيع شراكاتهما الاقتصادية، ما يضيف بُعدًا اقتصاديًا للصراع السياسي والعسكري.

تكشف التطورات أن مالي دخلت مرحلة مختلفة لم يعد فيها الصراع يدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل حول إعادة تشكيل بنية السلطة نفسها. وفي هذا الإطار، يبدو تحرك “نصرة الإسلام والمسلمين” خطوة محسوبة ضمن استراتيجية طويلة الأمد، تعتمد على تعظيم الضغط، وإضعاف المركز، وانتظار لحظة سياسية قد تفتح الباب أمام إعادة توزيع للسلطة، تكون الجماعة فيها أحد اللاعبين، حتى من دون أن تسيطر على باماكو عسكريًا.