بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

تطرف معلوماتي

بعد التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران.. حرب سرديات وموجة تضليل رقمي تجتاح المنصات

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

في فجر الثامن والعشرين من فبراير 2026 دخل التصعيد العسكري بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، مرحلة جديدة بعد تنفيذ ضربات مشتركة استهدفت مواقع داخل الأراضي الإيرانية. غير أن التطور الأكثر دلالة لم يكن عسكرياً بقدر ما كان معلوماتياً. خلال ساعات قليلة من بدء العمليات، امتلأت المنصات الرقمية بسيل من الصور ومقاطع الفيديو التي قُدِّمت بوصفها توثيقاً مباشراً للضربات والردود العسكرية.

لكن سرعان ما تبيّن أن قسماً كبيراً من هذا المحتوى يفتقر إلى المصداقية. فقد أعيد نشر مقاطع من ألعاب فيديو على أنها اشتباكات جوية حقيقية، وانتشرت صور مولّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر دماراً لم يقع، كما أعيد تداول مقاطع قديمة بوصفها أحداثاً جارية. ما حدث لم يكن مُجرد خلل في التحقق الصحفي أو ضعفاً في آليات التدقيق، بل مُؤشر على تحوّل أعمق في طبيعة البيئة المعلوماتية التي تُرافق النزاعات المسلحة.

موجة من التضليل

تكشف هذه الموجة من التضليل عن ظاهرة يمكن وصفها بـ “التطرف المعلوماتي”، وهي بيئة رقمية تتضخم فيها السرديات المتطرفة والاستقطابية بسرعة تفوق قدرة المؤسسات الإعلامية على التحقق والتصحيح. في هذا السياق، لم تعد الحرب ترتكز فقط على الصواريخ والطائرات، بل أيضاً على الصور الرقمية ومقاطع الفيديو والسرديات المتنافسة التي يسعى كل طرف عبرها إلى فرض تفسيره للواقع.

لم تعد المعركة تدور حول السيطرة على الأرض وحدها، بل حول السيطرة على تفسير ما يحدث. فإنتاج “الواقع الإعلامي” نفسه أصبح جزءاً من ساحة الصراع، حيث تتقاطع الدعاية السياسية مع تقنيات الذكاء الاصطناعي وخوارزميات المنصات الاجتماعية في تشكيل إدراك الجمهور للأحداث. وفي مثل هذه البيئة، تصبح الحقيقة هدفاً مباشراً للصراع، لا مجرد ضحية جانبية له.

من الشائعات إلى التضليل 

لم تكن الشائعات غريبة عن تاريخ الحروب. فمنذ النزاعات الكلاسيكية وحتى حروب القرن العشرين، استُخدم التضليل الإعلامي كأداة مرافقة للعمليات العسكرية، سواء عبر الدعاية الرسمية أو التسريبات المدروسة التي تهدف إلى إرباك الخصم ورفع المعنويات الداخلية. لكن ما ظهر عقب الضربات التي استهدفت مواقع داخل إيران يشير إلى تحول نوعي في طبيعة هذه الظاهرة.

في البيئة الإعلامية التقليدية كانت قنوات نشر الشائعات محدودة نسبياً: بيانات عسكرية، وسائل إعلام رسمية، أو شبكات دعائية مرتبطة بالدول. أما اليوم فقد خلقت المنصات الرقمية بيئة مختلفة جذرياً، حيث يمكن لأي مستخدم – فرداً كان أو شبكة منظمة – إنتاج محتوى يبدو مقنعاً بصرياً، ودفعه إلى التداول العالمي خلال دقائق.

النتيجة ليست “كذبة مركزية” واحدة، بل منظومة تضليل موزعة: عشرات أو مئات المقاطع والصور الصغيرة التي قد تبدو معقولة في حد ذاتها، لكنها مجتمعة تنتج حالة من الضجيج المعلوماتي تجعل التحقق عملية أبطأ بكثير من الانتشار.

أيران: ثلاثة أنماط رئيسية

  1. إعادة تدوير المشاهد الصادمة

تعتمد هذه الآلية على إعادة نشر مقاطع قديمة لانفجارات أو حرائق ضخمة – بعضها يعود إلى نزاعات أخرى أو إلى حوادث صناعية – مع عناوين جديدة تدّعي أنها توثق ضربات حديثة داخل إيران أو ردوداً عسكرية في إسرائيل. قوة هذه المواد لا تكمن في دقتها، بل في قدرتها على إثارة صدمة بصرية تدفع المستخدمين إلى إعادة النشر قبل التحقق.

  1. محاكاة الألعاب العسكرية

شهدت المنصات تداول مقاطع مأخوذة من ألعاب الطيران أو برامج المحاكاة العسكرية المتقدمة. وبسبب التطور الكبير في الرسوميات الرقمية يمكن لهذه المشاهد أن تبدو واقعية للمستخدم غير المتخصص، خصوصاً عندما تُنشر دون سياق واضح أو مع عناوين تشير إلى “اشتباكات جوية مباشرة”.

