بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

روحانيات وصكوك

الإسلام السياسي بين الشعبوية الدينية والدولة المدنية الحديثة في المجتمعات العربية المعاصرة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تستلهمُ الشعوب الطامحة للتغيير من قيمها الروحية وقوداً للإصلاح، لكن الخطورة تكمن حين تتحول هذه الروحانيات إلى “صكوك سياسية” تُمنح لمن يملك القدرة على التعبئة الجماهيرية تحت شعارات دينية إقصائية. يضعنا المشهد الراهن في الشرق الأوسط أمام مأزق مزدوج؛ فمن جهة، هناك حركات الإسلام السياسي التي اختزلت ديناً سماوياً في “أجندة حزبية” ضيقة، ومن جهة أخرى، نجد قراءات غربية قاصرة تتراوح بين الرهاب غير المبرر (الإسلاموفوبيا) وبين الرومانسية الساذجة التي ترى في هذه الحركات “صوت المستضعفين”.

لم يُفرز هذا التجاذب سوى بيئة مشوهة، دفع ثمنها المواطن العربي الذي وجد نفسه مجبراً على الاختيار بين استبداد سياسي يدّعي الاستقرار، أو استبداد ديني يعد بالفردوس الأرضي عبر بوابة الإقصاء.

أزمة الهوية والاستقطاب الحاد

يُمثل الإسلام السياسي في جوهره المعاصر ظاهرة “شعبوية” بامتياز، حيث تعتمد هذه الحركات على استراتيجية تقسيم المجتمع إلى “نحن” (حماة العقيدة) و”هم” (أعداء المشروع أو المارقين عنه). هذا التقسيم الثنائي لا يكتفي بتهديد السِّلم الأهلي، بل يضرب في مقتل المبدأ الليبرالي الأسمى وهو “المواطنة المتساوية”. حين تصبح الهوية الدينية أو الانتماء الحزبي العقائدي هو المعيار الأساسي للولاء والاستحقاق، تسقط الدولة في فخ “الطائفية السياسية” المقنعة، حيث لا يُنظر للفرد كصاحب حق قانوني، بل كعنصر في جماعة يجب أن تمتثل لرؤية “المرشد” أو “القائد المُلهم” الذي يحتكر التحدث باسم السماء.

هذا التوظيف السياسي للدين ليس انحرافاً تنظيمياً فحسب، بل استغلال لحاجة الجماهير الماسة للعدالة الاجتماعية، وتحويل مطالبهم المشروعة بإنهاء الفساد إلى وعود ميتافيزيقية بالحكم الإلهي. التاريخ القريب في المنطقة، من تجارب دول الجوار وصولاً إلى تحولات ما بعد “الربيع العربي”، أثبت أن هذه الحركات حين تصل إلى السلطة، تفتقر إلى البرامج الاقتصادية والسياسية الواقعية، وتستبدل الكفاءة بالولاء العقائدي، ما يؤدي في النهاية إلى تعميق الأزمات المعيشية وتآكل مؤسسات الدولة الوطنية.

فخ القراءات الغربية المتناقضة

في المقابل، يُسهم الخطاب الغربي في تعقيد المشهد بدلاً من فهمه. فتيارات اليمين المتطرف في الغرب تتبنّى رؤية جوهرية ترى في العنف قدراً محتوماً للإسلام، متجاهلةً التعددية الهائلة داخل المجتمعات المسلمة وتاريخ الإصلاح الفكري الطويل. هذا الخطاب لا يخدم سوى المتطرفين، إذ يمنحهم الحجة والبرهان على أن “الغرب يحارب الإسلام كدين”، ما يسهل عمليات التجنيد والتحريض.

أما اليسار الغربي، في محاولته للتكفير عن إرث الاستعمار، يسقط أحياناً في فخ “الرومانسية الثورية”، حيث ينظر للإسلام السياسي كحركة تحرر وطني أصيلة تقاوم الإمبريالية. هذه القراءة تتجاهل تماماً الطبيعة القمعية لهذه الحركات تجاه الأقليات، والنساء، والمثقفين الأحرار داخل مجتمعاتهم. إن تجاهل الانتهاكات الحقوقية تحت ذريعة “الخصوصية الثقافية” هو خيانة للقيم الكونية التي يدعي اليسار الدفاع عنها، وهو ما يجعل الليبراليين العرب يشعرون بالعزلة بين مطرقة الاستبداد المحلي وسندان التجاهل الدولي.

الدائرة الخبيثة للاستبداد المتبادل

لا يمكن فهم استمرار ظاهرة الإسلام السياسي من دون النظر إلى علاقتها “الطفيلية” بالأنظمة الاستبدادية. هناك “تحالف غير مكتوب” يجمع بين الطرفين في أحيان كثيرة؛ فالأنظمة السلطوية تحتاج دائماً إلى بعبع تخيف به الغرب والمجتمعات المحلية لتبرير استمرار القمع وتعليق الحريات تحت شعار “الأمن أولاً”. وفي المقابل، يتغذى الإسلاميون على غياب الفضاء العام الحر؛ فكلما أغلقت السلطة نوافذ التعبير السياسي المدني، زاد اللجوء إلى المساجد والمنابر الدينية كبديل وحيد متاح للتعبئة.

هذا التناوب على قمع المجتمع المدني يخلق “تصحراً سياسياً” يمنع ظهور بدائل ديمقراطية حقيقية. يتطلب كسر هذه الدائرة شجاعة فكرية في مواجهة الطرفين؛ فالإصلاح الحقيقي يبدأ بانتزاع القداسة عن العمل السياسي، وبناء مؤسسات دولة تقف على مسافة واحدة من جميع المعتقدات. إن الدولة المحايدة دينياً ليست عدوة للإيمان، بل هي الضمانة الوحيدة لكي يُمارس الفرد إيمانه بحرية ومن دون خوف من أن يتحول هذا الإيمان إلى أداة للقهر السياسي.

نحو أفق ليبرالي أصيل

الحل لا يكمن في استيراد قوالب جاهزة، بل في استعادة التراث الإصلاحي من داخل الثقافة العربية والإسلامية، وهو التراث الذي يقدّر “الشورى” و”العقل” و”المصلحة العامة”. يجب أن ندرك أن فصل الدين عن السلطة السياسية هو في جوهره “فعل إنقاذي” للدين نفسه؛ فالدين أسمى من أن يُقيد في مناورات انتخابية أو صراعات حزبية زائلة. إن تحرير الإسلام من “الإسلاموية” يعني إعادة الاعتبار للقيم الروحية والأخلاقية الكبرى، وترك تدبير الشأن العام لعقول البشر وقوانين المواطنة.

يتطلب المستقبل استثماراً حقيقياً في التعليم الذي يُنمي التفكير النقدي، وفي بناء اقتصاد منتج يُخرج الجماهير من دائرة العوز التي يستغلها الشعبويون. إن الطريق نحو “الدولة المدنية” ليس ممهداً، لكنه المسار الوحيد الذي يضمن الكرامة للإنسان والقداسة للإيمان، بعيداً عن صراعات السلطة وأوهام الهيمنة الأيديولوجية. معركتنا اليوم ليست ضد الدين، بل ضد تحويله إلى سلاح في يد من لا يملك مشروعاً سوى الإقصاء.