في تصعيد هو الأوسع منذ سنوات، وجد مجلس التعاون الخليجي نفسه أمام اختبار أمني مباشر بعد هجمات إيرانية متزامنة استهدفت مُدناً ومنشآت مدنية في عدد من دوله، ما دفعه إلى عقد اجتماع استثنائي حمل بياناً بنبرة حازمة تجاوزت الإدانة التقليدية نحو تحميل طهران مسؤولية “عدوان غير مبرر”، والتلويح بحق الرد وفق القانون الدولي.
بين خيبة أمل من مسار تهدئة سبق أن التزمت به العواصم الخليجية، وتحذير من تداعيات تمس أمن الطاقة والممرات الحيوية، عكس البيان تحولاً لافتاً في المزاج الخليجي من سياسة الاحتواء الحذر إلى مقاربة أكثر صراحة في تثبيت معادلة أن أمن دول المجلس “كلٌّ لا يتجزأ”.
لغة قانونية.. ورسالة سياسية
جاء الاجتماع الاستثنائي الخمسين للمجلس الوزاري لدول مجلس التعاون الخليجي، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، بعد هجمات بدأت في 28 فبراير واستهدفت الإمارات والبحرين والسعودية وعُمان وقطر والكويت، إضافة إلى الأردن، وفق ما ورد في البيان. لكن ما بدا لافتاً في الصياغة ليس فقط توصيف الهجمات بأنها “عدوان إيراني غير مبرر”، بل الإشارة الصريحة إلى أن دول المجلس كانت قد أكدت عدم استخدام أراضيها لشن أي هجوم على إيران، في محاولة واضحة لإبعاد نفسها عن أي ذريعة تصعيد.
البيان استند إلى القانون الدولي، معتبراً أن استهداف المدنيين والأعيان المدنية يشكل “خرقاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني”، ومُشدداً على احتفاظ دول المجلس بحقها في الرد وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
لكن خلف اللغة القانونية، برزت رسالة سياسية واضحة: أمن الخليج “لا يتجزأ”، وأي اعتداء على دولة عضو يُعد اعتداءً مباشراً على بقية الدول، وفق النظام الأساسي للمجلس واتفاقية الدفاع المشترك. هذه العبارة، التي تكررت في بيانات سابقة، جاءت هذه المرة في سياق عملي، بعد هجمات متزامنة طالت أكثر من عاصمة.
خيبة أمل من مسار التهدئة
في فقرة بدت محورية، أشار البيان إلى “المساعي الدبلوماسية العديدة” التي بذلتها دول المجلس لتجنب التصعيد، وإلى تأكيدها المتكرر على عدم استخدام أراضيها في أي عمل عسكري ضد إيران. غير أن طهران – بحسب البيان – “استمرت في تنفيذ عمليات عسكرية” طالت منشآت مدنية وسكنية.
هذا التباين بين خطاب التهدئة والواقع الميداني يعكس، في القراءة الخليجية، تناقضاً في السلوك الإيراني. فمن جهة، تؤكد طهران في مناسبات عدة أهمية الحوار وحسن الجوار؛ ومن جهة أخرى، تتهمها دول المجلس بتوسيع دائرة المواجهة لتشمل مدنها ومنشآتها الحيوية.
أمن الطاقة والممرات تحت الضغط
البيان لم يحصر الأزمة في بعدها الثنائي، بل وسّعها إلى الإطار الدولي، مُشدداً على أهمية الحفاظ على الأمن الجوي والبحري والممرات المائية وسلامة سلاسل الإمداد، وضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية. وأكد أن استقرار الخليج ليس مسألة إقليمية فحسب، بل ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي والملاحة البحرية.
في هذا السياق، دعا المجلس المجتمع الدولي إلى إدانة الهجمات، مطالباً مجلس الأمن باتخاذ موقف “فوري وحازم” لمنع تكرارها، في إشارة إلى أن العواصم الخليجية لا ترى في ما حدث مجرد حادث عابر، بل تطوراً قد يجر المنطقة إلى مسارات أوسع إذا لم يُحتوَ سريعاً.
بين الردع والحوار
رغم النبرة الصارمة، أبقى البيان الباب مفتوحاً أمام مسار الحوار، مؤكداً أن الدبلوماسية تظل السبيل الوحيد لتجاوز الأزمة، ومشيداً بدور سلطنة عُمان في جهود الوساطة. غير أن الإشارة المتكررة إلى “خيار الرد” و”اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة” توحي بأن دول المجلس تعدّ نفسها لمرحلة قد تتطلب أكثر من بيانات إدانة.
في المحصلة، يعكس البيان تحوّلاً في المزاج الخليجي من سياسة احتواء حذرة إلى مقاربة أكثر صراحة في تحميل المسؤولية. وبين التأكيد على حق الدفاع والتحذير من تداعيات التصعيد، يبدو الخليج عند مفترق طرق: إما احتواء سريع يعيد الاعتبار لمسار التهدئة، أو تصعيد يعيد رسم معادلات الردع في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.















