لم تكن رحلة رقية محمد يوسف، الصيدلانية السودانية والأم لخمسة أطفال، مجرد عبور للحدود بحثاً عن الأمان. فالحرب التي أجبرتها على مغادرة بيتها وحياتها المستقرة دفعتها، برفقة أطفالها، إلى رحلة نزوح طويلة انتهت بها في تشاد، حيث بدأت محاولة جديدة لبناء حياة مختلفة من الصفر.
رقية، وهي أم لولدين وثلاث بنات، كانت تعمل في مجال الصيدلة في السودان قبل اندلاع الحرب. لكنها تقول إن الحرب لم تترك للمدنيين خياراً سوى البحث عن النجاة، مؤكدة أنه “لا خير في الحرب”، وأن أكثر ما يؤلمها هو ما خلفته من ضحايا وأسر مشتتة ونساء فقدن أزواجهن وأبناءهن.
أسبوعان على الطريق
بدأت رحلة رقية عندما اشتدت الحرب في السودان، فاضطرت إلى مغادرة منزلها برفقة أطفالها. وعلى مدى أسبوعين، قطعت مسافات طويلة في طريقها نحو تشاد، وسط الخوف والإرهاق وعدم اليقين. لكن ما كان يشغلها أكثر من مشقة الطريق هو أطفالها الخمسة، وما إذا كانت ستتمكن من إيصالهم إلى مكان آمن.
كان هدفها بسيطاً في ظاهره، وصعباً في ظروف الحرب: العثور على مكان تستطيع فيه حماية أطفالها.
وبعد وصولها إلى تشاد، واصلت طريقها إلى العاصمة أنجمينا، حيث بدأت مواجهة من نوع آخر. فبعد أن نجت الأسرة من الحرب، كان عليها أن تجد وسيلة للعيش، وأن تؤمن احتياجات خمسة أطفال، وتبدأ حياة جديدة بعيداً عن المنزل والمحيط الاجتماعي الذي تركته خلفها.
حين يصبح العمل طريقاً للنجاة
في أنجمينا، لم تكن رقية تملك رفاهية الانتظار. دفعتها مسؤوليتها تجاه أطفالها إلى البحث عن وسيلة تعتمد من خلالها على نفسها، وبفضل خبرتها وإصرارها بدأت مشروعاً صغيراً لبيع منتجات التجميل والعناية بالبشرة.
يوفر المشروع مجموعة من المنتجات التي تحتاجها النساء، من كريمات وزيوت للعناية بالبشرة إلى مستحضرات التجميل ومنتجات العناية بالشعر والجسم. وبدأت رقية بالبيع المباشر للزبائن، محاولةً أن تبني تدريجياً مصدر دخل ثابتاً يساعدها على إعالة أطفالها.
وتقول إن هدفها لا يقتصر على تأمين دخل لأسرتها، بل تسعى أيضاً، من خلال عملها، إلى مساعدة النساء التشاديات للعمل في هذا المجال.
بالنسبة إليها، أصبح المشروع أكثر من مجرد مصدر للدخل؛ إنه محاولة لاستعادة جزء من الحياة التي مزقتها الحرب، ورسالة لأطفالها بأن النزوح لا يعني بالضرورة نهاية الطريق.
أم تحاول أن تبدأ من جديد
لم تكن الحياة في أنجمينا سهلة، بين مسؤولية خمسة أطفال والبحث عن دخل والاستقرار في بلد جديد. لكن رقية تقول إن تجربة الحرب والنزوح، رغم قسوتها، كشفت لها عن قوة لم تكن تعرف أنها تمتلكها.
ومن خلال مشروعها، تحاول اليوم أن تبني مستقبلاً أكثر أمناً واستقراراً لأطفالها، وأن تستعيد شيئاً من قدرتها على تقرير حياتها بعد أن فرضت الحرب عليها طريقاً لم تختره.
فقصتها تكشف وجهاً إنسانياً لأزمة السودان لا يمكن أن تختصره أرقام اللاجئين والنازحين. فخلف كل رقم أسرة، وخلف كل أسرة أم أو أب يحاولان، رغم الفقد وعدم اليقين، تأمين الطعام والتعليم والحياة الكريمة لأطفالهما.
المرأة في قلب الحرب
ترى رقية أن النساء من بين أكثر الفئات تضرراً من الحروب، مشيرة إلى أن كثيراً من السودانيات فقدن أزواجهن وأبناءهن، واضطررن إلى تحمل مسؤوليات أسرية كبيرة في ظروف النزوح والفقر وعدم الاستقرار.
من هنا تناشد المنظمات الإنسانية والمجتمع المدني وكل الجهات المعنية بالعمل من أجل السلام، وألا يقتصر الجهد على معالجة آثار الحرب، بل يمتد إلى العمل من أجل وقفها.
كما تؤمن رقية بأن النساء والأطفال هم من يدفعون الثمن الأكبر عندما تستمر الحروب، وأن السلام وحده يمكن أن يفتح الطريق أمام الأسر لاستعادة حياتها.
“نريد السلام”
في نهاية حديثها، تختصر رقية حلمها في كلمة واحدة: السلام. وتقول: “نريد السلام، ونتمنى أن تتوقف الحرب وأن يعود السودان كما كان. من فضلكم أوقفوا الحرب من أجلنا ومن أجل أطفالنا”.
من السودان إلى أنجمينا، لم تحمل رقية معها آثار الحرب والخوف وحدهما، بل حملت أيضاً مسؤولية خمسة أطفال وإصراراً على ألا تكون الحرب نهاية حكايتها. وبين مشروع صغير تحاول أن تنميه وحلم كبير بأن يعود السلام إلى بلادها، تواصل بناء حياة جديدة خطوة بعد أخرى.
قد تكون قصة رقية واحدة من آلاف قصص النساء اللواتي غيرت الحرب مسار حياتهن، لكنها تذكّر بأن خلف أرقام النزوح وجوهاً وأسماء وأمهات يحاولن، كل يوم، أن يصنعن لأطفالهن مساحة صغيرة للأمان والأمل.















