لم يعد خطاب الكراهية في كرة القدم ظاهرة هامشية تُقاس بعدد من التعليقات المسيئة بعد مباراة خاسرة، بل أصبح جزءاً من البنية الرقمية المحيطة باللعبة. ومع اتساع كأس العالم 2026 جغرافياً وجماهيرياً وإعلامياً، بدا واضحاً أن البطولة لا تُدار فقط داخل الملاعب، ولا عبر النقل التلفزيوني والمؤتمرات الصحفية، بل أيضاً في فضاء موازٍ لا يقل تأثيراً: منصات التواصل الاجتماعي.
في أتلانتا، اجتمع الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” مع لاعبين وصانعي سياسات وخبراء تكنولوجيا وممثلين عن منصات رقمية، لمناقشة سبل مواجهة خطاب الكراهية في كرة القدم. الحدث، الذي عُقد عشية اليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية، لم يكن فعالية رمزية عابرة. توقيته ومكانه وحجم الأرقام التي كشف عنها الفيفا جعلته أقرب إلى اعتراف مؤسسي بأن كرة القدم تواجه تحدياً جديداً: كيف تحمي اللاعبين والمسؤولين والجماهير من عنف لا يحدث على العشب، لكنه يترك أثراً نفسياً ومهنياً واجتماعياً حقيقياً؟
الأرقام تكشف حجم التحول
الأرقام التي أعلنها “الفيفا” تكشف حجم التحول. خدمة حماية وسائل التواصل الاجتماعي التابعة للاتحاد راجعت، منذ إطلاقها، أكثر من 250 مليون منشور وتعليق، وحددت أكثر من 30 مليون محتوى ضار أو مرتبط بخطاب كراهية. وخلال كأس العالم 2026 وحدها، ومنذ انطلاق البطولة في 11 يونيو/حزيران، راجعت الخدمة أكثر من 3.8 مليون منشور وتعليق، وأزالت 388 ألف محتوى اعتُبر ضاراً. هذا الرقم يتجاوز إجمالي المحتوى الذي جرى إخفاؤه أو التعامل معه خلال كأس العالم 2022 في قطر، والذي بلغ نحو 287 ألف منشور وتعليق.
هذه المقارنة لا تعني بالضرورة أن جمهور كرة القدم أصبح أكثر كراهية خلال أربع سنوات فقط. لكنها تعني أن ثلاثة أمور تغيرت في وقت واحد: حجم البطولة، كثافة الاستخدام الرقمي، وقدرة أدوات الرصد على التقاط المحتوى المسيء بسرعة أكبر. ومع ذلك، لا يجوز تخفيف دلالة الرقم. حين تصل الإساءات إلى مئات الآلاف خلال أيام قليلة، تصبح المسألة أبعد من “انفعال جماهيري” أو “لغة مدرجات” انتقلت إلى الإنترنت. نحن أمام منظومة إساءة متكررة، قابلة للتضخيم، وتستهدف غالباً لاعبين ومسؤولين بناءً على العرق أو الجنسية أو النوع أو الدين أو الأداء الرياضي أو حتى الخطأ الفردي في لحظة حاسمة.
هتاف المدرجات وخوارزميات الغضب
عرفت كرة القدم تاريخياً أشكالاً متعددة من التعصب: هتافات عنصرية، لافتات مهينة، عنف جماهيري، واستهداف لاعبين داخل الملعب. الجديد أن الفضاء الرقمي كسر حدود المكان والزمن. الهتاف العنصري كان يُسمع في ملعب محدد، أمام جمهور محدد، ويمكن للكاميرات أو الحكام أو المنظمين رصده جزئياً. أما التعليق المسيء على المنصات فيمكن أن يصل إلى اللاعب مباشرة، ويتكرر آلاف المرات، ويبقى قابلاً للتداول، ويدخل إلى هاتفه وغرفة عائلته وحياته الخاصة.
هذا التحول غيّر طبيعة الضرر. اللاعب لا يواجه الآن ضغط المباراة فقط، بل يواجه محاكمة جماهيرية مفتوحة، أحياناً قبل أن يغادر الملعب. الخطأ الرياضي يتحول إلى إهانة شخصية. ركلة الجزاء الضائعة تتحول إلى مادة عنصرية. البطاقة الحمراء تصبح ذريعة لحملة كراهية. واللاعبات، على نحو خاص، يتعرضن غالباً لطبقات إضافية من الإساءة تجمع بين العنصرية والتمييز الجندري والتشكيك في المكانة الرياضية.
الأخطر أن المنصات لا تعمل كمساحات محايدة. خوارزميات التفاعل تكافئ المحتوى القادر على إثارة الغضب، حتى عندما لا تقصده صراحة. التعليق العنيف يجذب الردود. الردود تجذب مزيداً من الظهور. وهكذا تتحول الإساءة من فعل فردي إلى موجة. في بيئة كأس العالم، حيث تتقاطع القومية والرهانات المالية والهوية والجماهيرية، يصبح هذا التضخيم أكثر قابلية للاشتعال.
