بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

تقرير سياسي

النازيون الجدد في أوروبا: الأفاعي تُغيّر جلدها وترتدي ثوب “الدفاع عن الهوية”

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

لم تعد النازية الجديدة مجرد حنين للرايخ الثالث، بل تحولت إلى أيديولوجيا متطورة تستبدل خطاب “العرق النقي” بمفاهيم “الهوية الحضارية” و”الاستبدال العظيم”. هذا التحليل يُفكك كيفية نجاح اليمين المُتطرف في إعادة تسويق عقيدته الإقصائية بلغة مقبولة ظاهرياً في الفضاء السياسي الأوروبي، مُتجاوزاً الإرث الدموي لماضيه.

لا يمكن اعتبار عودة ظهور الأيديولوجيات النازية المحدثة في أوروبا مجرد صدفة تاريخية أو ظاهرة معزولة، بل هي نتيجة منطقية لتضافر عوامل بُنيوية عميقة أدت إلى تآكل الإجماع السياسي والأخلاقي الذي تشكل بعد عام 1945. لعقود طويلة، عملت ذكرى الحرب العالمية الثانية والمحرقة كـ “تابوه” مُقدس يمنع أي تطبيع مع الفكر الفاشي. لكن هذا الحاجز النفسي بدأ يتآكل بفعل الزمن والأزمات المتعاقبة. 

الفراغ الذي سمح بعودة الوحش

إن الأزمة المالية العالمية في الأشهر الأخيرة من عام 2008 لم تُدمر اقتصادات فحسب، بل حطّمت ثقة جيل كامل في وعود الرأسمالية الديمقراطية. وجاءت أزمة اللاجئين في 2015 لتصب الزيت على نار القلق الهوياتي، حيث تم تصوير تدفق البشر كـ “غزو” يُهدد نسيج القارة الثقافي. 

وأخيراً، كشفت جائحة “كورونا” عن عجز الدولة القومية والأُطر فوق-القومية، مثل الاتحاد الأوروبي، عن توفير الشعور بالأمان، ما خلق فراغاً هائلاً سارعت لملئه السرديات المتطرفة التي تقدم إجابات بسيطة وحاسمة: هناك “نحن” (الشعب الأصيل) و”هم” (النخب العالمية والمهاجرون)، وهناك مؤامرة لتدميرنا. في هذا المناخ من انعدام اليقين، لم تعد النازية الجديدة تحتاج إلى الدبابات لاحتلال الشوارع، بل إلى الكلمات لاحتلال العقول.

من عنصرية الدم إلى قلق الهوية

يكمن نجاح النازية الجديدة في قُدرتها الفائقة على شن “حرب ميتابوليتيكية” (Metapolitics)، وهو مفهوم صاغه مفكرو “اليمين الجديد” الفرنسي (Nouvelle Droite) في السبعينيات، وعلى رأسهم الفيلسوف آلان دو بنوا (Alain de Benoist). جوهر الفكرة هو أن السيطرة على الثقافة والأفكار تسبق السيطرة على السلطة السياسية. أدرك هؤلاء أن العنصرية البيولوجية الفجّة أصبحت سامة ومرفوضة، فعملوا على استبدالها بمفهوم أكثر قبولاً، وهو “الإثنية التفاضلية” (Ethnopluralism).

هذا المفهوم لا يتحدث عن “تفوّق” عرق على آخر، بل عن “الحق في الاختلاف”. ويدّعي أن لكل مجموعة عرقية وثقافية الحق في الحفاظ على هويتها الخاصة في وطنها التاريخي، وأن الاختلاط قد يُؤدي إلى تدمير جميع الهويات. إنه خطاب ماكر يستعير لغة اليسار في الدفاع عن التنوع الثقافي ليُبرر الفصل العنصري. وهكذا، تحول القاموس:

  • “النقاء العرقي”، أصبح “أصالة الهوية”.
  • “طرد الأجانب”، تحول إلى ما بات يُعرف اليوم بـ”الهجرة العكسية” أو “العودة إلى الوطن”.
  • “المؤامرة اليهودية العالمية”، التي باتت “مؤامرة النُخب العالمية” (وهو مصطلح ملغوم يحمل نفس الدلالات).

لقد حوّلت هذه الهندسة اللغوية الكراهية الفجّة إلى “قلق مشروع”، ونقلت المعركة من الشارع إلى ساحة الأفكار.

“الاستبدال العظيم”

إذا كان “اليمين الجديد” قد وضع الأسس الفكرية، فإن الكاتب الفرنسي رينو كامو (Renaud Camus) هو من قدّم “السردية الكبرى” التي وحّدت اليمين المتطرف العالمي في القرن الحادي والعشرين. 

في كتابه “الاستبدال العظيم” (Le Grand Remplacement) الصادر عام 2011، لم يُقدم كامو تحليلاً سوسيولوجياً، بل نظرية مؤامرة شبه دينية. تقول النظرية، إن “نخبة مستبدلة (élites remplacistes) تتعاون بوعي لاستبدال سكان أوروبا البيض المسيحيين بسكان آخرين، أغلبهم من المسلمين، عبر الهجرة الجماعية”.

