بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

هل تستعيد جامعة الدول العربية دورها؟ إجماع على ترشيح نبيل فهمي أميناً عاماً في زمن الحرب المفتوحة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، أجمع مجلس وزراء الخارجية العرب على ترشيح السفير نبيل فهمي لتولي منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، خلفاً لأحمد أبو الغيط، على أن تُحسم التسمية نهائياً خلال القمة العربية المقبلة في المملكة العربية السعودية، تمهيداً لتسلّمه مهامه في يوليو/تموز 2026.

هذا القرار، على الرغم من طابعه الإجرائي ضمن مسار التعيين، يعكس توافقاً عربياً لافتاً في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تمر خلالها منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً الخليج العربي، بواحدة من أكثر مراحلها توتراً في ظل الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. وهو سياق يضع القيادة الجديدة للجامعة أمام اختبار مُبكر ومُعقّد.

توصية بالإجماع.. بين العُرف والضرورة

وفق آليات جامعة الدول العربية، يتم تعيين الأمين العام بقرار من القمة العربية بناءً على توصية وزراء الخارجية، ما يجعل ما جرى اليوم تثبيتاً سياسياً لمرشح يحظى بتوافق واسع، أكثر منه منافسة انتخابية. كما يأتي في إطار عُرف ثابت يقضي بإسناد المنصب إلى مصر.

أهمية هذه التوصية لا تكمن فقط في الإجماع، بل بتوقيتها. فالدول العربية، على الرغم من تبايناتها، تجد نفسها أمام مشهد إقليمي مفتوح على احتمالات التصعيد في منطقة الشرق الأوسط، ما يدفعها إلى البحث عن شخصية قادرة على إدارة الحد الأدنى من التماسك داخل المنظومة العربية، حتى لو لم يكن ذلك كافياً لصياغة استراتيجية مُوحدة بالكامل.

دبلوماسية التوازن في زمن الاستقطاب

يُنظر إلى نبيل فهمي بوصفه دبلوماسياً تقليدياً بمدرسة واقعية، تجمع بين الخبرة الميدانية والرؤية الأكاديمية. فقد شغل منصب وزير الخارجية المصرية بين عامي 2013 و2014، كما عمل سفيراً في واشنطن وطوكيو، وارتبط اسمه بملفات الأمن الإقليمي ونزع السلاح.

يعتمد فهمي على مقاربة “تعدد البدائل”، أي الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية وعدم الارتهان لمحور واحد. غير أن هذه المقاربة ستواجه اختباراً صعباً في ظل بيئة إقليمية تتجه نحو الاستقطاب الحاد، حيث تضيق هوامش الحياد وتتصاعد الضغوط لاتخاذ مواقف أكثر وضوحاً.

تأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه المنطقة، تداعيات الحرب الدائرة، وهي مواجهة لم تعد تقتصر على ساحات غير مباشرة، بل باتت تحمل مُؤشرات على انزلاق نحو مواجهات أوسع.

هذا الواقع يضع الدول العربية أمام معادلة صعبة: من جهة، هناك مخاوف حقيقية من اتساع رقعة الحرب وانعكاساتها على أمن الطاقة والممرات البحرية، ومن جهة أخرى، توجد تباينات في كيفية التعاطي مع أطراف الصراع، سواء على المستوى السياسي أو الأمني.

دور الجامعة.. بين الطموح والقيود

في ظل هذه البيئة، تبرز الحاجة إلى دور أكثر فاعلية لجامعة الدول العربية، يتجاوز إصدار البيانات إلى المساهمة في إدارة الأزمات. غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع سياسي مُعقد، إذ لا تزال القرارات الكبرى رهينة التوافق بين الدول الأعضاء، التي تختلف أولوياتها وحساباتها الاستراتيجية.

يتمثل التحدي أمام الأمانة العامة الجديدة في محاولة تقليص فجوة الثقة في العمل العربي المشترك، وتطوير آليات أكثر مرونة للتنسيق، سواء في الملفات السياسية أو الأمنية. إلا أن نجاح ذلك سيبقى مرتبطاً بمدى استعداد الدول العربية نفسها لمنح المؤسسة دوراً أوسع.

في ظل الحرب الجارية، قد يجد نبيل فهمي نفسه مُضطراً لاعتماد نهج يقوم على “إدارة الأزمة” بدلاً من حلّها، عبر الحفاظ على قنوات التواصل بين الأطراف، والسعي إلى تخفيف حدة التوترات الإقليمية. فالدور العربي، في هذه المرحلة، قد يكون أقرب إلى محاولة منع الانفجار الشامل، لا فرض تسويات كبرى.

هذا النهج، وإن بدا محدود الطموح، يعكس طبيعة اللحظة الراهنة، التي تتراجع فيها القدرة على المبادرة لصالح إدارة المخاطر. وهو ما يفرض على الأمانة العامة التحرك ضمن هامش ضيق، يتطلب دقة في التوازن بين المواقف المتعارضة.

استحقاق مؤجل وأسئلة مفتوحة

مع انتظار المصادقة النهائية في القمة العربية المقبلة، يبقى السؤال الأهم: هل يُشكل هذا التوافق بداية لمسار جديد في العمل العربي، أم أنه مجرد استجابة ظرفية لمرحلة استثنائية؟

لا يُغيّر ترشيح نبيل فهمي وحده من واقع جامعة الدول العربية، لكنه يضعها أمام اختبار حقيقي في لحظة مفصلية من تاريخ المنطقة. فإما أن تنجح في إعادة تعريف دورها كفاعل إقليمي، أو أن تبقى إطاراً سياسياً محدود التأثير، في وقت تتسارع فيه التحولات وتتقلص فيه هوامش المناورة.

المرحلة المقبلة لن تُقاس بالأسماء، بل بالقدرة على الفعل. وفي شرق أوسط يموج بالصراعات، قد لا يكون التحدي في اتخاذ المواقف فقط، بل في القدرة على البقاء لاعباً في معادلة تتغير بسرعة.