مع دخول حرب السودان عامها الرابع، وسط انهيار أمني واقتصادي وإنساني واسع، تتجه قراءات سياسية متزايدة إلى أن أي تسوية لا يمكن أن تقتصر على وقف إطلاق النار أو تقاسم السلطة بين المكونات المسلحة، بل يجب أن تلامس البنية الأعمق للأزمة: شبكات النفوذ التي عادت إلى مفاصل الدولة بعد انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021.
تحمّل دراسة صادرة عن “مركز جيروزاليم للأمن والشؤون الخارجية” (JCFA) الإسرائيلي تنظيم “الإخوان” المسؤولية الرئيسية عن انهيار مسار الانتقال الديمقراطي، مُتهِمة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بالتخبط بين محاولات ضمان بقائه في السلطة عبر الانفتاح على إسرائيل من جهة، والعودة إلى تنفيذ أجندة الجماعة داخل مؤسسات الدولة من جهة أخرى.
وتعتبر الدراسة أن السودان، بعد سقوط “جماعة الإخوان المسلمين” في أبريل/نيسان 2019، بدأ مساراً نحو الحكم المدني، تزامن لاحقاً مع انضمامه إلى إطار “اتفاقيات إبراهيم” أواخر العام 2020، غير أن هذا المسار تعرض لانتكاسة بعد انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021، الذي أعاد البلاد إلى مربع العزلة والصراع، ومهد للحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023.
مناورات البرهان
تتجه أصابع الاتهام إلى قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بإرباك المشهد السوداني عبر تبني سياسات متناقضة هدفت في المقام الأول إلى ضمان بقائه في السلطة، حتى وإن جاءت على حساب عملية الانتقال المدني.
ويعتبر مركز JCFA أن ما يشهده السودان اليوم يعكس طبيعة شخصية البرهان، الذي يقدّم نفسه أمام الغرب ودول الخليج باعتباره قائداً براغماتياً، بينما يمثل في الواقع الشبكة التنظيمية لـ “جماعة الإخوان المسلمين” داخل المؤسسة العسكرية.
في ظل الضغوط الشعبية التي واجهها بسبب اتهامات تتعلق بفض اعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو/حزيران 2019، ومع اقتراب موعد تسليم السلطة للمدنيين، فاجأ البرهان الأوساط السياسية بلقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مدينة عنتيبي الأوغندية في الثالث من فبراير/شباط 2020.
ضغوط قانونية وسياسية
جاء اللقاء في إطار محاولة للتقرب من الولايات المتحدة عبر إسرائيل بما يضمن بقاءه في السلطة وتخفيف الضغوط القانونية والسياسية، إلا أن هذه الخطوة وضعت تنظيم “الإخوان”، الذي ظل يحتفظ بنفوذ واسع داخل المؤسسة العسكرية، في موقف حرج أمام حلفائه، وفي مقدمتهم حركة “حماس” وإيران، الأمر الذي انعكس لاحقاً على مسار تنفيذ الاتفاق الإبراهيمي الذي وقع عليه السودان في يناير/كانون الثاني 2021.
ويعد انقلاب البرهان على الحكومة المدنية في أكتوبر/تشرين الأول 2021، بحسب الدراسة، نقطة التحول التي أعادت تمكين شبكات “الإخوان” داخل الدولة، رغم تعارض ذلك مع جهود المجتمع الدولي الرامية إلى استكمال الانتقال المدني وإنهاء عقود من العزلة التي فرضها حكم الجماعة.
في المقابل، ورغم قبول التنظيم ببقاء البرهان في السلطة، فإنه ظل ينظر بعين الريبة إلى أي انفتاح على إسرائيل، نظراً للعلاقات التاريخية التي تربطه بحركة “حماس” ومحور إيران.
في هذا الشأن، قال رئيس مركز JCFA، دان ديكر، إن “انهيار مسار التطبيع مع إسرائيل ليس حكماً على الدبلوماسية الإقليمية، بل تحذير مما يمكن أن تفعله الشبكات الإسلامية المنظمة بمسارات الانتقال الديمقراطي”.
