بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير سياسي

أنطون صحناوي واختبار النفوذ المالي في لبنان: من أزمة المصارف إلى عشاء نتنياهو الأخير

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تتجاوز الأزمة اللبنانية الراهنة حدود الانهيار المالي والانقسام السياسي التقليدي، لتكشف عن إشكالية أكثر عمقاً تتمثل في الدور الذي تؤديه بعض النخب المالية في إعادة تشكيل موازين النفوذ داخل الدولة، بما يفاقم هشاشتها ويقوض فرص استعادتها. فخلال السنوات الماضية، لم يعد تأثير هذه النخب مقتصراً على إدارة المؤسسات الاقتصادية أو المصرفية، بل امتد إلى المجالين السياسي والإعلامي، ليصبح جزءاً من منظومة نفوذ أسهمت في إضعاف مؤسسات الدولة وتعميق فجوة الثقة بينها وبين المجتمع.

في هذا السياق، يبرز اسم أنطون صحناوي بوصفه إحدى الشخصيات الأكثر إثارة للجدل، ليس باعتباره رئيس مجلس إدارة مصرف أو رجل أعمال فحسب، وإنما كنموذج لتداخل رأس المال مع النفوذ السياسي والإعلامي في مرحلة تعد من أخطر المراحل التي يمر بها لبنان.

تجاوز الاقتصاد إلى صناعة النفوذ

على مدى عقود، تشابكت مصالح القطاع المصرفي مع الطبقة السياسية عبر منظومة من المصالح المتبادلة التي استفادت من المال العام ومن غياب المساءلة. وفي قلب هذا المشهد، لم يقتصر دور أنطون صحناوي على إدارة مصرف سوسيته جنرال في لبنان (SGBL)، بل امتد إلى الاستثمار في الإعلام والعلاقات العامة وبناء شبكات نفوذ سياسية واجتماعية، بما جعل رأس المال يتحول من أداة لدعم الاقتصاد إلى وسيلة للتأثير في الرأي العام وإعادة صياغة المشهد السياسي بما يخدم مصالح ضيقة.

وتكمن خطورة هذا المسار في أن توظيف المؤسسات المالية والنفوذ الاقتصادي للتأثير في الحياة السياسية، في ظل انهيار غير مسبوق، لا يمثل مجرد سوء تقدير إداري، بل يعكس خللاً في مفهوم المسؤولية الوطنية، حيث يصبح النفوذ المالي وسيلة لحماية المصالح الخاصة بدلاً من المساهمة في إنقاذ الاقتصاد واستعادة ثقة اللبنانيين بالدولة.

جدل العلاقات الداخلية والخارجية

لم يقتصر الجدل المحيط بصحناوي على نشاطه الاقتصادي، بل امتد إلى ملفات سياسية وأمنية أثارت نقاشاً واسعاً داخل لبنان. فمن أكثر القضايا تداولاً: الاتهامات التي ربطته بمجموعة “جنود الرب”، وهي جماعة مسيحية متشددة تنشط في بعض مناطق بيروت. فقد نسب تقرير نشره المركز الدولي لدراسة التطرف عام 2024 إليه الجزء الأكبر من تمويل الجماعة، في حين نفى صحناوي وجود أي علاقة تنظيمية أو تمويلية بها، ووصف الاتهامات بأنها مفبركة. وحتى الآن، لا يوجد حكم قضائي يثبت تلك المزاعم، ما يجعلها في إطار الاتهامات المتداولة لا الحقائق القضائية المثبتة.

وازداد الجدل بعد ظهور صحناوي في عشاء أُقيم في واشنطن في 27 يوليو 2026، وحضره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. إذ قال مسؤول إسرائيلي ومصدر مطلع لـ “رويترز” إن صحناوي ومورغان أورتاغوس نظما العشاء، فيما أكد مكتب نتنياهو حضور رئيس الوزراء من دون تحديد الجهة المنظمة. وهو ما دفع 20 محامياً لبنانياً إلى التقدم بشكوى تتهم صحناوي بمخالفة القوانين التي تحظر التعامل مع إسرائيليين. وبغض النظر عن المسار القضائي، فإن الحدث شكّل محطة سياسية شديدة الحساسية في توقيت بالغ التعقيد بالنسبة للبنان. 

