بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

قراءة تحليلية

خنادق “حزب الله” في جنوب لبنان تتصادم مع مسار “بورغنشتوك” وتكشف هشاشة تفاهمات واشنطن وطهران الإقليمية المتشابكة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تتصاعد التطورات الميدانية في جنوب لبنان لتفرض نفسها كعامل حاسم في رسم إيقاع محادثات “بورغنشتوك” بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تتقاطع الجبهات العسكرية مع مسارات التفاوض في مشهد إقليمي بالغ التعقيد. وبينما تحاول العواصم المعنية تقديم صورة دبلوماسية منضبطة، تكشف الوقائع على الأرض أن ميزان القوة لا يزال يُحسم في ساحات الاشتباك، وأن أي تفاهم سياسي يبقى رهناً بقدرة الأطراف على فرض وقائع ميدانية أو كبحها.

يعكس هذا التداخل بين الميدان والسياسة تحوّلاً بنيوياً في طبيعة إدارة الصراع الإقليمي، حيث لم تعد الدبلوماسية تتحرك في فراغ، بل أصبحت امتداداً مباشراً لتوازنات القوة العسكرية، خصوصاً في الساحة اللبنانية التي تحولت خنادقها وأنفاقها الصخرية إلى مركز ضغط متقدم في مواجهة متعددة الأطراف تتداخل فيها الحسابات الاستراتيجية بشكل غير مسبوق.

هندسة الخنادق والأرقام التقديرية للشبكة

على عكس الأراضي الرملية المستوية في ساحات حروب أخرى كقطاع غزة، تفرض الطبيعة الجغرافية لجنوب لبنان، المكوّنة من مرتفعات صخرية صلبة وتضاريس جبلية قاسية، نمطاً فريداً من الهندسة العسكرية العميقة. لم تعد شبكة تحصينات تنظيم “حزب الله” مجرّد خنادق حفرية بسيطة، بل تحوّلت على مدى عقدين من الزمن، وبإشراف هندسي وتمويلي مباشر من الحرس الثوري الإيراني، إلى بنية محصنة تحت قشرة الأرض الصخرية.

وعلى الرغم من أن الأعداد الدقيقة لهذه الخنادق تظل ضمن أسرار عسكرية عالية التحصين، إلا أن التقارير الاستخباراتية الدولية وأبحاث المراكز الأمنية المتخصصة، مثل “مركز ألما” للدراسات، تشير إلى حجم هذه المنظومة العنكبوتية الممتدة على نطاق واسع، والمتفرعة عبر ثلاثة مستويات رئيسية:

الأنفاق الهجومية العابرة للحدود: رصد الجيش الإسرائيلي ستة أنفاق استراتيجية ضخمة جرى تفكيكها في عمليات سابقة، وكانت محفورة في عمق الصخر لتخترق الحدود نحو المستوطنات الشمالية.

الشبكات الدفاعية واللوجستية المحتجبة: تشير التقديرات إلى أنها تربط أكثر من 160 قرية وبلدة جنوبية بشبكات أنفاق محلية وإقليمية متصلة، بما يعني وجود آلاف الفتحات والممرات والخنادق التكتيكية المخصصة لحركة المشاة ونقل العتاد بعيداً عن الطيران المسيّر.

المدن الصاروخية الاستراتيجية: وتضم منشآت ضخمة محفورة في عمق الجبال، مثل منشأة “عماد 4” في مناطق إقليم التفاح والقطاعين الغربي والأوسط، القادرة على استيعاب شاحنات ثقيلة ومجهزة بفتحات إطلاق هيدروليكية، إضافة إلى مرافق إيواء ومضاجع للمقاتلين تتيح البقاء تحت الأرض لفترات طويلة.

استنزاف مفتوح وعقدة التفكيك الميداني

تشهد الجبهة الجنوبية في لبنان نمطاً متصاعداً من الاستنزاف المتبادل بين الجيش الإسرائيلي و”حزب الله”، حيث تتمحور المواجهة حول القدرة على الصمود داخل هذه الشبكات التحت أرضية أو تفكيكها. تواصل إسرائيل عملياتها البرية والجوية المركزة مستخدمة تقنيات الاستشعار الزلزالي والرادارات المخترقة للأرض والقنابل الارتجاجية الثقيلة، في محاولة لتفكيك البنية اللوجستية للحزب وتأمين عودة سكان مستوطنات الشمال.

