اسرائيل

نتنياهو ومعاداة السامية.. رجل الإطفاء الذي أشعل الحريق

جان-بول ماري
جان-بول ماري

في أغسطس/آب الماضي، أرسل بنيامين نتنياهو رسالة إلى إيمانويل ماكرون تناول فيها موضوع إعلان باريس نيتها الاعتراف بدولة فلسطينية، كما فعلت 147 دولة عضو في الأمم المتحدة، بما في ذلك الفاتيكان، متهماً إياه بتأجيج نيران معاداة السامية في فرنسا.

بمعنى آخر، سيُغذي الاعتراف بالدولة الفلسطينية تصاعد الأعمال المعادية للسامية في فرنسا، على الأقل من وجهة نظره. ولم يكتفِ بذلك، إذ زاد السفير الأمريكي في باريس الطين بلّة، مدّعياً أن فرنسا لا تبذل ما يكفي من جهد في مواجهة معاداة السامية.

جاء الردّ الفرنسي، الذي نُشر في 26 أغسطس/آب، قاسياً: “هذه التصريحات غير مقبولة ومسيئة لفرنسا بأكملها، فمحاربة معاداة السامية يجب ألّا تُستغل كأداة لتحقيق أهداف سياسية”.

بالنسبة لنتنياهو، الذي أمضى أكثر من 15 عاماً في السلطة، فإن ذلك ليس استثناءً بل القاعدة. فهو يطبّق معادلة تبسيطية تقول، من يُعارضه يُهاجم إسرائيل، ومن يُهاجم إسرائيل فهو مُناهض للصهيونية، ومن هو مُناهض للصهيونية فهو مُعادٍ للسامية. وبالتالي، فإن من يُعارض نتنياهو فهو معادٍ للسامية.

لا أحد في مأمن من هذه التهمة، بدءاً من رأس الهرم “الأمم المتحدة”، مروراً بالدول ورؤسائها، فالمؤسسات والمنظمات الدولية، وحتى وسائل الإعلام.

مستنقع معاداة السامية

في سبتمبر/أيلول 2024، وخلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، وصف نتنياهو المنظمة بأنها “مستنقع معاداة السامية”، وأضاف، بأنها “بيت الظلام المليء بالكراهية المعادية لليهود”. لتصدم تصريحاته الحضور، ويغادر كثير من الدبلوماسيين القاعة احتجاجاً.

هذا الخطاب ليس جديداً. ففي عام 2016، وبعد قرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) الذي أشار إلى المواقع المقدسة بأسمائها الإسلامية فقط، وصفت وزيرة الثقافة الإسرائيلية آنذاك، ميري ريغيف، القرار بأنه “مُخزٍ ومُعادٍ للسامية”، وعلّقت إسرائيل تعاونها مع اليونسكو على إثر ذلك.

وفي فبراير/شباط 2025، قطعت إسرائيل علاقاتها مع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مشيرةً إلى ما سمّته “الاضطهاد المتحيّز والمعادي للسامية” للدولة اليهودية الوحيدة.

اضطهاد الشعب اليهودي

كذلك الحال مع محكمة العدل الدولية، التي كلفتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بالنظر في قضية احتلال الأراضي الفلسطينية والاتهامات بالإبادة الجماعية، إذ وصف وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يواف غالانت، بدعم من وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتامار بن غفير، هذا الطلب بأنه “مُعادٍ للسامية”، مُعتبرين أن المحكمة لا تسعى إلى العدالة، بل إلى “اضطهاد الشعب اليهودي”، وهذا نوع من المذبحة المعنوية على نطاق عالمي.

وعندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه بتهم جرائم حرب، لا سيما استخدام المجاعة كسلاح، جاء ردّ الحكومة الإسرائيلية متفجراً: “قرارٌ معادٍ للسامية بالمطلق، لا يحمل أي شرعية، ويُعيد إلى الأذهان قضية دريفوس، تلك المحاكمة المعادية للسامية التي استهدفت رجلاً بريئاً قبل 130 عاماً”.

