لم يعد ما تشهده مالي مُجرد تصعيد أمني تقليدي في بلد اعتاد دوامات العنف، بل يبدو أقرب إلى لحظة مفصلية قد تعيد تعريف توازن القوة بين الدولة وخصومها. الهجوم المنسق الذي انطلق من الشمال، مع استعادة جبهة تحرير “أزواد” لمدينة كيدال، وتزامن مع إطلاق نار في محيط العاصمة، يطرح سؤالًا ثقيلًا: هل دخلت باماكو بالفعل مرحلة العدّ العكسي؟
المعطيات الميدانية تشير إلى تحول نوعي. في الشمال، استعادت القوى الأزوادية زمام المبادرة في كيدال، وهي ليست مُجرد مدينة، بل عقدة رمزية واستراتيجية في الصراع الممتد منذ سنوات. السيطرة عليها تعني، عمليًا، استعادة نقطة ارتكاز يمكن البناء عليها عسكريًا وسياسيًا.
استهداف العمق الحكومي وخلخلة مراكز القرار
لكن ما يُضفي على المشهد بعدًا أكثر خطورة هو التزامن. ففي الوقت الذي كانت فيه الجبهات الشمالية تشتعل، سُمع دوي إطلاق نار في منطقة كاتي القريبة من باماكو، حيث مقر إقامة رئيس المجلس العسكري الجنرال أسيمي غويتا، وفق ما نقله شهود ومصادر أمنية. كما امتدت أصوات الرصاص إلى غاو وسيفاري، ما يُوحي بأن البلاد تواجه ضغطًا متزامنًا على عدة محاور.
هذا التزامن لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة الفاعلين. فإلى جانب القوى الأزوادية، تنشط جماعات جهادية على رأسها “جبهة نصرة الإسلام والمسلمين”، التي تملك خبرة طويلة في استهداف العمق الحكومي وخلخلة مراكز القرار. حتى في غياب إعلان رسمي عن المسؤولية، فإن نمط الهجمات يُوحي بأن هذه الجماعات إما تشارك في التصعيد أو تستثمره.
تفكك المركز.. حين يصل الرصاص إلى تُخوم الحكم
الخطير في تطورات اليوم ليس فقط اتساع رقعة الاشتباك، بل اقترابه من مركز السلطة. إطلاق النار في كاتي، حيث يقيم رأس النظام، يحمل دلالة تتجاوز البعد العسكري إلى الرمزي: الدولة لم تعد قادرة على تحصين قلبها.
تتعمق هذه الصورة مع تداول أنباء عن اعتقال وزير الدفاع ساجو كامارا، وفرار حاكم كيدال العسكري حاجي غامو بمروحية. ورغم عدم تأكيد هذه المعلومات رسميًا، فإن مُجرد تداولها يعكس مستوى التصدع داخل المؤسسة العسكرية، ويغذي شعورًا بفقدان السيطرة.
سياق هش.. سلطة عسكرية بلا سند كافٍ
تأتي هذه التطورات على أرضية سياسية وأمنية هشَّة. فمنذ انقلابي 2020 و2021، يحكم العسكريون البلاد دون أفق واضح لعودة المدنيين إلى السلطة، رغم تعهدات سابقة لم تُنفذ. وفي يوليو 2025، مُنح أسيمي غويتا رئاسة لخمس سنوات قابلة للتجديد دون انتخابات، ما عَمَّق عزلة النظام داخليًا وخارجيًا.
على الصعيد الدولي، قطعت باماكو شوطًا في الابتعاد عن شركائها الغربيين، خصوصًا فرنسا، واتجهت نحو موسكو، حيث لعبت مجموعة “فاغنر” دورًا محوريًا منذ 2021، قبل أن تعلن في 2025 تحولها إلى كيان تابع لوزارة الدفاع الروسية. غير أن هذا التحول لم يترجم إلى استقرار ميداني مستدام، بل استمرت الهجمات وتوسعت جغرافيًا.
تعدد الجبهات.. معادلة استنزاف مفتوحة
ما يُميز المشهد الحالي هو تلاقي مسارين: تمرُّد أزوادي يسعى لإعادة فرض نفسه في الشمال، وجماعات جهادية تضرب في العمق، في وقت تعاني فيه الدولة من محدودية الموارد وتآكل الشرعية. هذا التلاقي لا يعني بالضرورة تنسيقًا مباشرًا، لكنه يخلق تأثيرًا تراكميًا يضعف الدولة من عدة اتجاهات.
في هذا السياق، تتحول باماكو من مركز تحكم إلى هدف مُحتمل، خاصة إذا استمر الضغط على الجبهات دون قدرة واضحة على احتوائه. فالحروب الحديثة لا تُحسم دائمًا بسقوط المدن، بل بتآكل القدرة على إدارتها.
هل نحن أمام نقطة اللاعودة؟
لا يمكن الجزم بأن سقوط باماكو وشيك، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن ميزان القوة لم يعد يميل بوضوح لصالح الدولة. وإذا استمر هذا النمط من الهجمات المنسقة، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس انهيارًا سريعًا، بل استنزافًا طويلًا قد ينتهي بتفكك فعلي للسلطة المركزية.
ما يحدث اليوم قد لا يكون النهاية، لكنه بالتأكيد بداية مرحلة أكثر خطورة، حيث يصبح سؤال “متى تسقط باماكو؟” مطروحًا بجدية في دوائر التحليل، بعد أن كان مُجرد احتمال نظري.















