يخوض لبنان حالياً أخطر منعطفاته البنيوية منذ نهاية الحرب الأهلية، في وقت لم تعد فيه الأزمة مجرد صراع على ترسيم حدود أو وقف لإطلاق النار، بل تحولت إلى صدام وجودي بين مفهوم “الدولة” وسردية “السلاح غير الشرعي”. في اللحظة الراهنة تتقاطع ثلاثة مسارات: ضغط أمريكي-إسرائيلي لإعادة هندسة الأمن الإقليمي، براغماتية إيرانية تعيد ترتيب أوراقها، واندفاعة رسمية لبنانية لمحاولة استعادة احتكار قرار الحرب والسلم. وفي هذا المشهد المعقد، لم تعد المدافع وحدها من يرسم مستقبل البلاد، بل باتت طاولات التفاوض في واشنطن جزءاً أساسياً من معركة تقرير المصير.
في تحول تكتيكي، أعلنت حكومة بنيامين نتنياهو الانخراط في مفاوضات مباشرة مع لبنان في العاصمة الأمريكية واشنطن. هذا المسار، الذي عبّدته إدارة ترامب ومبعوثه ستيف ويتكوف، لم ينطلق من رغبة إسرائيلية في التهدئة، بل من إدراك لتكلفة الاستنزاف العسكري في الجنوب اللبناني، واستجابة لضغوط أمريكية تهدف إلى عزل الساحة اللبنانية عن مسار التفاوض الأكبر مع طهران.
ومع ذلك، تفرض تل أبيب سقفاً تفاوضياً يتبنّى استراتيجية “الأمن المستدام”؛ أي تفكيك البنية العسكرية لـ”حزب الله” جنوب الليطاني، مع الاحتفاظ بحرية التحرك العسكري ورفض وقف إطلاق النار المسبق، وهو ما يفرغ العملية التفاوضية من ضماناتها الكلاسيكية.
صدمة الميدان وتسريع المسار السياسي
شكّلت ضربات 8 إبريل/نيسان الإسرائيلية على لبنان محطة مفصلية في مسار الأزمة، إذ حملت رسائل ميدانية قاسية أعادت خلط الأوراق الداخلية والخارجية. كما كشفت حجم الهشاشة الأمنية، وسرّعت في الوقت نفسه اندفاعة المسار السياسي نحو البحث عن مخرج تفاوضي. بالتوازي، تصاعدت المخاوف داخل الأوساط السياسية من محاولات التفاف على قرارات الدولة أو فرض وقائع جديدة بـ”قوة الأمر الواقع”، ما أعاد إلى الواجهة الحديث عن محاولات تعطيل أو تقويض السلطة التنفيذية.
في هذا السياق، برز طرح نواف سلام القاضي بجعل بيروت مدينة منزوعة السلاح كإشارة سياسية واضحة إلى السعي لترسيخ سيادة الدولة في قلبها الإداري والسياسي، وكمقدمة رمزية وعملية لإعادة ضبط التوازن الأمني على مستوى البلاد.
شروط إسرائيل: الأمن أولاً وأخيراً
تدخل إسرائيل المفاوضات بسقف مرتفع يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار، فهي تطرح مفهوم “الأمن المستدام”، الذي يشمل نزع سلاح “حزب الله” بالكامل، خصوصاً جنوب نهر الليطاني، وتفكيك بنيته التحتية العسكرية.
الأخطر أن نتنياهو شدد على أن إسرائيل لن تلتزم بوقف إطلاق النار خلال التفاوض، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول جدية العملية. كما تصر تل أبيب على الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية داخل لبنان، وهو ما تعتبره بيروت مساساً مباشراً بسيادتها.
ستُعقد المفاوضات في وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن، ما يؤكد أن الولايات المتحدة تمسك بالخيوط الأساسية. يرأس الوفد الأمريكي السفير ميشال عيسى، بينما تمثَّل إسرائيل عبر السفير يحيئيل لايتر، المدعوم بفريق أمني من دوائر صنع القرار في تل أبيب. أما الجانب اللبناني، فتقوده السفيرة ندى حمادة معوض، بمساندة فريق تقني من ضباط الجيش اللبناني المتخصصين في الشؤون الحدودية.
الدولة اللبنانية: عون وسلام يرسمان الخط الأحمر
في مواجهة الطرح الإسرائيلي، يتمسك لبنان بشروط واضحة يقودها كل من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. ويؤكد عون أن وقف إطلاق النار هو المدخل الإلزامي لأي مفاوضات، مشدداً على أن التفاوض تحت القصف يفقد معناه السياسي.
