بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

في ظل سجل أوروبي مثقل بالهجمات.. ألمانيا في مواجهة شبح الإرهاب خلال موسم الأعياد

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مع عودة الهجمات الإرهابية إلى صدارة المشهد الأمني في أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا وعدد من البلدان الأخرى خلال الأشهر الأخيرة، وتصاعد المخاوف من استهداف التجمعات المدنية والأماكن العامة، تدخل ألمانيا موسم عيد الميلاد ورأس السنة في مناخ أمني بالغ الحساسية.

أعاد هذا الواقع إلى الواجهة هاجس الإرهاب بوصفه تهديداً قائماً وملموساً، لا مجرّد احتمال نظري، خصوصاً في ظل سجل أوروبي وألماني مثقل بهجمات استهدفت مناسبات جماهيرية في فترات احتفالية سابقة.

رفع درجات التأهب إلى مستويات عالية

استناداً إلى هذه المعطيات، رفعت السلطات الألمانية مستوى التأهّب الأمني إلى درجات عالية، تحسّباً لأي محاولة لاستغلال كثافة الحشود في أسواق عيد الميلاد والفعاليات المرتبطة برأس السنة. وتتعامل الأجهزة الأمنية مع هذه الفترة على أنها من أكثر المراحل هشاشة من الناحية الأمنية، نظراً لطبيعة الأماكن المفتوحة، وكثافة الزوار، والرمزية الثقافية والدينية التي تحملها هذه المناسبات.

لم يأتِ هذا الاستنفار في إطار إجراءات احترازية عامة فحسب، بل تعزّز ميدانياً بعد إعلان السلطات إحباط مخطط إرهابي كان يستهدف سوقاً شهيراً لعيد الميلاد في ولاية بافاريا. وأسفرت التحقيقات عن اعتقال خمسة رجال من جنسيات مختلفة، بينهم مصري وثلاثة مغاربة وسوري، بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم دهس باستخدام سيارة وسط حشود الزوار. 

وأكدت الأجهزة الأمنية أن المخطط كان في مراحله المتقدمة، وأن دوافعه مرتبطة بأيديولوجيات متطرفة، ما شكّل مؤشراً إضافياً على استمرار قدرة خلايا صغيرة أو أفراد متشددين على الاقتراب من التنفيذ على الرغم من الإجراءات الصارمة.

توسيع نطاق التأهب ليشمل مواقع مختلفة

هذا التطور دفع السلطات إلى توسيع نطاق التأهّب ليشمل، إلى جانب أسواق عيد الميلاد، محطات القطارات، والمراكز التجارية، والمناطق السياحية، باعتبارها نقاط جذب رئيسة خلال موسم الأعياد، ومواقع محتملة لأي استهداف. 

كما شملت هذه الإجراءات تعزيز الوجود الشرطي بشكل لافت في الأماكن العامة المزدحمة، ونشر حواجز خرسانية وموانع حديدية لمنع هجمات الدهس بالمركبات، إلى جانب توسيع شبكات المراقبة بالكاميرات واستخدام تقنيات رصد متقدمة. كما جرى تكثيف عمليات التفتيش والدوريات الراجلة والمتحركة، ورفع جاهزية وحدات التدخل السريع، في ظل تقديرات رسمية تشير إلى أن مستوى التهديد لا يزال مرتفعاً.

أسواق عيد الميلاد رمزية تجعلها أهدافاً

تُعد أسواق عيد الميلاد في ألمانيا من أكثر المواقع حساسية أمنياً خلال هذه الفترة، لما تحمله من رمزية ثقافية ودينية، فضلًا عن الكثافة البشرية والزخم الإعلامي الذي يرافقها. 

رسّخت هجمات سابقة، أبرزها هجوم برلين العام 2016 وهجوم ماغديبورغ في 2024، هذا النمط من الاستهداف، وأظهرت أن المواسم الاحتفالية تمثل تحدياً أمنياً مركّباً. هذه التجارب دفعت الأجهزة الأمنية إلى تطوير مقاربات حماية خاصة بهذه الأسواق، تركّز على ضبط حركة المركبات، وتأمين محيط الفعاليات، وضمان سرعة التدخل في حال وقوع أي طارئ.

في مواجهة هذا الواقع، تعتمد ألمانيا استراتيجية أمنية شاملة تقوم على الوقاية الاستباقية، من خلال تعزيز التنسيق بين الشرطة وأجهزة الاستخبارات، وتوسيع مراقبة الأنشطة المتطرفة في الفضاء الرقمي، وتشديد الرقابة في محيط الفعاليات الكبرى. كما عززت برلين تعاونها الاستخباراتي مع شركائها الأوروبيين، انطلاقاً من إدراكها بأن الإرهاب بات ظاهرة عابرة للحدود تتطلب تنسيقاً دولياً دائماً.

سلسلة من الهجمات الإرهابية في العقد الأخير

شهدت ألمانيا خلال العقد الأخير سلسلة من الهجمات الإرهابية والعنيفة التي أودت بحياة نحو 26 شخصاً، أبرزها هجوم سوق عيد الميلاد في برلين 2016، وهجوم كنيس هاله 2019، وهجمات الطعن والدهس في سولينجن وماغدبورغ وميونيخ وأشفنبرغ بين العامين 2024 و2025. تكشف هذه الحوادث عن تحول التهديد من تنظيمات إرهابية تقليدية إلى هجمات نفذها أفراد أو خلايا صغيرة متطرفة متأثرة بالأيديولوجيات المتطرفة المنتشرة عبر الإنترنت.

تشير المعطيات الأمنية إلى تحوّل واضح في طبيعة الإرهاب داخل ألمانيا، حيث لم يعد التهديد محصوراً في تنظيمات متشددة ذات هياكل واضحة، بل بات يشمل أفراداً منفردين أو مجموعات صغيرة تتأثر بخطاب متطرف ينتشر عبر الإنترنت. هذا النمط، المعروف بظاهرة “الذئاب المنفردة”، يزيد من صعوبة الرصد المبكر ويحدّ من القدرة على التنبؤ بالهجمات، كما يثير قلقاً إضافياً بسبب ارتفاع نسبة انخراط شبان صغار السن في مخططات عنيفة.

البعد المجتمعي للتحدي الأمني

إلى جانب الإجراءات الأمنية، تواجه ألمانيا تحدّيات اجتماعية مرتبطة ببيئات التطرف، ما دفع السلطات إلى تعزيز برامج التوعية المجتمعية وتشجيع تعاون المواطنين مع الأجهزة الأمنية في رصد السلوكيات المشبوهة. ويُنظر إلى هذا التعاون بوصفه عنصراً أساساً في منظومة الوقاية، إلى جانب دور التعليم والأسرة في تحصين الشباب من الانزلاق نحو التطرف.

تدخل ألمانيا موسم الأعياد وهي تدرك أن التهديد الإرهابي لا يزال حاضراً، وأن التجمعات الكبيرة ستظل هدفاً محتملاً للجماعات المتطرفة. وبين تشديد الإجراءات الأمنية، وتوسيع العمل الاستخباراتي، وتعزيز الشراكة المجتمعية، تسعى السلطات إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية المدنيين وضمان استمرار الاحتفالات في أجواء طبيعية. غير أن اليقظة الأمنية تبقى العنوان الأبرز لهذه المرحلة، في انتظار تراجع تهديد يبدو مرشحاً للاستمرار في المدى المنظور.