مع تصاعد الضغط العسكري الأمريكي في منطقة الكاريبي، يتنامى التوتر بين واشنطن وكاراكاس وسط مخاوف من هجوم محتمل على فنزويلا. ويبرز هذا الصراع كأحد أكثر بؤر التوتر سخونة. ويبرز هذا الصراع كأحد أكثر محاور التوتر سخونة في نصف الكرة الغربي، إذ يجمع بين السياسة الداخلية المتأزمة والاقتصاد المنهار والموارد الطبيعية الضخمة، بالإضافة إلى المنافسة الجيوستراتيجية بين القوى الكبرى.
يؤكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضرورة الحملة العسكرية… لكنه يترك الباب مفتوحاً أمام الحل الدبلوماسي، محاولاً تبرير التدخل على أنه جزء من مكافحة الجريمة المنظمة، وليس مجرّد صراع على السلطة أو الموارد النفطية.
بدأ التصعيد الأمريكي بعد اعتراف هوغو كارفاخال، رئيس الاستخبارات الفنزويلي السابق، أمام محكمة نيويورك بمشاركته في تهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة ضمن شبكة أطلقت عليها واشنطن اسم “كارتل الشمس”. استُخدم هذا الاعتراف كذريعة لتبرير سلسلة من الإجراءات السياسية والعسكرية ضد كراكاس، في إطار استراتيجية أمريكية تعتمد على مزاعم قانونية وأمنية لتشديد الضغط الدولي على الحكومة الفنزويلية.
وشملت العمليات الأمريكية ضربات بحرية وجوية استهدفت قوارب زُعم أنها تُستخدم للتهريب على طول السواحل الفنزويلية، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى، ما أثار جدلاً واسعاً حول شرعية تلك العمليات والتزامها بالقوانين الدولية، في حين منح ذلك واشنطن مبرراً لتوسيع نفوذها العسكري في المنطقة وتعزيز قدرتها على مراقبة الحركة البحرية.
الأبعاد الإقليمية والدولية
إلى جانب الصراع المباشر بين فنزويلا والولايات المتحدة، تشير بعض التقارير الأمريكية إلى وجود شبكات مالية غير رسمية في فنزويلا، ترتبط أحياناً بعناصر خارجية، من بينها جماعات لبنانية على علاقة بحزب الله، تستغل هشاشة الأنظمة المحلية لتعزيز مصالحها المالية واللوجستية، بما في ذلك أنشطة غسل الأموال وتمويل شبكات التهريب. وعلى الرغم من أن هذه الأبعاد تشكل جزءاً ثانوياً في الأزمة، فإنها تُعقّد المشهد الأمني والمالي، وتزيد من صعوبة مراقبة التدفقات غير المشروعة في ظل التصعيد الأمريكي المستمر.
الحشد العسكري غير المسبوق
في نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن الرئيس الأمريكي إغلاق المجال الجوي الفنزويلي بالتزامن مع وصول حاملة الطائرات “جيرالد آر. فورد” إلى البحر الكاريبي ونشر مدمرات وغواصات وطائرات “إف-35″، إضافة إلى قاذفات استراتيجية “بي-1” و”بي-52″، في أكبر حشد للقوات الأمريكية قرب فنزويلا منذ غزو بنما العام 1989.
شملت الاستعدادات الأمريكية أيضاً تعزيز البنية التحتية العسكرية في المنطقة، من خلال إعادة فتح قاعدة روزفلت البحرية في بورتوريكو، وتوسيع مدارج المطارات لاستيعاب الطائرات المقاتلة وشحن الإمدادات، إلى جانب تدعيم قدرات الرصد والمراقبة البحرية والجوية، ما يؤكد استعداد أمريكا التام لتوسيع نطاق العمليات ضد فنزويلا، مع إبقاء الخيار العسكري الكامل مفتوحاً.
جذور الأزمة: اقتصاد وسياسة متشابكة
لا يمكن فهم الأزمة الحالية من دون التطرق إلى الأسباب البنيوية التي تؤطّر الصراع. فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، ما يجعلها هدفاً مباشراً للمنافسة بين القوى الكبرى على أسواق الطاقة والأسعار العالمية. ومع انهيار الإنتاج النفطي نتيجة سوء الإدارة والفساد، تصبح البلاد ضعيفة أمام الضغوط الدولية، لكن في الوقت نفسه يجعل أي تدخل أمريكي محفوفاً بالمخاطر الاقتصادية.
سياسياً، تواجه الحكومة أزمة شرعية مستمرة، وذلك بعد الانتخابات الأخيرة المثيرة للجدل. ويواصل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قمع المعارضة في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة ودول أخرى دعم خصومه، ما يزيد من حدة الاستقطاب الداخلي ويضع البلاد في مواجهة دائمة بين السلطة والمعارضة. تلعب الاتهامات بتهريب المخدرات وتسهيل غسل الأموال دوراً إضافياً في تصعيد الأزمة، إذ تُستغل كأداة قانونية وأمنية لتبرير الضغط الدولي وخلق بيئة مناسبة للضغط على النظام وإضعاف سيادته.