  1. الصور الاصطناعية

تشكل الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي إحدى أكثر أدوات التضليل فعالية في البيئة الرقمية الراهنة. إذ يمكن إنتاج صور تظهر دماراً واسعاً في مواقع عسكرية أو مدنية، أو تصور قادة سياسيين في مواقف درامية، بما يعزز سرديات سياسية معينة أو يضخم تصوراً محدداً لحجم الضربات وتأثيرها.

مُجتمعةً، تعكس هذه الأنماط انتقالاً من شائعات الحرب التقليدية إلى بنية تضليل صناعية تنتج باستمرار مواد بصرية جذابة وسريعة الانتشار، تغذيها خوارزميات المنصات الاجتماعية وميل الجمهور إلى مشاركة المحتوى الصادم قبل التحقق منه.

لماذا الآن؟

لفهم اتساع موجة التضليل التي رافقت التصعيد العسكري الأخير، لا يكفي التركيز على المحتوى المضلل ذاته. الأهم هو البيئة الرقمية التي تسمح لهذا المحتوى بالتكاثر والانتشار بسرعة غير مسبوقة.

يمكن تفسير اتساع موجة التضليل المرتبطة بالنزاعات الحديثة من خلال ثلاثة عوامل بنيوية رئيسية تحكم البيئة الإعلامية الرقمية المعاصرة.

أول هذه العوامل يتمثل في الطلب المتزايد على الأدلة البصرية. ففي عصر الهواتف الذكية والبث المباشر لم يعد الجمهور يكتفي بالتصريحات الرسمية أو التقارير الصحفية، بل أصبح يتوقع رؤية الأحداث في الزمن الحقيقي عبر الصور ومقاطع الفيديو. غير أن العمليات العسكرية تخضع عادةً لقيود أمنية صارمة تحدّ من نشر المواد الميدانية فوراً، وهو ما يؤدي إلى تأخر ظهور الأدلة البصرية الموثوقة. هذا الفاصل الزمني بين وقوع الحدث وتوفر التوثيق الحقيقي يخلق فراغاً معلوماتياً يسمح بانتشار مواد غير دقيقة أو مضللة تملأ هذا الفراغ بسرعة.

العامل الثاني يرتبط بما يمكن تسميته خوارزميات اقتصاد الانتباه. فالمنصات الرقمية تعمل ضمن نموذج اقتصادي يهدف أساساً إلى تعظيم التفاعل وجذب انتباه المستخدمين. في هذا السياق لا تُكافأ الدقة بالقدر نفسه الذي تُكافأ به الإثارة. فالمحتوى الذي يثير الصدمة أو الغضب أو القلق يميل إلى تحقيق مستويات أعلى من التفاعل، ما يدفع الخوارزميات إلى توسيع نطاق انتشاره. ونتيجة لذلك تتحول الصور الدرامية للانفجارات أو الدمار – سواء كانت حقيقية أو مفبركة – إلى مادة مثالية للتداول السريع عبر المنصات.

أما العامل الثالث فيرتبط بالتحول التقني الذي أحدثته أدوات الذكاء الاصطناعي. فحتى وقت قريب كان إنتاج فيديو مزيف يبدو مقنعاً يتطلب مهارات تقنية متقدمة وبرمجيات متخصصة. أما اليوم فقد خفّضت أدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة للجمهور هذه العتبة بشكل كبير، بحيث أصبح بإمكان مستخدمين عاديين إنتاج صور أو مقاطع تبدو واقعية خلال وقت قصير. هذا التطور التقني أسهم في توسيع نطاق إنتاج المحتوى المضلل، وجعل عملية التزييف الرقمي أكثر سهولة وانتشاراً من أي وقت مضى.

يمكن لأي مستخدم تقريباً توليد صور أو مقاطع تبدو واقعية خلال دقائق، وهو ما أدى إلى ما يمكن وصفه بـ “ديمقراطية التزييف الرقمي”: انخفاض تكلفة إنتاج التضليل مقابل ارتفاع حجم المحتوى المضلل المتداول.

اقتصاد التضليل في زمن الحرب

تتسارع هذه الديناميكيات أيضاً بفعل البنية الاقتصادية للمنصات الرقمية. فبعض المنصات يتيح برامج لمشاركة الأرباح مع المستخدمين الذين يحقق محتواهم نسب مشاهدة مرتفعة.

وفي بيئة تتسم بالتوتر والصدمات البصرية تصبح صور الحرب وسيلة فعالة لجذب ملايين المشاهدات خلال وقت قصير. وهكذا لا ينتشر التضليل بدوافع سياسية أو أيديولوجية فقط، بل أيضاً بفعل حوافز اقتصادية تشجع إنتاج المحتوى الأكثر إثارة.