في المقابل، يثبت “الدرع الصخري” فاعليته التكتيكية؛ إذ يعتمد الحزب على مرونة مقاتليه في التواري داخل هذه الأنفاق العميقة، بما يمنحهم حماية شبه كاملة من الغارات الجوية. هذا النمط يسمح بالحفاظ على وتيرة إطلاق الصواريخ والمشاغلة المستمرة حتى في مناطق يُعلن الجيش الإسرائيلي السيطرة على سطحها.

وبسبب هذه الطبيعة المعقدة، يبدو الأفق العسكري بعيداً عن أي حسم سريع أو انتصار مطلق، ما يعيد إنتاج حالة استنزاف مستمرة تتآكل فيها القدرات على خطوط التماس، وتتحول معها الخنادق من ملاجئ دفاعية إلى أداة ضغط سياسي مباشر على محاور التفاوض الدولية.

“بورغنشتوك” تحت وطأة الميدان

تجري محادثات “بورغنشتوك” في سويسرا داخل بيئة سياسية لا تقل اشتعالاً عن الجبهات العسكرية؛ فالولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق اختراق في الملف النووي الإيراني يضمن ضبط التخصيب وإعادة فرض رقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بينما تعمل طهران على انتزاع تخفيف ملموس للعقوبات الاقتصادية لتعزيز استقرارها الداخلي وتثبيت نفوذها الإقليمي.

لكن هذه الأهداف تصطدم مباشرة بحقيقة أن الميدان اللبناني أصبح ورقة الضغط الأساسية على الطاولة السويسرية. فكل تقدم عسكري لتفكيك بنية تحت الأرض ينعكس على الحسابات التفاوضية، وفي المقابل يمنح استمرار قدرة “حزب الله” على العمل من عمق الخنادق ورقة قوة للوفد الإيراني في رفض تقديم تنازلات جوهرية من دون ضمانات مكتوبة.

وتزداد تعقيدات المشهد بفعل أزمة الثقة العميقة بين واشنطن وطهران، حيث تبدو الدبلوماسية انعكاساً متأخراً لتوازنات القوى المتغيرة تحت صخور الجنوب اللبناني.

هشاشة التفاهمات الإقليمية

تحوّل جنوب لبنان بخنادقه المحفورة إلى ساحة اختبار مباشر للإرادات الإقليمية والدولية. ناهيك عن أن إسرائيل تتعامل مع هذه الجبهة بوصفها مساحة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك وفرض واقع أمني يمنع سيناريوهات الاختراق عبر الأنفاق العابرة للحدود.

لذا، فإن الترابط العضوي بين خنادق الجنوب وطاولات سويسرا يؤكد أن الاتفاقات الإقليمية لم تعد تُصاغ بالنوايا الدبلوماسية، بل بمدى القدرة على الصمود في عمق الميدان الصخري أو فرض التراجع على الطرف الآخر.

في المقابل، يعتبر “حزب الله” تماسك بنيته التحتية تحت الأرض جوهرَ منظومة الردع المرتبطة بـ”محور المقاومة”. ويكشف هذا الترابط أن مسار التهدئة الحالي يقوم على معادلة قوة غير مستقرة تفتقر إلى ضمانات حقيقية. فغياب آليات إلزام دولية واضحة يجعل أي تفاهم عرضة للاهتزاز والانفجار عند أول خرق ميداني جدي، ما يضع القرار السياسي في حالة تبعية مستمرة للواقع العسكري الممتد من خطوط التماس في لبنان إلى الخليج وصولاً إلى المنشآت النووية الإيرانية.

معادلة إقليمية مفتوحة على كافة الاحتمالات

لا يمكن فصل مسار محادثات “بورغنشتوك” عن التطورات العسكرية في خنادق جنوب لبنان، حيث يشكل الميدان الصخري عاملاً حاسماً في تحديد سقوف التفاوض ورسم حدوده. فكل تفجير لشبكة أنفاق يعيد ترتيب الأوراق، وكل صمود تحت الأرض يفتح نافذة دبلوماسية مؤقتة.

وتشير الوقائع إلى أن المنطقة تتجه نحو مرحلة طويلة من “إدارة الصراع” بدلاً من حله، حيث تتداخل أدوات القوة العسكرية المدفونة في عمق الجبال مع أدوات التفاوض السياسي. وبينما تحاول واشنطن وطهران منع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، تبقى خنادق الجنوب في قلب المشهد، باعتبارها الساحة التي تُختبر فيها جدية أي اتفاق وتُقاس قدرته على الصمود، مؤكدة أن النتائج النهائية لا تُكتب في غرف التفاوض وحدها، بل تُحسم أيضاً على خطوط التماس الأمامية في الشرق الأوسط.