لم تعد جماعة الإخوان المسلمين على المستوى الإقليمي، تواجه مجرد “تضييق أمني” كما حدث في حقب سابقة، بل هي اليوم أمام حالة من الانهيار المتزامن في أغلب البيئات الإقليمية التي شكلت تاريخياً مساحات نشاطها الحيوي. هذا الانكماش لا يعكس تغيرات ظرفية أو عابرة مرتبطة بتغير حكومات، بل يؤشر إلى إعادة بناء جذرية في بنية “الدولة الوطنية” في المنطقة العربية، وطريقة تعاملها الرافضة لنموذج الإسلام السياسي المنظم العابر للحدود.
تبدو الخارطة الإقليمية للجماعة في مطلع العام 2026 كجسد تقطعت أوصاله؛ حيث تحولت القواعد الصلبة إلى بؤر معزولة، وفقدت “المراكز” قدرتها على توجيه “الأطراف”.
الأردن.. نهاية “نموذج الهامش” والانتقال للحسم الإداري
تمثل الحالة الأردنية أحد أبرز التحولات الاستراتيجية؛ فلطالما كان الأردن يمثل “الاستثناء” الذي يسمح للجماعة بهامش حركة منظم ضمن حدود “الاحتواء المتبادل”. إلا أن هذا النموذج الذي صمد لعقود انتهى عملياً مع حلول العام 2025 وبداية 2026. لم يعد صانع القرار في الأردن يرى في الجماعة “صمام أمان” أو شريكاً في ضبط الشارع، بل بات ينظر إليها كعبء استراتيجي يربط الداخل بأجندات إقليمية متوترة.
انتقلت عمّان من سياسة المناورة إلى سياسة تقليص الوجود التنظيمي المؤسسي، عبر إجراءات قانونية وإدارية استهدفت البنية التحتية للجماعة (جمعيات، مراكز، استثمارات)، بما يعكس رغبة المملكة في إنهاء حالة التوازن الهش، والانتقال إلى مقاربة ترفض وجود تنظيم يمتلك “شرعية موازية” لشرعية الدولة، الأمر الذي أدى إلى انكفاء الجماعة وتحولها من “لاعب سياسي مركزي” إلى “كيان محاصر” يبحث عن مسوغ قانوني للبقاء.
مصر.. الإغلاق الكامل وتحول التنظيم إلى “ملف أمني صرف”
في مصر، المركز التاريخي والروحي للجماعة، لم يعد هناك مجال للحديث عن “عمل سياسي” أو “معارضة”. لقد نجحت الدولة المصرية في فرض إغلاق شامل للمجال العام أمام أي نشاط إخواني، سواء كان مباشراً أو عبر واجهات وكيانات وسيطة. وبحلول 2026، تفككت القدرة التنظيمية للإخوان في الداخل المصري إلى حد “التلاشي الوظيفي”.
ما تبقى من الجماعة في مصر هو مجرد “خلايا ساكنة” مقطوعة الصلة بالقيادات الهاربة في الخارج، والتي تعاني بدورها من انقسامات حادة. ليتحول الإخوان في مصر من “تنظيم دولي” إلى “ملف أمني جنائي” تديره أجهزة الدولة من دون أي أفق لتسويات سياسية. هذا الإغلاق التام في المركز أحدث أزمة هوية قيادية في الفروع الأخرى، التي كانت تستمد مشروعيتها من مكتب الإرشاد في القاهرة، ما سرع من وتيرة التفكك الإقليمي.
سوريا.. سقوط الرهان التاريخي وفشل مشروع الحكم
في المشهد السوري، كشفت التحولات التي أعقبت العام 2024 عن عجز بنيوي لدى الإخوان في تحويل “اللحظة الثورية” إلى مشروع حكم مستدام. فعلى الرغم من الدعم الإقليمي الذي حظيت به الجماعة في بدايات الأزمة السورية، إلا أنها فشلت في بناء قاعدة شعبية أو عسكرية متماسكة في الداخل.
بحلول 2026، ومع إعادة تشكيل المعادلات السياسية في سوريا، وجد الإخوان أنفسهم خارج حسابات “سوريا الجديدة”. لتكشف التجربة السورية أن الجماعة لا تملك الأدوات المعقدة اللازمة لإدارة البيئات الفوضوية أو التحول إلى “بديل مدني” مقبول دولياً ومحلياً. لقد خسر الإخوان في سوريا رهانهم الأخير على الوصول للسلطة عبر البوابة العسكرية أو التحالفات الإقليمية، ما أدى إلى انهيار فرعهم هناك وتحوله إلى مجرد “منظمة في المنفى” لا تملك تأثيراً على الأرض.
