بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

ملفات جيفري إبستين (4-6)

كيف اخترق إبستين أسوار هارفارد وMIT.. ولماذا لفظه ستيفن بينكر؟ غسيل السمعة بالعلم تحت المجهر

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

في الممرات العريقة لجامعة هارفارد، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، حيث تتشكل عقول المستقبل، كان هناك “زائر” غير أكاديمي يتجول بحرية لسنوات. لم يحمل شهادة دكتوراه، ولم ينشر ورقة بحثية واحدة، لكنه امتلك في نظر كثيرين ما يفوق ذلك قوةً وتأثيراً: دفتر شيكات مفتوح، وطائرة خاصة، وشبكة علاقات متشعبة.

لم يكتفِ جيفري إبستين باستغلال القاصرات في الظل، بل سعى بإصرار إلى احتلال الضوء. اعتمد في ذلك على استراتيجية دقيقة تُعرف بـ”غسيل السمعة عبر العلم” (Science-Washing)، هدفها إحاطة اسمه بألمع العقول في الفيزياء وعلم النفس والبيولوجيا، ليُعاد تقديمه للعالم بوصفه “راعياً للعلم الحديث”، لا مفترساً محمياً بالمال.

سقط في هذا الفخ رؤساء أقسام، وحائزون على جوائز نوبل، ومديرو مختبرات مرموقة، قبلوا تبرعاً هنا ورحلة هناك بذريعة “خدمة البحث العلمي”. لكن وسط هذا الانحناء الجماعي أمام الثروة، وقف عالم واحد بشعره الفضي ونظارته الطبية ليكون حجر عثرة أمام طموحات إبستين: البروفيسور ستيفن بينكر، عالم النفس المعرفي، الذي أثبت أن الكبرياء العلمي – بمعناه الإيجابي – قد يكون حصناً لا يخترقه الذهب.

استراتيجية “المثقف المزيف”

لفهم دلالة موقف بينكر، لا بد من تفكيك “الطُعم” الذي كان إبستين يقدمه. لم يقترب من العلماء بوصفه جاهلاً متلهفاً للتعلم، بل قدّم نفسه كندّ لهم. حفظ قشور نظريات معقدة، وتسلح بمصطلحات رنانة في فيزياء الكم وعلم الجينات، ثم أقام صالونات عشاء فاخرة يناقش فيها ضيوفه، موحياً بأنه جزء من نادي العبقرية.

اللعبة النفسية كانت واضحة: “أنا أفهمكم، أقدّر عبقريتكم، وأملك المال لدعمها”. بالنسبة لعالم يعاني شح التمويل، كان هذا العرض إغراءً مزدوجاً يُشبع الأنا والحاجة المادية معاً.

غير أن ستيفن بينكر، الذي التقى إبستين عدة مرات بحكم تقاطع الدوائر الاجتماعية، رأى صورة مختلفة تماماً. لم يرَ راعياً للعلم، بل ما وصفه لاحقاً بكلمة يديشية لاذعة ودقيقة (Kibitzer).

“المتفيهق”: كاشف الزيف الفكري

في الثقافة اليهودية، يشير مصطلح (Kibitzer) إلى الشخص المتطفل الذي يدّعي الفهم، ويقاطع الخبراء بنصائح غير مطلوبة، محاولاً فرض نفسه دون امتلاك كفاءة حقيقية.

وصف بينكر لقاءاته مع إبستين بوضوح قاسٍ: “كان شخصاً كريهاً. لم يكن مهتماً فعلياً بما نقوله. يقاطع باستمرار، يطلق نكات سمجة، ويحاول إثبات أنه الأذكى في الغرفة. كان مُملاً إلى حد لا يُطاق”.

تكمن أهمية هذا الوصف في أن كثيرين تغاضوا عن ضحالة إبستين الفكرية، وعدّوها “غرابة أطوار” مسموحة للأثرياء. أما بينكر، فامتلك ما يمكن تسميته بـ”حساسية الكفاءة”. هو لا يحترم إلا المعرفة الحقيقية، وبمجرد أن أدرك أن إبستين دجال فكري يتسلق على أكتاف العلماء، سقط الرجل من اعتباره تماماً.

