بالتزامن مع الهجوم الواسع الذي تَعرّضت له العاصمة المالية باماكو، السبت، عززت تشاد إجراءاتها الأمنية، ونفذت حملات اعتقال في العاصمة أنجمينا، في مؤشر على تحركات استباقية لمنع أي سيناريو مشابه، في ظل الترابط الوثيق بين الجماعات المُتطرفة المنتشرة في منطقة الساحل والبحيرة. مع تقديرات تشير إلى احتمال وجود تأثيرات مرتبطة بعودة نشاط تنظيم القاعدة في الإقليم، خصوصاً عبر جبهة “نصرة الإسلام والمسلمين”.
تأتي هذه التطورات وسط توتر أمني ملحوظ واعتقالات واسعة، على خلفية قرار السلطات التشادية حلّ “مجموعة التشاور للفاعلين السياسيين”، ومنع مسيرة احتجاجية كانت مقررة يوم السبت، ما يعكس تداخل البُعد الأمني مع السياق السياسي الداخلي.
سياق أمني مُعقّد
التوتر الحالي في تشاد يتزامن مع سياق أمني مُعقد، إذ تواجه البلاد منذ سنوات تهديدات مُتصاعدة، خاصة في منطقة بحيرة تشاد وعلى الحدود مع النيجر. وقد تمكنت مُؤخراً من صدّ هجوم شنّته جماعة “بوكو حرام”، إلى جانب تسجيل هجمات أخرى في جنوب البلاد.
أفادت مصادر متطابقة بتوقيف عدد من مسؤولي وأعضاء التجمع في أنجمينا، بينهم أفوكسوما دجونا أتشيينيمو، رئيس حزب “الديمقراطيون” وعضو مجموعة التشاور للفاعلين السياسيين. كما حذّرت وزارة الأمن العام من أي تحرك احتجاجي، مُعتبرة أن الدعوات إلى التظاهر تشكل تهديداً للنظام العام، مع التلويح باتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين.
كما يأتي هذا التصعيد في سياق إقليمي مُضطرب، إذ تُلقي التهديدات الأمنية في منطقة الساحل بظلالها على الداخل التشادي، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي، ويضع البلاد أمام اختبار دقيق في إدارة التوازن بين متطلبات الأمن والاستقرار من جهة، والحريات السياسية وحرية التعبير من جهة أخرى.
أنشطة مُدمّرة
عانت تشاد، خلال العقد الماضي، من الأنشطة المدمّرة للتنظيمات المتطرفة، مثل “بوكو حرام” والجماعات المنشقة عن تنظيم “داعش”. وتنشط “بوكو حرام”، أو جناحها المنشق الذي بات يعمل تحت اسم “تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا”، في منطقة “بحيرة تشاد”، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية المعقدة وصعوبة السيطرة الكاملة على الحدود.
في خضم الحرب المستمرة في السودان منذ منتصف إبريل 2023، حذّرت مجلة “فورين بوليسي” من أن الصراع الدائر قد يؤدي إلى زعزعة استقرار تشاد والتأثير على منطقة الساحل بأكملها. ووفقاً للمجلة، فإن الحرب في السودان أسهمت في توسيع تجارة الأسلحة غير المشروعة، نتيجة ظهور ممرات تهريب جديدة تشمل ليبيا وبوركينا فاسو وتشاد ومالي والنيجر.
ترابط وتزامن الهجمات
تُظهر تطورات السنوات الأخيرة أن دول المنطقة تتأثر بسرعة بالأحداث التي تقع في أي دولة مجاورة، وهو ما تجلّى في ترابط الهجمات الإرهابية والانقلابات في عدد من البلدان.
وخلال الفترة الماضية، تزامنت هجمات نفذتها جماعات مثل “جبهة نصرة الإسلام والمسلمين”، إلى جانب “بوكو حرام” و”داعش”، في دول عدة، بينها نيجيريا وتشاد ومالي.
يرى الخبير الأمني في شؤون الساحل وبحيرة تشاد، الدكتور يوسف آدم، أن تداعيات الهجمات الإرهابية لا تبقى محصورة داخل حدود دولة واحدة، بل تمتد سريعاً إلى دول الجوار، ضمن ما وصفه بـ”الدائرة الأمنية المُتصلة غير القابلة للعزل”. ويشير إلى تزامن أنشطة الجماعات المسلحة عبر النيجر ونيجيريا والكاميرون وبوركينا فاسو، وصولاً إلى مالي، ما يعكس تطوراً في قدرتها على التحرك عبر الحدود واستغلال هشاشة الأمن في المناطق الريفية.
كما أضاف أن بعض التقديرات الأمنية غير المؤكدة تشير إلى وجود شبكات دعم لوجستي عابرة للحدود، ما يعزز قدرة هذه الجماعات على إعادة التموضع وتنفيذ عمليات متزامنة في أكثر من دولة.
ويشدّد آدم على أن تشاد تمثل حالة خاصة في الإقليم، إذ تمكنت قواتها، وفق تقديره، من إحباط عدد من المحاولات التخريبية عبر عمليات استباقية وتفكيك خلايا نائمة قبل تنفيذ أي هجمات داخل أراضيها. وأكد أن هذا النجاح يعود إلى “النهج الاستباقي” الذي تتبعه الأجهزة الأمنية والعسكرية، إلى جانب تشديد الرقابة على الحدود وتعزيز التعاون الاستخباراتي الإقليمي.
تشاد على حافة التوازن
في بيئة إقليمية تتسارع فيها التهديدات وتتداخل فيها الجغرافيا الأمنية مع الحسابات السياسية، تقف تشاد على خط تماس دقيق بين استباق الخطر والانزلاق إلى دائرة عدم الاستقرار. وبينما يمنح النهج الأمني الاستباقي السلطات هامشاً لاحتواء التهديدات العابرة للحدود، فإن اتساع الإجراءات الداخلية يطرح تساؤلات متزايدة حول كلفة هذا التوازن على المجال السياسي والحريات العامة.
ومع ترابط ساحات الصراع في منطقة الساحل، سيبقى مستقبل الاستقرار في تشاد مرهوناً بقدرتها على إدارة هذا التوازن الحرج، دون أن يتحول الضغط الأمني إلى عامل إضافي لإعادة إنتاج الهشاشة التي تسعى إلى احتوائها.















