بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

بروكسل في قلب الاختبار الأوروبي: تمدد “الإخوان المسلمين” يضع الأمن في مواجهة معادلة الحقوق

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

لم يعد وجود “جماعة الإخوان المسلمين”في بروكسل مُجرد نشاط دعوي لجاليات مهاجرة، بل تحول إلى تمركز استراتيجي في “المنطقة الرمادية” المحاذية لمراكز القرار السيادي (الاتحاد الأوروبي والناتو). تكمن خطورة هذا التمدد في قدرته على استغلال الفجوات التشريعية البلجيكية لتحويل العاصمة من مقر إداري إلى قاعدة لوجستية وأيديولوجية عابرة للحدود، مما يضع الدولة البلجيكية في مواجهة مأزق بنيوي بين التزاماتها الحقوقية وهواجسها الأمنية “غير المباشرة”.

لا تعتمد هذه الشبكات على المواجهة المباشرة، بل على ما يُعرف باستراتيجية “الانتريزم” أو الاختراق التدريجي، وهي مقاربة تقوم على التغلغل داخل المجتمع ومؤسساته بدل الاصطدام معه.

يتجلى ذلك في أربعة مسارات رئيسة. أولها التعليم، حيث تُدار مدارس ومراكز تربوية يُشتبه في اعتمادها مناهج ذات طابع أيديولوجي. وثانيها العمل السياسي والمجتمعي، من خلال تقديم هذه الكيانات نفسها بوصفها مُمثلاً للمسلمين، مع ممارسة ضغوط غير مباشرة على صناع القرار.

أما المسار الثالث فيتمثل في التمويل، إذ كشفت تقارير عن تدفقات مالية من جهات خارجية، إلى جانب الاستفادة من دعم أوروبي رسمي. في حين يظهر المسار الرابع في تحوّل بروكسل إلى ملاذ لكيانات تم حلّها في دول أخرى، مثل إعادة تموضع منظمات خرجت من فرنسا تحت مسميات جديدة.

شُبهات متراكمة: بين “التمكين الناعم” والبيئة الحاضنة

على الرغم من عدم تصنيف “جماعة الإخوان” كمنظمة إرهابية في بلجيكا، فإن تقارير أوروبية متزايدة تربط بين خطابها الأيديولوجي وبين خلق بيئات قد تكون عرضة للتطرف. لا يتعلق الأمر بصلات مباشرة بالعنف، بل بدور محتمل في تشكيل “حاضنة فكرية” تُمهّد لظهور تيارات أكثر تشدداً.

كما تُثار تساؤلات حول ظواهر الانعزال المجتمعي، حيث تتهم بعض هذه الشبكات بتعزيز نموذج “المجتمعات الموازية”، بما يضعف الاندماج ويزيد من حدة الاستقطاب داخل المجتمع البلجيكي.

يكمن التناقض الصارخ في الموقف الحكومي؛ التقارير الرسمية تقر بأن الهدف النهائي لهذه الشبكات هو إقامة نظام يتعارض مع القيم الديمقراطية، ومع ذلك ترفض تصنيفها كتهديد مباشر. 

هذا السلوك يفسره منطق “تأجيل المواجهة” حفاظاً على السلم الاجتماعي الهش، وخوفاً من خسارة الكتل التصويتية في مجتمع يتسم بتعددية دينية معقدة. إنها “مقايضة سياسية” تمنح الجماعة وقتاً للتمكين مقابل الهدوء الأمني المؤقت.

موقف الحكومة: اعتراف بلا حسم

في مارس/ آذار الماضي، أقرّ تقرير رسمي بلجيكي بأن الهدف النهائي لـ”الإخوان” يتمثل في إقامة نظام يستند إلى مرجعية دينية شاملة، وأن أيديولوجيتهم قد تتعارض مع القيم الديمقراطية. ومع ذلك، خلص التقرير إلى أنهم لا يشكّلون تهديداً مباشراً من حيث العنف.

هذا التوصيف يعكس جوهر السياسة البلجيكية: الاعتراف بالمشكلة من دون الانتقال إلى مواجهة حاسمة. وتبرر الحكومة هذا النهج بالحفاظ على التوازن الداخلي وتجنّب تأجيج التوترات، خصوصاً في ظل التنوع الديني والثقافي.

غير أن هذا الحذر يواجه انتقادات متزايدة، إذ يرى مراقبون أنه يفتح المجال أمام توسّع النفوذ من دون رقابة كافية، مدفوعاً أيضاً بحسابات انتخابية تتعلق بثقل الأصوات المسلمة.