كما أثيرت تساؤلات حول علاقاته بدوائر سياسية أمريكية معنية بالملف اللبناني، من بينها مورغان أورتاغوس، وهي المبعوثة الأميركية السابقة (يهودية الديانة) التي تولت دوراً مباشراً في الملف اللبناني خلال عام 2025. وسواء أكانت هذه العلاقات تدخل في إطار التواصل السياسي أو الاقتصادي، فإن انعكاساتها داخل الساحة اللبنانية كانت كبيرة، إذ عززت الانطباع بوجود تداخل بين النفوذ المالي المحلي وشبكات التأثير الخارجية، وهو ما أضفى أبعاداً إضافية على الجدل الدائر حول دور بعض رجال الأعمال في الحياة السياسية اللبنانية.

إرباك البيئة السياسية المسيحية وتشتيت المعارضة

لم تقتصر تداعيات هذه التطورات على الجدل الإعلامي، بل امتدت إلى المشهد السياسي الداخلي، ولا سيما داخل البيئة المسيحية وقوى المعارضة التي ترفع شعار استعادة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. فقد وجدت هذه القوى نفسها أمام أزمة إضافية فرضتها تصرفات لا ترتبط بأي مشروع إصلاحي جامع، لكنها انعكست سلباً على صورتها أمام الرأي العام.

ومن منظور سياسي، وفرت هذه التحركات مادة إعلامية وسياسية للقوى المنضوية ضمن محور المقاومة، وفي مقدمتها “حزب الله”، لإعادة توجيه النقاش العام بعيداً عن ملفات الإصلاح المالي واسترداد أموال المودعين ومحاسبة المسؤولين عن الانهيار المصرفي. وانتقل جزء كبير من الجدل إلى قضايا التطبيع والارتباطات الخارجية، بما سمح لخصوم المعارضة بإعادة إنتاج خطابهم السياسي وتعزيز حضورهم، في وقت كانت فيه الأولوية الوطنية تقتضي إبقاء التركيز على الإصلاح المؤسسي والمحاسبة.

كما أضعف هذا الواقع قدرة قوى المعارضة على تقديم نفسها كبديل سياسي متماسك، وأسهم في تعميق الانقسامات الداخلية وتشتيت جهودها، الأمر الذي انعكس على قدرتها على مواجهة التحديات الوطنية وإقناع الرأي العام ببرنامجها الإصلاحي.

مسؤولية الانهيار المالي

لا يمكن فصل الجدل السياسي عن الأزمة المالية التي يعيشها اللبنانيون منذ سنوات. فقد كان مصرف سوسيته جنرال في لبنان، كغيره من المصارف اللبنانية، جزءاً من المنظومة المصرفية التي شاركت في الهندسات المالية والسياسات التي انتهت إلى انهيار غير مسبوق، وما تبعه من تقييد وصول المودعين إلى أموالهم وفرض قيود قاسية على السحوبات والتحويلات.

وعلى الرغم من تفاوت المسؤوليات بين المؤسسات، فإن استمرار النخب المالية في الاحتفاظ بنفوذها السياسي والإعلامي، بالتوازي مع معاناة ملايين اللبنانيين من فقدان مدخراتهم وتراجع مستويات المعيشة، عزز الشعور العام بانعدام العدالة والمساءلة. كما أن استمرار الإنفاق على حملات العلاقات العامة وتوسيع شبكات النفوذ في ظل الأزمة عمّق الفجوة بين الطبقة المالية والمجتمع الذي تحمل الكلفة الأكبر للانهيار.

ضرورة إعادة المساءلة

تتجاوز قضية أنطون صحناوي حدود شخصه لتطرح سؤالاً أوسع يتعلق بطبيعة العلاقة بين رأس المال والسلطة في لبنان، وحدود النفوذ الذي يمكن أن تؤديه النخب الاقتصادية في ظل غياب آليات فعالة للمحاسبة والرقابة.

إن استعادة الدولة لا تقتصر على إعادة هيكلة القطاع المصرفي أو تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، بل تستدعي أيضاً إعادة رسم العلاقة بين المال والسياسة والإعلام، ومنع تحول النفوذ الاقتصادي إلى أداة للتأثير في القرار الوطني أو إلى وسيلة للإفلات من المساءلة.

وفي ظل التحديات الوجودية التي يواجهها لبنان، تبدو الحاجة ملحة إلى إخضاع جميع مراكز القوة، السياسية والمالية على حد سواء لمعايير الشفافية وسيادة القانون. فالدولة التي تسعى إلى استعادة ثقة مواطنيها لا تستطيع التغاضي عن أي ممارسات من شأنها تعميق الانقسام الداخلي أو إضعاف مؤسساتها أو منح خصومها فرصاً إضافية لاستثمار أخطاء النخب في تكريس واقع الانهيار وإطالة أمد الأزمة.