حتى الاتحاد الأوروبي لم يسلَم من التهمة. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2015، عندما أعلن الاتحاد خططه لوضع علامات مميزة على منتجات المستوطنات الإسرائيلية، قال الوزير يوفال شتاينيتز: “نتذكر آخر مرة وضعت فيها أوروبا علامات على المنتجات اليهودية”، في إشارة إلى القوانين النازية المعادية للسامية.

إعادة تدوير الأسطورة

لا أحد يُستثنى، وخصوصاً الوكالات الإنسانية والمنظمات التابعة للأمم المتحدة، التي تُتَّهم بالتواطؤ مع حركة “حماس”. فعندما أعلنت لجنة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن نصف مليون فلسطيني في غزة يواجهون خطر المجاعة، رفضت الحكومة الإسرائيلية التقرير ووصفته بأنه “فرية دم”، أي إعادة تدوير للأسطورة المعادية للسامية القديمة التي استُخدمت لتبرير اضطهاد اليهود عبر التاريخ.

وفي فبراير/شباط 2022، عندما اتهمت منظمة العفو الدولية إسرائيل بفرض نظام فصل عنصري على الفلسطينيين، قال وزير الخارجية آنذاك يائير لابيد: “لو لم تكن إسرائيل دولة يهودية، لما تجرأ أحد في منظمة العفو على تشويه سمعتها بهذا الشكل. لا يوجد تفسير آخر”.

في كل مرة، يكون الرد نفسه: تجاهل جوهر النقد، والاكتفاء بوصفه بأنه “معادٍ للسامية”. والهدف واحد: نزع الشرعية عن أي انتقاد بُنيوي لإسرائيل عبر وصمه بالكراهية ضد اليهود.

أسلوب واحد.. والنتيجة؟

لا أحد في منأى عن ذلك. فقبل ماكرون بسنوات، واجه رئيس الوزراء البولندي ماتيوش مورافيتسكي اتهاماً مماثلاً، حين حظر استخدام عبارة “معسكرات الموت البولندية”، فردت إسرائيل بأن “البولنديين يرضعون معاداة السامية مع حليب أمهاتهم”. أما رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي وصف قصف غزة بالإبادة الجماعية، فاتهمه نتنياهو بأنه “يُعرض سلامة اليهود في إسبانيا للخطر”.

نعم، الأسلوب واحد: قاسٍ، هجومي، وممنهج. لكن، وراء هذا النهج، يبقى السؤال: ما النتيجة؟

أولاً: يُؤخذ المجتمع اليهودي كرهينة. فنتنياهو يربط الشتات اليهودي بأفعال حكومته، جاعلاً أي نقد لسياساته يُفسَّر كهجوم على اليهود أنفسهم، مما يُغذي نظريات المؤامرة والريبة ضد يهود العالم.

ثانياً: يفقد الاتهام بمعاداة السامية جديّته. إذا صار كل نقد لإسرائيل “معاداة للسامية”، كيف يمكن التمييز بين ذلك وبين الجرائم الفعلية ضد اليهود، كاعتداءات الكراهية أو تدنيس المقابر؟

ثالثاً: يفقد المصطلح معناه الأخلاقي والتاريخي. فكثرة إطلاق الإنذارات الكاذبة يسلب الرأي العام إحساسه بالخطر الحقيقي، ويُضعف الوعي بمعاداة السامية الحقيقية التي ما زالت تتصاعد في العالم. أما التداعيات الدولية، فهي واضحة: توتر دبلوماسي مع الحلفاء، فقدان المصداقية، احتجاجات، وتصاعد الاستياء بين الشعوب والحكومات.

لقد نجح نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة، جزئياً، في طمس ذاكرة المحرقة وملايين ضحاياها، عبر تحويل صورة “الضحية” إلى “الجلّاد”.
ويبدو اليوم مُصمماً على تحويل جريمة معاداة السامية التاريخية إلى شعار باهت، أُفرغ من معناه بفعل الاستخدام المُفرط في صراعات سياسية آنية في الشرق الأوسط.