الفيفا يبني درعاً رقمياً بلا ملعب
خدمة حماية وسائل التواصل الاجتماعي التي يتحدث عنها “الفيفا” تمثل انتقالاً مهماً من خطاب الإدانة إلى آلية تشغيلية. الفكرة الأساسية تقوم على مراقبة الحسابات العامة للاعبين والفرق والمسؤولين، رصد التعليقات والمنشورات المسيئة أو التهديدية أو التمييزية، إخفاء ما يمكن إخفاؤه تلقائياً عند توافر الصلاحيات، ثم إبلاغ المنصات وربما السلطات المعنية في الحالات الأكثر خطورة.
هذا النموذج يعالج جزءاً من المشكلة: تقليل وصول الإساءة إلى الضحية المباشرة، ومنع جمهور اللاعب من التعرض المستمر للمحتوى ذاته، وبناء قاعدة بيانات عن الأنماط والمصادر والحسابات المتكررة. لكنه لا يحل كل شيء. الفيفا لا يملك المنصات. ولا يملك قوانين الدول. ولا يستطيع بمفرده تحويل كل تعليق عنصري إلى مساءلة قانونية. لذلك تبدو الشراكة مع منصات مثل “تيك توك”، ومع المدن المضيفة والجهات التنظيمية، محاولة لتوسيع دائرة المسؤولية.
غير أن هذه الشراكات تثير سؤالاً حساساً: هل تتحول مكافحة خطاب الكراهية إلى سياسة حماية فعلية، أم إلى إدارة سمعة للبطولات الكبرى؟ الفارق مهم. إدارة السمعة تزيل الأسوأ مرئياً حتى لا يفسد صورة الحدث. أما الحماية الفعلية فتسعى إلى تغيير بنية الاستهداف، وملاحقة المسيئين المتكررين، وإلزام المنصات بالاستجابة، وتقديم دعم نفسي وقانوني للمتضررين، وبناء ثقافة ردع تتجاوز أيام البطولة.
اللاعب كعامل معرض للخطر
يُنظر إلى لاعبي كرة القدم غالباً كنجوم أصحاب امتيازات مالية وجماهيرية. هذه الصورة تخفي جانباً أساسياً: اللاعب، في لحظة البطولة الكبرى، عامل يؤدي وظيفة تحت ضغط عالمي مباشر. خطؤه ليس خطأً داخل مؤسسة مغلقة، بل حدثاً عاماً يتابعه الملايين. ومع ذلك، لا يبرر الأداء الرياضي أي استباحة شخصية أو عنصرية أو تهديدية.
الاعتراف بهذه النقطة ضروري لأنه ينقل النقاش من “حماية المشاهير” إلى “سلامة بيئة العمل”. اللاعبون والحكام والمدربون والمعلّقون والصحفيون الرياضيون يعملون داخل منظومة عالية الانكشاف. وإذا أصبحت الإساءة جزءاً عادياً من كلفة المهنة، فإن المنظومة كلها تفشل في حماية العاملين فيها. هنا لا تعود مكافحة الكراهية مسألة أخلاقية فقط، بل مسألة حوكمة رياضية ومهنية.
وقد أظهرت بطولات سابقة أن موجات الإساءة لا توزع نفسها عشوائياً. كثيراً ما تستهدف لاعبين من أقليات عرقية أو قومية، أو لاعبات، أو حكاماً، أو شخصيات عامة مرتبطة بقرارات مثيرة للجدل. وهذا النمط يكشف أن خطاب الكراهية لا ينتج من نتيجة المباراة وحدها، بل يستدعي مخزوناً اجتماعياً أوسع من العنصرية والتمييز والتعصب. كرة القدم هنا لا تخلق الكراهية من العدم؛ لكنها تمنحها لحظة، وجمهوراً، وذريعة.
بين النقد والكراهية
من الضروري ألا يتحول النقاش إلى خلط بين النقد الرياضي المشروع وخطاب الكراهية. المشجع يملك حق انتقاد لاعب أو مدرب أو حكم. الصحافة تملك حق تقييم الأداء بقسوة. الجماهير تملك حق الغضب من الخسارة. لكن الفارق يبدأ عندما ينتقل التعبير من تقييم الفعل الرياضي إلى استهداف الهوية أو الكرامة أو السلامة الشخصية.
النقد يقول إن اللاعب أخطأ، أو إن المدرب فشل، أو إن الحكم اتخذ قراراً سيئاً. خطاب الكراهية يقول إن اللاعب لا يستحق الوجود بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو جنسه، أو يهدده، أو يحرّض عليه، أو يربط خطأه الرياضي بهوية جماعية كاملة. هذا التمييز يجب أن يبقى واضحاً، لأن أي غموض فيه يخدم طرفين متناقضين: من يريد تبرير الإساءة باسم حرية التعبير، ومن يريد استخدام مكافحة الكراهية كذريعة لخنق النقد المشروع.