لم يكن المال، في نظر بينكر، تعويضاً عن غياب العمق. فهذا الاحتقار الفكري، لا الأخلاقي فقط، كان الدّرع الذي حماه. رفض التمويل، ورفض الدعوات، ببساطة لأنه لم يرغب في قضاء وقته مع شخص مُدّعٍ ومُمل.

سيكولوجية السقوط: لماذا قبل الآخرون؟

تتضح قوة موقف بينكر عند مقارنته بعلماء ومسؤولين أكاديميين آخرين قبلوا أموال إبستين. لم يكونوا أشراراً بالضرورة، لكنهم وقعوا في فخ “تبرير الغاية بالوسيلة”.

كان منطقهم: “سمعته سيئة، لكن أمواله قد تُسهم في اكتشافات كبرى. العلم أهم من المصدر”. هذا التبرير يُعرف نفسياً بـ”العمى المؤسسي”، حيث يُفصل المال عن سياقه الأخلاقي.

أدرك بينكر ما غفل عنه غيره، وهو أن المال ليس مُحايداً عندما يكون هدفه شراء الشرعية. قبول تمويل إبستين لم يكن دعماً للعلم فقط، بل صك قبول اجتماعي وأكاديمي يُمكّنه من مواصلة فساده.

ثمّة عامل آخر حاسم، وهو الاكتفاء الذاتي. بينكر لم يكن يعاني “جوع الاعتراف”. كان اسماً راسخاً، ومؤلفاته تحقق انتشاراً واسعاً. لم يكن بحاجة إلى ملياردير ليمنحه شعور القيمة. على مبدأ كلما زاد الاكتفاء، تضاءلت قابلية الإغواء.

“غسيل السمعة” وأوهام الخلود

كشف رفض بينكر جانباً أكثر ظُلمة وسواداً في شخصية إبستين: هوسه بتحسين النسل والخلود. أظهرت وثائق لاحقة أنه كان يمول أفكاراً متطرفة عن تجميد الرؤوس بعد الموت، أو نشر جيناته لإنتاج “سوبر بشر”.

العلماء الذين قبلوا تمويله وجدوا أنفسهم مُجبرين على مُجاملة هذه الأوهام. أما بينكر، المتخصص في علم النفس التطوري، فكان قادراً على شم رائحة “العلم الزائف” من بعيد. بالنسبة له، العلم التزام بالحقائق، لا أداة لخدمة نزوات رجل مهووس.

الكبرياء كفضيلة أخلاقية

غالباً ما يُنظر إلى الكبرياء بوصفه رذيلة، لكن تجربة ستيفن بينكر تكشف وجهاً آخر له: الكبرياء الفكري بوصفه فضيلة مُنقذة. لقد تعالَى بينكر على المال، ونظر إلى الملياردير من موقع الندية لا التبعية. رأى فيه شخصاً يحاول شراء مكانة لا يستحقها، فرفض بيعها.

تقدم هذه القصة دروساً واضحة في زمن هيمنة رأس المال، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  • المال لا يشتري الاحترام ولا التقدير.
  • من يحاول أن يبدو ذكياً أكثر مما هو، يخفي غالباً فراغاً أو خطراً.
  • النزاهة هي قول “لا” حين يقول الجميع “نعم”. عندما صعد الآخرون إلى الطائرة الخاصة، بقي بينكر في مكتبه يكتب. اليوم، تلطخت أسماؤهم، وبقي اسمه رمزاً للنزاهة.

في النهاية، أدرك بينكر حقيقة بسيطة، وهي أن جيفري إبستين لم يكن راعياً للعلم، بل فيروساً حاول الالتصاق بجسد المؤسسة الأكاديمية ليبقى حياً. وبينكر امتلك المناعة الكافية لطرده.