أما نواف سلام، فيقود مقاربة أكثر شمولية، تربط بين التفاوض وضمانات دولية واضحة، وانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي المحتلة، بما فيها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، إضافة إلى عودة النازحين وتعويض الأضرار.
في المقابل، يتموضع “حزب الله” في مواجهة مباشرة مع المسار الرسمي للدولة اللبنانية، رافضاً بشكل قاطع أي انخراط في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. فقد أعلن الأمين العام للحزب نعيم قاسم أن هذه المفاوضات تمثل “استسلاماً بالإكراه”، معتبراً أن أي طرح لنزع سلاح الحزب يشكل تهديداً لوجوده ودوره.
من جهته، شدد النائب علي فياض على رفض الحزب لأي مسار تفاوضي لا يسبقه وقف كامل للعمليات العسكرية وانسحاب إسرائيلي، في موقف يعكس تمسك الحزب بشروطه الخاصة خارج إطار القرار الرسمي للدولة.
تصعيد داخلي: قماطي وبري بين التهديد والاحتواء
لم يعد التوتر محصوراً في السجال السياسي، بل انتقل إلى مستوى التهديد المباشر بتقويض السلطة التنفيذية. فقد لوّح محمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي في “حزب الله”، بإسقاط حكومة نواف سلام، مستخدماً خطاباً تصعيدياً بلغ حد تشبيهها بحكومة “فيشي” في فرنسا، في إشارة تعكس نزعة واضحة لنزع الشرعية عن المؤسسات الرسمية عندما تتعارض مع أجندة الحزب.
في المقابل، يتحرك رئيس مجلس النواب نبيه بري في محاولة لاحتواء التداعيات، ليس من موقع الحياد، بل ضمن سعي لتخفيف الضغوط الدولية وإدارة الأزمة بما يمنع الانفجار الشامل، مع الحفاظ على تماسك البيئة السياسية الحليفة للحزب.
على الضفة الأخرى، ترى القوى السيادية اللبنانية، وفي مقدمتها أحزاب مثل “القوات اللبنانية” و”الكتائب اللبنانية” ومجموعات التغيير ووزراء ونواب وشخصيات من مختلف الأطياف اللبنانية معارضين لنهج الحزب، أن اللحظة الحالية تمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس واضحة.
هذا المعسكر يعتبر أن “حزب الله” يسعى إلى فرض نفسه كطرف تفاوضي بديل عن الدولة، عبر الجمع بين قرار الحرب والسلم، ما يشكل تهديداً مباشراً لقيام دولة فعلية. لذلك، تضغط هذه القوى باتجاه تطبيق القرارات الدولية، خصوصاً 1559 و1680، وترفض أي تسوية تسمح باستمرار واقع “الدولة داخل الدولة”.
إيران: بين الحسابات والرسائل
يبقى الدور الإيراني الأكثر تعقيداً. فبينما تؤكد طهران أن لبنان جزء لا يتجزأ من أي تسوية، وتلوّح بخيارات تصعيدية، تشير الوقائع إلى أنها تعيد ترتيب أولوياتها.
وقد كشف نواف سلام أن الحرس الثوري الإيراني يتحكم بشكل مباشر بأنشطة “حزب الله” العسكرية، ما يضع لبنان في قلب الصراعات الإقليمية من دون قرار سيادي.
في الوقت نفسه، يبدو أن طهران، تحت ضغط التحديات الداخلية والمفاوضات مع واشنطن، باتت تمارس نوعاً من “الواقعية القاسية”، ما قد يترك الحزب في مواجهة مع الدولة بغطاء أقل من السابق.
يقف لبنان اليوم أمام خيارين مصيريين، إما الدخول في تسوية مؤلمة تعيد بناء الدولة وتنهي ازدواجية السلاح، أو الانزلاق نحو انفجار داخلي قد يهدد الكيان نفسه.
ثلاثة عوامل تجعل هذه اللحظة فريدة: جرأة الدولة بقيادة جوزاف عون ونواف سلام، دعم دولي غير مسبوق، وتراجع نسبي في قوة حزب الله. لكن في المقابل، تبقى الفجوة بين الشروط الإسرائيلية والمطالب اللبنانية عميقة، فيما تظل المفاوضات رهينة ميزان القوة. إنها لحظة قد تؤسس لـ”الجمهورية الثالثة”؛ أو تفتح الباب أمام فصل أكثر خطورة في تاريخ بلد لم يعرف الاستقرار إلا نادراً.















