بعد أكثر من عامين من الجلسات والمرافعات، أسدل القضاء المغربي الستار على واحدة من أكثر قضايا الجريمة المنظمة إثارة في البلاد، بإصدار أحكام ثقيلة في ملف “إسكوبار الصحراء”، الذي جمع بين تهريب المخدرات وغسل الأموال والتزوير واستغلال النفوذ، وطال سياسيين ورجال أعمال ومسؤولين وأسماء لامعة في مجال الرياضة.
قضت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف في الدار البيضاء بسلسلة أحكام بلغ مجموعها أكثر من قرن ونصف القرن من السجن، في قضية شملت 25 متهماً، بينهم الرئيس السابق لجهة الشرق عبد النبي بعيوي، والرئيس السابق لنادي الوداد البيضاوي والبرلماني السابق سعيد الناصري.
وحكمت المحكمة على بعيوي بالسجن 12 عاماً نافذاً، وعلى الناصري بالسجن 10 أعوام، كما أصدرت أحكاماً متفاوتة بحق متهمين آخرين، بينهم رجال أعمال ومسؤولون أمنيون وإداريون، في ملف امتد على 81 جلسة، وتحول من قضية مخدرات إلى محاكمة واسعة لشبكة نفوذ يشتبه في أنها تغلغلت في المال والسياسة والعقار والرياضة.
من بارون مخدرات إلى ملف دولة
تدور القضية حول الحاج أحمد بن إبراهيم، المعروف إعلامياً باسم “إسكوبار الصحراء”، وهو مالي من أم مغربية، سبق أن أوقف في موريتانيا في العام 2015، قبل توقيفه لاحقاً في مطار محمد الخامس بالدار البيضاء في العام 2019، حيث يقضي عقوبة بالسجن في المغرب في ملف اتجار دولي بالمخدرات.
وبحسب معطيات التحقيقات، كان ابن إبراهيم نقطة الانطلاق في الملف الأوسع، بعدما تحدث عن علاقات وممتلكات وشراكات مع شخصيات نافذة داخل المغرب. ومن هنا خرجت القضية من إطار تهريب المخدرات التقليدي إلى ملف أكبر يشمل غسل الأموال، التزوير، استغلال النفوذ، إخفاء متحصلات الجريمة، تهريب العملات، والاشتباه في توظيف واجهات اقتصادية وعقارية لتبييض عائدات غير مشروعة.
وتشير المعطيات المنشورة في القضية إلى أن إحدى الوقائع المركزية تعود إلى ضبط نحو 40 طناً من راتنج القنب في العام 2015، في شاحنات منسوبة إلى ابن إبراهيم، وهي كمية ضخمة أسست لصورة الرجل بوصفه أحد أبرز مهربي المخدرات بين المغرب وغرب إفريقيا.
خريطة الشبكة.. مركز وحماية ولوجستيات
ترسم القضية خريطة شبكة بثلاث حلقات مترابطة:
في الحلقة الأولى يقف ابن إبراهيم، بوصفه المركز الميداني المرتبط بطرق التهريب الصحراوية والعابرة للحدود. هذه الحلقة تمثل الخبرة الميدانية في نقل الشحنات وإدارة المسارات بين المغرب وموريتانيا والساحل.
وفي الحلقة الثانية تظهر طبقة النفوذ والحماية، التي تضم، بحسب لائحة الاتهام، شخصيات سياسية ورياضية ورجال أعمال ومسؤولين سابقين. هنا تكشّف اسما سعيد الناصري وعبد النبي بعيوي، وهما من أبرز الوجوه التي هزت القضية صورتهما العامة، مع تأكيدهما خلال أطوار المحاكمة نفي الاتهامات الموجهة إليهما.
أما الحلقة الثالثة فهي طبقة التنفيذ واللوجستيات، وتشمل وسطاء وسائقين وأصحاب شاحنات وأشخاصاً مرتبطين بالنقل والحراسة والتخزين وتسهيل الحركة. وفيها، تتحول الشبكة من علاقات نفوذ إلى عملية تشغيل يومية: تحميل، نقل، تمويه، تزوير وثائق، واستعمال ممتلكات أو شركات لتغطية النشاط.
وتمتد الخريطة جغرافياً من مناطق إنتاج الحشيش في شمال المغرب، إلى شرق المملكة ومنطقة السعيدية، ثم إلى المسارات الصحراوية المتجهة نحو موريتانيا ومالي والنيجر، مع إشارات في التحقيقات إلى امتدادات محتملة في الجزائر وليبيا ومصر. بهذا المعنى، لا يتعلق الملف بشحنة واحدة أو مجموعة منعزلة، بل ببنية عبور تربط شمال إفريقيا بالساحل، وتجمع بين الحشيش والكوكايين المتدفق عبر غرب إفريقيا.
ما أهمية ذلك للساحل؟
تكتسب القضية أهميتها الإقليمية لأن الساحل الإفريقي لم يعد مجرد هامش جغرافي لطرق التهريب، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ممر رئيس للمخدرات العابرة للقارات. وتظهر بيانات دولية أن شحنات الكوكايين المضبوطة في مالي وتشاد وبوركينا فاسو والنيجر بلغت 1466 كيلوغراماً في العام 2022، مقارنة بمتوسط سنوي لا يتجاوز 13 كيلوغراماً بين العامين 2013 و2020.
كما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الاتجار بالمخدرات في الساحل يهدد الاستقرار والتنمية، ليس فقط عبر تمويل شبكات الجريمة، بل أيضاً عبر نشوء اقتصاد مواز يتغذى من هشاشة الحدود وضعف الرقابة وتداخل مناطق النزاع مع طرق التهريب.
من هنا، فإن القضاء على شبكة بحجم “إسكوبار الصحراء” لا يمثل فقط ضربة لقضية مغربية داخلية، بل استهدافاً لحلقة ضمن سلسلة اقتصاد إجرامي أوسع، تربط المنتجين والناقلين والممولين والمزورين وأصحاب الواجهات التجارية والعقارية.
فالخطر لا يكمن في البارون وحده، بل في المنظومة التي تسمح له بالتحرك. من شاحنات تعبر، ووثائق تزور، وأموال تغسل، إلى عقارات تُشترى، ونفوذ يوفر الحماية، وصولاً إلى الحدود المفتوحة بين الصحراء والساحل.
وبصدور الأحكام الثقيلة، يكون القضاء المغربي قد وجه رسالة تتجاوز أسماء المتهمين، مفادها أن شبكات المخدرات العابرة للحدود لم تعد ملفاً أمنياً فقط، بل تهديداً مركباً يطال السياسة والاقتصاد والأمن الإقليمي، في منطقة تمتد من الدار البيضاء إلى تمبكتو، ومن السعيدية إلى طرق الكوكايين في غرب إفريقيا.