زعزعة الاستقرار
ترى دراسة المركز الإسرائيلي أن الانقلاب على السلطة المدنية شكّل نقطة التحول التي دفعت السودان نحو الانهيار الأمني والسياسي. وأن استمرار الصراع الحالي لا يخدم سوى “جماعة الإخوان” التي تتخذ الحرب غطاء لترسيخ سيطرتها على مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والاقتصاد، بينما تتسع رقعة الانهيار الإنساني والاقتصادي.
وتؤكد أن أي مخرج للأزمة يبدأ بوقف الحرب واستئناف عملية الانتقال المدني، معتبرة أن القوى المدنية التي قادت الحراك الشعبي تمثل القاعدة الاجتماعية الأوسع الداعمة للاستقرار والسلام، وتحتاج إلى دعم سياسي ودبلوماسي دولي. كما تدعو إلى تفكيك شبكات الإخوان بصورة منهجية، عبر استهداف بنيتها المالية، وفرض عقوبات على قياداتها، وقطع قنوات تمويلها وإمدادها بالسلاح.
كما ترى الدراسة أن إعادة دمج السودان في محيطه الإقليمي، بما في ذلك العودة إلى إطار “الاتفاقيات الإبراهيمية”، من شأنها فتح الباب أمام الاستثمارات وإعادة الإعمار، في ظل ما يمتلكه السودان من احتياطيات كبيرة من الذهب والمعادن والنفط والغاز، إلى جانب موارده الزراعية الضخمة.
معضلة “الإخوان المسلمين”
تعتبر الدراسة أن الأزمة السودانية لا ترتبط بالحرب وحدها، بل بإعادة إنتاج البنية السياسية والأمنية التي أطاحت بها ثورة ديسمبر\كانون الأول 2019. فبعد سقوط “تنظيم الإخوان”، شرعت الحكومة الانتقالية في تفكيك شبكات التنظيم، ومصادرة أصوله، وإزالة البنية الاقتصادية والأمنية التي بناها خلال ثلاثة عقود من الحكم.
لكن هذه العملية توقفت بعد انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021، إذ أعيدت مليارات الدولارات من الأصول التي كانت قد صودرت من شبكات “الإخوان” والجهات المرتبطة بها، وعادت إلى الدورة المالية للتنظيم.
كما أُعيد بناء أجزاء من المنظومة الأمنية على غرار الحرس الثوري الإيراني، بما في ذلك إنشاء وحدات أمنية خاصة، وإعادة تعيين شخصيات محسوبة على “جماعة الإخوان” في مواقع دبلوماسية وأمنية حساسة، من بينها سفير في طهران سبق أن ارتبط بأنشطة استخباراتية داخل الجامعات السودانية.
وبعد استئناف العلاقات بين الخرطوم وطهران عقب انقلاب 2021، ثم اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، استعادت إيران نفوذها داخل السودان، بما في ذلك تقديم دعم عسكري وتقني في مجال الطائرات المسيّرة.
تحذيرات من تعاظم النفوذ الإيراني
تضيف الدراسة أن خبراء إيرانيين يعملون من قواعد على ساحل البحر الأحمر لتقديم الدعم المباشر لعمليات الطائرات المسيّرة السودانية، محذرة من أن طهران تسعى إلى ربط البنية العسكرية السودانية بشبكة حلفائها في المنطقة، بما في ذلك الحوثيون في اليمن، بما قد يوسع نطاق التهديدات في البحر الأحمر.
كما تؤكد وجود قنوات اتصال مستمرة بين شبكات “الإخوان” داخل مؤسسات الدولة والحرس الثوري الإيراني، مستشهدة بالعقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية في العام 2023 على القيادي الإخواني عبد الباسط حمزة، بعد اتهامه بالمشاركة في الشبكة المالية الداعمة لحركة حماس.
وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل السودان سيظل رهينة استمرار هذه الشبكات داخل مؤسسات الدولة، وأن وقف الحرب، وتفكيك البنية التنظيمية والمالية لـ “الإخوان”، واستئناف الانتقال المدني، تمثل الشروط الأساسية لإنقاذ البلاد من دوامة الانهيار، محذرة من أن أي تسوية تتجاهل هذه المسألة لن تؤدي، في تقديرها، إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بصيغة جديدة.