في الحروب الحديثة لا يقل صراع الرواية أهمية عن الصراع العسكري نفسه. إلى جانب العمليات الميدانية، تدور معركة موازية حول كيفية تفسير ما يحدث وتأطيره في الفضاء العام. وخلال الأيام الأولى من التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، برزت على المنصات الرقمية عدة سرديات متنافسة سعت كل منها إلى فرض قراءة مختلفة للأحداث.

إحدى هذه السرديات يمكن وصفها بسردية التفوق العسكري، حيث يركّز المحتوى المتداول على تصوير ضربات حاسمة أو دمار واسع بهدف إبراز قدرة طرف معين على فرض السيطرة الميدانية. في هذا الإطار تُستخدم الصور الدرامية ومقاطع الانفجارات لإيصال رسالة مفادها أن ميزان القوة يميل بوضوح لصالح جهة بعينها.

في المقابل تظهر سردية الضحية، التي تركز على صور الدمار أو الإصابات المدنية من أجل تأطير الصراع ضمن إطار أخلاقي وإنساني. في هذه الحالة تصبح الصورة أداة لإعادة تعريف الشرعية في النزاع، عبر إبراز معاناة المدنيين وتقديم طرف ما بوصفه الضحية الرئيسية للصراع.

أما سردية الردع فتركز على تضخيم القدرات العسكرية أو إبراز ردود انتقامية محتملة، في محاولة لرفع المعنويات الداخلية أو إرسال إشارات نفسية إلى الخصم حول كلفة التصعيد. وغالباً ما تعتمد هذه السردية على إبراز مشاهد القدرات العسكرية أو التهديد بردود قاسية.

هذه السرديات لا تُوجَّه إلى جمهور واحد. ففي كثير من الأحيان تُصاغ الرسائل الرقمية بطريقة تسمح بوصولها إلى جماهير مختلفة في مناطق جغرافية متعددة، ما يحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة مفتوحة لحرب الروايات العابرة للحدود.

استهداف الجمهور الإقليمي

من السمات اللافتة في موجة التضليل المرتبطة بالنزاعات الحديثة الطابع الجغرافي الموجَّه لبعض الرسائل. فهناك جزء من المحتوى المفبرك لا يستهدف الجمهور العالمي بشكل عام، بل يُصاغ خصيصاً للوصول إلى جمهور محدد في دول أو مدن بعينها، عبر الادعاء بوقوع ضربات أو حوادث عسكرية في مواقع جغرافية محددة.

تعتمد هذه الاستراتيجية على آلية نفسية واضحة: عندما يعتقد المتلقي أن الحدث وقع في مدينته أو في منطقة قريبة منه، ترتفع احتمالات تفاعله مع الرسالة ومشاركته لها بشكل كبير. فالقرب الجغرافي — حتى وإن كان مفترضاً — يمنح الخبر درجة أعلى من الإلحاح والصدقية في نظر الجمهور.

بهذا المعنى، لا يعمل التضليل فقط على تشويه فهم الأحداث، بل يمكن أن يتحول أيضاً إلى أداة للتأثير النفسي والسياسي، عبر إثارة القلق أو الذعر في مجتمعات بعيدة عن ساحة القتال الفعلية، أو عبر خلق ضغوط إعلامية وسياسية في بيئات إقليمية مختلفة.

المنصات الرقمية تحت الضغط

  • مع تصاعد موجة التضليل المرتبطة بالحرب بدأت بعض المنصات اتخاذ إجراءات للحد من انتشار المحتوى المزيف، مثل تعليق برامج تحقيق الأرباح للحسابات التي تنشر مواد مولدة بالذكاء الاصطناعي دون توضيح.

لكن فعالية هذه الإجراءات لا تزال موضع نقاش. فالكشف عن المحتوى الاصطناعي لا يزال تحدياً تقنياً، كما أن المواد المضللة تنتشر غالباً بسرعة تفوق سرعة التحقق منها. وهكذا تجد المنصات نفسها في موقع معقد: فهي تحاول الحد من التضليل، لكنها في الوقت نفسه توفر البنية التحتية التي تسمح بانتشاره.

تكشف موجة التضليل التي رافقت الضربات الأمريكية–الإسرائيلية على إيران عن تحول أعمق في طبيعة الصراعات المعاصرة. ففي عالم أصبحت فيه أدوات التزييف الرقمي متاحة على نطاق واسع، لم يعد الصراع يقتصر على السيطرة على الأرض أو المجال الجوي، بل امتد إلى السيطرة على الرواية التي يفهم بها العالم ما يحدث.

بينما ستظل الحروب تُحسم في نهاية المطاف بميزان القوة العسكرية والسياسية، فإن المعركة على الحقيقة ستظل عاملاً حاسماً في تشكيل الرأي العام العالمي. في هذا السياق، قد لا يكون السؤال الأهم في حروب المستقبل مرتبطاً فقط بمن أطلق الصاروخ الأول، بل أيضاً بمن نجح في إقناع العالم بالسردية التي رواها.