لم يعد التنافس الدولي في إفريقيا إطاراً نظرياً أو توقعاً مستقبلياً، بل بات واقعاً ملموساً يُفرض بقوة الأمر الواقع على الأرض اليوم. ففي الوقت الذي تطوي فيه باريس وواشنطن آخر صفحات هيمنتهما التقليدية في مناطق واسعة من القارة، ترتسم خارطة جيوسياسية جديدة بالكامل؛ حيث تتقاسم الصين وروسيا وتركيا تركة النفوذ الغربي، مُشكّلة “مثلث نفوذ” جديد يعيد صياغة مستقبل القارة السمراء، كلٌّ بأدوات مختلفة.
هذا التحول لا يعني انتقالاً بسيطاً للنفوذ من طرف إلى آخر، بل إعادة توزيع معقّدة للأدوار، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية، وتجد الدول الإفريقية نفسها في موقع تفاوضي أكثر تنوعاً، وإن لم يكن بالضرورة أكثر استقراراً.
الصين: النفوذ عبر الاقتصاد وسلاسل المستقبل
تُكرّس الصين موقعها بوصفها الشريك الاقتصادي الأكبر لإفريقيا. وتشير بيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية إلى أن حجم التبادل التجاري بين الجانبين تجاوز 280 مليار دولار، ما يجعل بكين فاعلاً محورياً في عدد من القطاعات الحيوية. غير أن اللافت في المرحلة الأخيرة هو التحول في طبيعة الانخراط الصيني.
بحسب دراسات صادرة عن جامعة بوسطن، خفّضت بكين اعتمادها على القروض الضخمة لمشاريع البنية التحتية، واتجهت إلى تركيز أكثر دقة على المعادن الاستراتيجية، لا سيما الكوبالت والليثيوم في الكونغو الديمقراطية وزامبيا، إضافة إلى الاستثمار في البنية التحتية الرقمية. هذا التحول يمنح الصين موقعاً متقدماً في سلاسل التوريد المرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا، ويعزز نفوذها بعيداً عن الضغوط المرتبطة بديون الحكومات الإفريقية.
روسيا: الأمن كمدخل للنفوذ
في المقابل، استثمرت روسيا في البعد الأمني، مستفيدة من الفراغ الذي خلّفه انسحاب أو تقليص الوجود الغربي في عدد من دول الساحل. وتفيد بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بأن موسكو أصبحت من أكبر مُورّدي السلاح إلى إفريقيا جنوب الصحراء، بحصة سوقية تقارب الربع.
خلال السنوات الأخيرة، انتقل الحضور الروسي من صيغ غير رسمية إلى أُطر أكثر مؤسسية، عبر ما يُعرف بـ”الفيلق الإفريقي” المرتبط بوزارة الدفاع الروسية. وقد أسهم هذا التحول في تعزيز علاقات موسكو مع سلطات حاكمة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، إضافة إلى سعيها لترسيخ موطئ قدم استراتيجي في ليبيا والسودان. غير أن هذا النموذج، القائم على مقايضة الأمن بالدعم السياسي، يثير تساؤلات متزايدة حول استدامته وتأثيره على الاستقرار طويل الأمد.
تركيا: مقاربة مرنة بين الأمن والاقتصاد
بين القوتين الأكبر، نجحت تركيا في بناء موقع مختلف نسبياً، قائم على المرونة وتعدد الأدوات. فقد وسّعت أنقرة حضورها العسكري والتقني من خلال صادرات الصناعات الدفاعية، لا سيما الطائرات المسيّرة، بالتوازي مع استثمار في القوة الناعمة والتعاون التنموي والتبادل التجاري.
ويُعد الوجود التركي في الصومال، حيث تدير أنقرة أكبر قاعدة عسكرية لها خارج أراضيها، نموذجاً لهذا النهج المركّب، الذي يجمع بين التدريب الأمني، والمشاريع التنموية، والانخراط الاقتصادي. ومع اقتراب حجم التجارة التركية–الإفريقية من 40 مليار دولار، باتت تركيا شريكاً مفضلاً لبعض الدول التي تسعى إلى تنويع علاقاتها الخارجية دون الارتهان لمحور واحد.
الغرب: تراجع النفوذ ومحاولات إعادة التموضع
في الجهة المقابلة، يواجه الغرب مرحلة إعادة تقييم صعبة لدوره في إفريقيا. فقد شكّل الانسحاب الفرنسي من دول الساحل، وطرد القوات والسفراء، مؤشراً على نهاية نموذج “فرانس–أفريك” الذي ساد لعقود. كما مثّل إغلاق الولايات المتحدة لقاعدتها الجوية في النيجر عام 2024 تراجعاً ملموساً في قدرتها الاستخباراتية والإقليمية.
مع ذلك، لم يختفِ الحضور الغربي، بل يعاد تشكيله. إذ تتجه واشنطن وشركاؤها في مجموعة السبع نحو مقاربات اقتصادية، من بينها مشاريع الممرات اللوجستية، مثل “ممر لوبيتو” الهادف إلى ربط مناطق التعدين في وسط إفريقيا بالمحيط الأطلسي. وتُقدَّم هذه المبادرات بوصفها بديلاً عن النماذج الصينية، ومحاولة لاستعادة النفوذ عبر التنمية والبنية التحتية بدلاً من الانتشار العسكري.
إفريقيا بين تعدد الشركاء ومخاطر التنافس
تشير تحليلات صادرة عن مراكز بحثية، من بينها “كارنيغي” و”مجموعة الأزمات الدولية”، إلى أن القارة دخلت مرحلة يمكن وصفها بعدم الانحياز البراغماتي، حيث تسعى الحكومات الإفريقية إلى الاستفادة من تعدد الشركاء لتعظيم المكاسب وتقليص التبعية.
غير أن هذا التعدد لا يخلو من مخاطر، أبرزها تحوّل بعض الدول إلى ساحات تنافس غير منضبط، وظهور فجوات أمنية وتنموية، خصوصاً في المناطق الريفية والهامشية. وبينما أنهى هذا المشهد احتكار النفوذ الغربي، فإنه يضع الدول الإفريقية أمام اختبار معقّد، وهو كيفية تحويل التنافس الدولي إلى رافعة سيادية وتنموية، لا إلى مصدر جديد للهشاشة.