الأزمة الإنسانية والمعاناة اليومية
يعاني المواطنون الفنزويليون من تداعيات الأزمة المركّبة، حيث يشهدون انهيار الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والرعاية الصحية. ويشهد الاقتصاد معدلات تضخم قياسية التهمت القدرة الشرائية، وسط انخفاض فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة. كل ذلك، والمعارضون السياسيون يتعرضون لموجات اعتقال واسعة وظروف مأساوية في السجون، ما يعكس هشاشة الدولة ويزيد من الاحتقان الاجتماعي. هذه المعاناة تجعل الضغط الأمريكي أكثر تأثيراً على الداخل الفنزويلي، إذ يعزز الاستياء الشعبي ويخلق بيئة قابلة للاضطرابات، لكنها في الوقت نفسه تزيد من صعوبة السيطرة على الوضع الداخلي في حال تدخل خارجي واسع.
في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي، تعتمد فنزويلا على استراتيجيات دفاعية متعددة، أبرزها استراتيجية “المقاومة المطوّلة” التي تعتمد على وحدات صغيرة موزعة في مواقع استراتيجية مجهزة بصواريخ أرض-جو وأسلحة خفيفة بهدف تعطيل أي قوة غازية، إضافة إلى استراتيجية “الفوضى” التي تستخدم مجموعات مسلحة محلية لإحداث اضطرابات ممنهجة في المدن الكبرى، ما يعقد مهمة أي تدخل خارجي ويفرض تكلفة عالية على القوات الغازية.
كما تلعب الاستراتيجية الإعلامية دوراً مهماً في تصوير الولايات المتحدة كقوة عدوانية تسعى للاستيلاء على النفط وفرض تغيير نظامي، الأمر الذي يُعزز الدعم الشعبي الداخلي، ويُصعّب على واشنطن تحقيق أهدافها بسرعة.
التبعات الإقليمية والعالمية
تمتد تأثيرات الأزمة بين واشنطن وكاراكاس إلى المنطقة والعالم، إذ يمكن لأي تصعيد عسكري أن يؤدي إلى موجات نزوح كبيرة إلى الدول المجاورة مثل كولومبيا والبرازيل ودول الكاريبي، ما يزيد الضغوط على اقتصاداتها ويُفاقم التوتر الاجتماعي والسياسي. كما أن أي تعطّل في إنتاج النفط الفنزويلي قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، ويزيد من التنافس بين الدول المستهلكة والمنتجة، بينما يعكس الصراع ساحة جديدة للتنافس الجيو إستراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين على النفوذ في نصف الكرة الغربي، خصوصاً مع تزايد الدعم الروسي والصيني لفنزويلا في مجالات النفط والتسليح.
هناك سيناريوهات عدة محتملة للتصعيد الأمريكي، يتمثّل الأول في استمرار الضغط عبر العقوبات الاقتصادية والسياسية مع عمليات محدودة ضد مهربي المخدرات من دون تدخل برّي مباشر، ويشمل الثاني ضربات جوية محدودة تستهدف البنية التحتية المهمة والعسكرية داخل فنزويلا، إلى جانب عمليات سرية للقوات الخاصة، أما السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، فهو تدخل برّي شامل لإسقاط النظام، يليه تنصيب حكومة مؤقتة، مع احتمالية اندلاع حرب عصابات طويلة وعواقب إنسانية وإقليمية كبيرة.
أزمة مفتوحة على كل الاحتمالات
تمثل أزمة فنزويلا مزيجاً معقداً من الصراع العسكري والضغط الاقتصادي والأزمات الداخلية والتوترات الجيوسياسية، مع استمرار التصعيد الأمريكي على محاور عدة، فيما تحاول فنزويلا الصمود من خلال استراتيجيات دفاعية غير تقليدية تكفل لها القدرة على مقاومة أي تدخل محتمل.
المستقبل مفتوح على احتمالات عدة، من الجمود السياسي المستمر، إلى الصراع المسلح الأوسع، مع انعكاسات كبيرة على الأمن الإقليمي واستقرار أسواق الطاقة العالمية. ليبقى السؤال الأساسي، هل ستنجح الدبلوماسية الدولية في احتواء الصراع قبل أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة، أم أن فنزويلا ستظل ساحة تصادم أمريكية على أسس نفطية وسياسية وجيوإستراتيجية، ضاربة عرض الحائط كل العواقب الإنسانية والاقتصادية المحتملة؟