نجاح “الفيفا” والمنصات والجهات المنظمة سيتوقف على القدرة على رسم هذا الحد عملياً لا خطابياً. أدوات الذكاء الاصطناعي تساعد في الرصد، لكنها لا تكفي وحدها. اللغة الساخرة، العاميات، الرموز، الصور، الإشارات السياسية، والسياقات المحلية تجعل التصنيف الآلي عرضة للخطأ. لذلك تبدو المراجعة البشرية، وتعدد اللغات، وفهم السياق الثقافي، عناصر لا تقل أهمية عن التقنية نفسها.
من الإزالة إلى المساءلة
إزالة المحتوى المسيء خطوة ضرورية، لكنها ليست نهاية المسار. فإذا كان المستخدم يعرف أن أقصى ما قد يحدث هو حذف التعليق أو إغلاق الحساب، فإن الردع يبقى محدوداً. الحسابات البديلة سهلة. الأسماء المستعارة متاحة. والموجات المنظمة يمكن أن تنتقل من منصة إلى أخرى خلال دقائق.
لهذا يبرز سؤال المساءلة الواقعية. “الفيفا” أشار في أكثر من مناسبة إلى إحالة بعض الحالات إلى سلطات إنفاذ القانون. هذه النقطة مهمة لأنها تنقل خطاب الكراهية من كونه “مشكلة مجتمع رقمي” إلى كونه، في بعض الحالات، فعلاً قد يترتب عليه إجراء قانوني. لكن الطريق هنا معقد. القوانين تختلف من دولة إلى أخرى. تعريفات خطاب الكراهية ليست موحدة. المنصات تعمل عبر حدود قضائية متعددة. والبطولات العالمية تجمع لاعبين ومشجعين من عشرات الدول.
لذلك يحتاج النموذج الأكثر فاعلية إلى ثلاثة مستويات: منصة ترصد وتزيل وتقيّد الحسابات المسيئة بسرعة؛ اتحاد رياضي يوثق ويبلغ ويدعم المتضررين؛ وسلطات وطنية تتعامل مع الحالات التي تصل إلى مستوى التهديد أو التحريض أو التمييز المحظور قانوناً. غياب أي مستوى من هذه المستويات يجعل المنظومة ناقصة.
لماذا تتفاقم الظاهرة
كأس العالم ليس بطولة كروية فقط. إنه لحظة هوية وطنية مكثفة. المشجع لا يتابع نادياً فقط، بل يرى في المنتخب امتداداً لصورة البلد، ولذا تتحول الهزيمة أحياناً إلى إهانة رمزية، ويتحول الفوز إلى تفوق جماعي. في هذه البيئة، يصبح اللاعب الفرد حاملاً لعبء لا يخصه وحده. وإذا أخطأ، لا يُعامل كرياضي أخطأ، بل كمن “خذل الأمة” أو “شوّه الصورة” أو “خان التوقعات”.
تزيد المنصات هذا الضغط لأنها تلغي المسافة بين الجمهور واللاعب. قبل عقدين، كان الغضب يمر عبر الصحافة أو البرامج أو أحاديث المقاهي. اليوم يصل مباشرة إلى الحساب الشخصي. آلاف الرسائل خلال دقائق. صور مركبة. إهانات متكررة. تهديدات. حملات منسقة أحياناً. ووسط هذا التدفق، يصبح الصمت المؤسسي مكلفاً: اللاعب يشعر بأنه مكشوف، والمنصة تبدو متسامحة، والاتحاد يبدو عاجزاً.
لهذا تبدو أرقام مونديال 2026 إنذاراً أكثر منها مجرد مؤشر تقني. البطولة الأكبر في تاريخ كأس العالم من حيث الامتداد والتنظيم والجمهور تحتاج إلى أكبر منظومة حماية رقمية عرفتها اللعبة. وإذا كانت الأيام الأولى من البطولة أنتجت هذا الحجم من المحتوى الضار، فإن السؤال لم يعد: هل توجد مشكلة؟ بل: هل تكفي الأدوات الحالية لاحتوائها قبل أن تتحول إلى جزء طبيعي من تجربة البطولة؟
مسؤولية الأندية والاتحادات والإعلام
لا ينبغي أن يبقى العبء على “الفيفا” والمنصات وحدهما. الاتحادات الوطنية مطالبة ببناء بروتوكولات واضحة قبل البطولات: كيف يُدعم اللاعب المستهدف؟ من يتواصل معه؟ من يوثق الإساءة؟ من يتابع مع المنصة؟ متى تُحال الحالة إلى الشرطة أو القضاء؟ وكيف تُدار الرسالة الإعلامية دون تضخيم الإساءة نفسها؟
الأندية أيضاً معنية، لأن كثيراً من اللاعبين يعيشون هذه الظاهرة طوال الموسم، لا في البطولات الدولية فقط. أما الإعلام الرياضي، فمسؤوليته مزدوجة. من جهة، لا يجوز له تخفيف الإساءات بوصفها “غضب جماهير”. ومن جهة أخرى، عليه ألا يعيد نشر المحتوى المسيء بطريقة تمنحه انتشاراً إضافياً. التغطية المهنية يجب أن تشرح الظاهرة وتكشف الأنماط وتحاسب الجهات المقصرة، لا أن تحول الإساءات إلى مادة تفاعل جديدة.















