بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير حصري

في ذكرى “إعلان الاستقلال”.. “أزواد” تفتح جبهتين: تصعيد عسكري واسع بالمسيرات وضغط دبلوماسي لإعادة رسم معادلة مالي

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

في مشهد يعكس تحولاً مزدوجاً في مسار الصراع شمال مالي، صعّدت جبهة تحرير “أزواد” عملياتها العسكرية خلال مارس 2026 بوتيرة غير مسبوقة، بالتزامن مع تحرك دبلوماسي واسع لإعادة تقديم نفسها كفاعل سياسي في أي تسوية مستقبلية، وذلك في توقيت يتقاطع مع الذكرى السادسة لإعلان استقلال الإقليم في السادس من إبريل الجاري.

يشير هذا التوازي بين الميدان والسياسة إلى دخول الجبهة مرحلة جديدة، تتجاوز نمط التمرد التقليدي نحو بناء موقع مركّب يجمع بين الضغط العسكري والشرعية السياسية.

تصعيد ميداني مركز: من الاستنزاف إلى ضرب القواعد

في مارس الماضي، جرى تنفيذ سبع عمليات عسكرية متتالية تركزت في ولايتي كيدال وغاو، استهدفت بشكل مباشر الجيش المالي وعناصر ما يُعرف بـ”الفيلق الإفريقي” الروسي.

بدأت العمليات في الرابع من مارس/آذار الماضي بهجمات على دوريات جنوب كيدال، قبل أن تتصاعد بعد أيام قليلة بهجوم واسع باستخدام نحو 25 طائرة مسيّرة انتحارية استهدفت مطاراً عسكرياً داخل معسكر في غاو، في واحدة من أكبر الهجمات من نوعها في المنطقة.

وتوالت العمليات بعد ذلك بوتيرة متقاربة، شملت استهداف قوافل عسكرية ومعسكرات في سالو وإبدقن وإرابيجي وأجيلهوك، وصولاً إلى هجوم أنفيف في 30 مارس/آذار، الذي وُصف بأنه ذروة التصعيد، بعد استهداف مقر عسكري بصواريخ وطائرات مسيّرة، ما أدى إلى تدمير آليات ومرافق حيوية.

يعكس هذا النمط تحولاً من حرب العصابات إلى تكتيكات هجومية مركّزة تستهدف البنية العسكرية الثابتة، وهو تطور نوعي في قدرات الجبهة.

سلاح المسيّرات يغيّر قواعد الاشتباك

يبرز الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة كأحد أهم ملامح هذا التصعيد، في سياق اتجاه عالمي متزايد نحو اعتماد هذه التكنولوجيا في النزاعات غير المتكافئة.

وتشير دراسات أمنية إلى أن انتشار الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة مكّن جماعات مسلحة من تنفيذ هجمات دقيقة على أهداف حساسة، بما في ذلك المطارات والقواعد العسكرية، وهو ما ظهر بوضوح في هجوم غاو. هذا التحول يضع الجيش المالي أمام تحديات جديدة، خصوصاً في ظل محدودية أنظمة الدفاع الجوي في بيئة صحراوية واسعة.

تركزت الهجمات أيضاً على عناصر مرتبطة بروسيا، في إشارة إلى استهداف مباشر للوجود العسكري الجديد في مالي، والذي جاء بعد انسحاب القوات الفرنسية.

يُنظر إلى هذا الوجود على أنه امتداد لإعادة انتشار مجموعة “فاغنر”، ضمن استراتيجية أوسع لروسيا لتعزيز نفوذها في منطقة الساحل، عبر شراكات أمنية مع الأنظمة العسكرية الحاكمة في دول الساحل الثلاث النيجر وبوركينا فاسو ومالي. وهو ما يمنح الصراع طابعاً يتجاوز الإطار المحلي، ليقترب من كونه ساحة تنافس جيوسياسي.

حراك دبلوماسي موازٍ: الجبهة تعيد تقديم نفسها

بالتوازي مع العمليات العسكرية، أطلقت جبهة تحرير “أزواد” في عام 2025 حملة دبلوماسية نشطة، شملت اتصالات ولقاءات مع أطراف إقليمية ودولية من بينها:

  • التواصل مع قادة أفارقة ضمن المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس”.
  • قنوات اتصال مع الاتحاد الأوروبي.
  • تحركات داخل الأمم المتحدة.

في هذا الإطار، عرضت الجبهة نفسها كشريك في أي عملية سلام تضمن ما تصفه بـ”الحقوق التاريخية للشعب الأزوادي”، وكذلك كشريك في جهود مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، التي تشهد تصاعداً في منطقة الساحل.

تقاطع مع المعارضة وضغط داخلي على باماكو

يتقاطع هذا الحراك مع اتصالات داخلية، إذ تشير تقديرات إلى تقارب مع شخصيات معارضة بارزة، من بينها محمود ديكو، في سياق ضغوط متزايدة على المجلس العسكري الحاكم. تأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه مالي، إلى جانب دول الساحل، عزلة سياسية دولية، بعد سلسلة الانقلابات العسكرية التي شهدتها المنطقة منذ 2020.

يتزامن هذا المشهد مع تصاعد نفوذ الجماعات المتطرفة، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي وسّعت عملياتها في محيط العاصمة باماكو. وبحسب تقديرات أمنية، نجحت هذه الجماعات في فرض ضغط كبير على طرق الإمداد، ما أدى إلى تراجع الخدمات الأساسية وخلق حالة من العزلة الأمنية للعاصمة، في مؤشر على هشاشة الوضع الداخلي.

كما تشير تقارير دولية إلى أن منطقة الساحل أصبحت إحدى أسرع بؤر الإرهاب نمواً في العالم، مع ارتفاع ملحوظ في عدد الهجمات خلال السنوات الأخيرة.

جبهة أزواد في أفضل حالاتها؟

في ضوء هذه المعطيات، يرى مراقبون أن جبهة تحرير أزواد تقف اليوم عند أقوى نقطة لها منذ سنوات، مستفيدة من:

  • إعادة بناء قدراتها العسكرية.
  • تطوير أدوات القتال، خاصة المسيّرات.
  • توسيع حضورها السياسي والدبلوماسي.

وبينما تسعى الجبهة إلى فرض نفسها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة مستقبلية، يبقى المشهد مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، في منطقة تلتقي فيها الصراعات المحلية مع الحسابات الدولية.

وما التصعيد الأخير في شمال مالي إلا انعكاساً لتحول عميق في طبيعة الصراع، حيث لم تعد المواجهة محصورة بين جيش وجماعات متمردة، بل أصبحت ساحة مركبة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والتكنولوجية والسياسية.

في قلب هذا التغيير، تحاول جبهة تحرير “أزواد” إعادة تعريف موقعها، مستفيدة من لحظة إقليمية مضطربة، لتطرح نفسها لاعباً رئيسياً في مستقبل مالي، في وقت تبدو فيه الدولة المركزية تحت ضغط غير مسبوق.