قوة هذه النظرية تكمن في بساطتها وقدرتها على تفسير كل شيء: البطالة، الجريمة، تآكل القيم، كلها أعراض لـ “الاستبدال”. لقد انتقلت الفكرة بسرعة مذهلة من مدونات فرنسية هامشية لتصبح صرخة المعركة في مسيرة شارلوتسفيل في أمريكا “لن تستبدلونا”، الفقرة الافتتاحية في بيان إرهابي “كرايستشيرش” في نيوزيلندا. وعلى المستوى السياسي، تسربت نُسخ مُخففة منها إلى خطابات سياسيين في المجر وإيطاليا وفرنسا، حيث يتم الحديث عن “شتاء ديموغرافي” أو ضرورة حماية “الحضارة المسيحية-اليهودية”، وهي أصداء مباشرة لنفس الفكرة.

ساحة المعركة الرقمية

ما كان ليستغرق عقوداً لينتشر عبر الكتب والورقيات، ينتشر اليوم في ثوانٍ بفضل الفضاء الرقمي. إذ وفّر الإنترنت للنازيين الجدد بنية تحتية مثالية، عبر منصات مشفرة مثل “تيليغرام”، أو غير خاضعة للرقابة مثل “غاب” و”فورتشان”، تعمل كغُرف صدى تُتداول فيها الأفكار الأكثر تطرفاً وتتحول إلى عقائد راسخة.

الأخطر من ذلك، هو استخدام “السخرية” كسلاح. وهنا يتم تغليف أكثر الأفكار عنصرية وعنفاً في صورة “ميمز” وفكاهة سوداء. ليُحقق هذا التكتيك هدفين، الأول يجعل الأفكار المتطرفة قابلة للتداول والانتشار تحت ستار “المزاح”، مما يخفض من حواجز الرفض لدى المتلقي العادي، خاصة الشباب. 

الهدف الثاني، يوفر للمروجين درعاً واقياً، فإذا تمت مواجهتهم، يكون الرد جاهزاً: “إنها مُزحة، لماذا لا تملكون روح الدعابة؟”. هذه العملية، التي يمكن تسميتها بـ “تلعيب التطرّف”، أو تحويل التطرف إلى لُعبة، تصوّر نشر الكراهية على أنه مجرد تسلية، مما يسرّع بشكل خطير عملية الانزلاق نحو التطرف العنيف.

ازدواجية الاستراتيجية

تعتمد النازية الجديدة المعاصرة على استراتيجية ذات وجهين مُتناقضين ظاهرياً لكنهما مُتكاملان. الوجه الأول يتمثل في الواجهة البرلمانية النظيفة. ويمثلها أحزاب مثل “التجمع الوطني” في فرنسا بقيادة مارين لوبان، التي أمضت سنوات في محاولة “نزع الشيطنة” عن نفسها، أو حزبها الذي يقدم نفسه كهيئة برجوازية محافظة تقف في صف دافعي الضرائب. هؤلاء يرتدون البدلات الرسمية، يتحدثون لغة الاقتصاد والقانون، ويتجنبون الخطاب العنصري الصريح.

يتمثل الوجه الثاني في الحركات الشعبية والخلايا العنيفة. وتعمل هذه المجموعات على الأرض وفي الفضاء الرقمي. فهناك حركات مثل “بيغيدا” (PEGIDA) في ألمانيا تنظم مسيرات ضد “أسلمة أوروبا”، بينما تقوم خلايا إرهابية أصغر بتنفيذ هجمات ضد المهاجرين والسياسيين.

هذه الازدواجية عبقرية من الناحية الاستراتيجية، حيث يستفيد الجناح السياسي من الغضب الذي يُولده الجناح الشعبي في الشارع، بينما يُنكر أي صلة به، مُدعياً أنه يُمثل “الصوت المعتدل” لذاك الغضب. وهكذا، يدفع كل طرف حدود المقبول سياسياً واجتماعياً إلى اليمين أكثر فأكثر.

المعركة ضد أيديولوجية متكيفة

إن فهم ظاهرة النازية الجديدة اليوم يتطلب تجاوز الصور النمطية لـ “حليقي الرؤوس”. نحن أمام عدو أيديولوجي مُتطور، يرتدي ألف قناع، يتحدث بلغات متعددة. لقد تعلم كيف يُوظف أدوات الديمقراطية (الانتخابات، حرية التعبير) لتدميرها من الداخل، وكيف يستغل قلق الناس المشروع من المستقبل ليقدم لهم كبش فداء.

لم يعد التحدي يقتصر على مواجهة عنف هذه الظاهرة المادي، بل يتطلب بالدرجة الأولى تفكيك خطابها المتطور الذي حوّل مفاهيم نبيلة مثل “الثقافة” و”الهوية” إلى أسلحة للإقصاء. إن المعركة الحقيقية اليوم ليست ضد أشباح الماضي فحسب، بل ضد أيديولوجيا مُتكيفة تعرف كيف تتحدث بلغة الحاضر لتمرير أجندة المستقبل المُظلم.