الخليج.. ترسيخ نموذج “الحظر وتجفيف المنابع”
استقر تعامل دول مجلس التعاون الخليجي مع الجماعة ضمن مقاربة “الحظر الاستراتيجي الشامل. هذا النموذج، الذي تقوده دول مثل السعودية والإمارات، بات يمثل المعيار الإقليمي الأكثر استقراراً وصرامة. لا تكتفي هذه الدول بحظر النشاط التنظيمي، بل تلاحق “الفكر الإخواني” في المناهج التعليمية والمؤسسات الدينية والمنصات الإعلامية.
وبحلول 2026، نجحت هذه المقاربة في تجفيف منابع التمويل التقليدية والفكرية التي كانت تتدفق من الخليج إلى فروع الجماعة حول العالم، لتعيش الأخيرة حالة من “الجدب الاقتصادي” أفقدتها القدرة على دعم ماكينتها الإعلامية الضخمة التي كانت تدار من عواصم إقليمية أخرى، ما أسهم في تسريع وتيرة الانهيار العابر للحدود.
السودان.. الحضور الاضطراري وغياب الشراكة السياسية
يمثل السودان حالة خاصة ومعقدة في خارطة الإخوان الحالية. فمنذ اندلاع الحرب في إبريل/نيسان 2023، حاولت “الحركة الإسلامية” (الوجه السوداني للإخوان) العودة إلى المشهد عبر بوابة “التحالف الميداني” مع الجيش. انخرطت مجموعات مسلحة محسوبة على التيار الإسلامي (مثل كتائب البراء بن مالك) في القتال ضد قوات الدعم السريع تحت غطاء “المقاومة الشعبية”.
وعلى الرغم من هذا الحضور القتالي الميداني، فإن القراءة الدقيقة للمشهد السوداني في 2026 تؤكد غياب أي إطار سياسي رسمي لإعادة إدماج الجماعة في السلطة. السلطة العسكرية الحالية تتعامل مع الإسلاميين كضرورة عسكرية مؤقتة فرضتها ظروف الحرب، من دون منحهم اعترافاً سياسياً مستقراً أو شراكة مؤسسية في الحكم. بل إن هناك “حساسية أمنية” عالية تجاه طموحات الإخوان في استعادة “النظام القديم”، ما يجعل وجودهم في السودان حالياً مصدر قلق مرتبط ببقاء فوهة المدافع مشتعلة، من دون أي ضمانات لمستقبلهم السياسي في مرحلة ما بعد الحرب.
الانعكاس الدولي للتحول الإقليمي
هذا الانهيار الإقليمي لا ينفصل عن التحولات في العواصم الغربية، حيث هناك “تغذية راجعة” بينها وبين العواصم العربية، مستفيد من التقارير الأمنية القادمة من الشرق لتعزيز الرقابة أكثر على الشبكات الإخوانية في الخارج.
في مطلع 2026، لم تعد أوروبا تنظر إلى الإخوان المسلمين كمضطهدين سياسيين، بل كخطر أيديولوجي مرفوض في بيئاته الأصلية. هذا التوافق الضمني بين القارة العجوز والعرب أدى إلى محاصرة الجماعة في “كماشة” جغرافية فكرية، ما جعل الربط العابر للحدود بين فروعها في “مانشستر” و”الخرطوم” أو “عمّان” أمراً مستحيلاً.
تُظهر خارطة 2026 تآكلاً غير مسبوق في الجغرافيا التنظيمية للجماعة، فالفرع السوداني غارق في معارك البقاء المادي، والفرع الأردني محاصر إدارياً، والفرع المصري تلاشى تنظيمياً.
ما نراه اليوم هو تحول الإخوان المسلمين من تنظيم سياسي موحد، رغم تعدد الجنسيات، إلى “شبكة مشتتة من الفلول والأفراد”، يجمعهم التاريخ والذكريات، وتفرقهم الجغرافيا والمصالح الوطنية الضيقة لكل دولة. لقد سقط النموذج السياسي للجماعة في اختبار “الدولة والواقع”، وتحولت من مشروع “أستاذية العالم” إلى “شتات تنظيمي” يبحث عن مأوى في زوايا التاريخ المهملة.