حلقة رخوة في جدار أوروبي صلب

بينما تتجه باريس وفيينا نحو “تأميم” المجال الديني وتشديد الرقابة المالية، تظل بروكسل تمثل الثغرة في المنظومة الأمنية الأوروبية المشتركة. هذا التباين يخلق حالة من “الارتباك القاري”، حيث يمكن لمنظمة محظورة في باريس أن تمارس ضغوطها على المفوضية الأوروبية عبر مكتب مسجل قانونياً في بروكسل. إن “الحالة البلجيكية” هي اختبار لمدى قدرة الليبرالية الأوروبية على الصمود أمام تنظيمات تستخدم أدوات الديمقراطية لتقويض فلسفتها.

وتزداد حساسية الوضع نظراً للموقع الاستراتيجي لبروكسل، حيث يمنح أي نفوذ داخلها امتداداً مباشراً إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بما يفتح الباب أمام تأثير يتجاوز الحدود الوطنية.

تكشف الحالة البلجيكية عن معضلة أعمق تواجه الديمقراطيات الغربية: كيف يمكن التوفيق بين حماية الحريات العامة ومنع استغلالها لبناء نفوذ أيديولوجي طويل الأمد؟ التهديد، كما تشير العديد من التحليلات، لم يعد تقليدياً أو عنيفاً، بل بات يتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً، تبدأ من المدرسة والجمعية، ولا تنتهي عند صناديق الاقتراع.

جذور التمدد: من الهجرة إلى التمكين

يعود الحضور “الإخواني” في بلجيكا إلى ستينيات القرن الماضي، مع تدفّق العمال المهاجرين من المغرب وتركيا. في تلك المرحلة، كان التدين السائد تقليدياً وبعيداً عن التنظيم السياسي. غير أن “جماعة الإخوان” نجحت في استثمار هذا الفراغ التنظيمي لبناء بنية تحتية دعوية ومؤسساتية داخل الجاليات المسلمة.

شكّل تأسيس “المركز الإسلامي والثقافي” في بروكسل العام 1969، بتمويل سعودي، نقطة تحول مفصلية، إذ لعب دوراً محورياً في تمثيل المسلمين رسمياً حتى تسعينيات القرن الماضي. ومع تلك المرحلة، بدأ الانتقال من العمل الديني التقليدي إلى بناء شبكة من الجمعيات والهيئات التي تعمل بواجهات مدنية، لكنها ترتبط فكرياً بمنهج الجماعة.

يقوم النفوذ “الإخواني” في بلجيكا على بنية تنظيمية متشعبة تتوزع بين مؤسسات دينية، ومنظمات شبابية، وهيئات أوروبية عابرة للحدود. في مقدمة هذه الشبكات تبرز “رابطة المسلمين في بلجيكا”، التي تُعد من أبرز الأطر التنظيمية وتدير عدداً من المساجد والفروع في مدن رئيسة. 

كما يلعب “المنتدى الأوروبي للشباب المسلم والطلاب” دوراً في استقطاب الشباب داخل الجامعات، مستفيداً من التمويل الأوروبي، على الرغم من الجدل حول خلفياته الفكرية.

أما “مجلس المسلمين الأوروبيين”، الذي يتخذ من بروكسل مقراً له، فيُنظر إليه كمنصة تنسيق على مستوى القارة، تُعنى بصياغة استراتيجيات التأثير داخل المؤسسات الأوروبية والحكومات الوطنية.

سياسة انتظار أم مخاطرة مؤجلة؟

تبدو بلجيكا اليوم أمام خيار صعب: الاستمرار في سياسة “الانتظار الحذر”، أو الانتقال إلى مقاربة أكثر صرامة تعيد رسم حدود العمل الديني والسياسي. وبين هذين الخيارين، يبقى السؤال مفتوحاً حول كلفة التأجيل.

ما يجري في بروكسل ليس مجرد ملف داخلي، بل اختبار لقدرة أوروبا على التعامل مع ظواهر تقع في المنطقة الرمادية بين الدعوي والسياسي. وفي ظل غياب رؤية موحدة، قد تتحول هذه الحالة إلى نموذج يتكرر في عواصم أخرى.

لا يتعلق الأمر بصراع مع دين أو مجتمع، بل بكيفية إدارة نفوذ تنظيمي عابر للحدود، يعمل بصمت، ويختبر – بهدوء – صلابة النموذج الديمقراطي الأوروبي.

تستفيد جماعة الإخوان في بروكسل من “بيروقراطية المؤسسات الأوروبية” أكثر من استفادتها من الشارع البلجيكي نفسه؛ القدرة على اختراق لجان الاستماع في البرلمان الأوروبي تحت ستار “مكافحة الإسلاموفوبيا” تمنحهم حصانة سياسية وأخلاقية تصعّب على الأمن البلجيكي اتخاذ إجراءات قمعية دون التصادم مع معايير حقوق الإنسان الأوروبية. إنهم يمارسون “السياسة السيادية” من داخل الفراغ القانوني للدولة المضيفة.