الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

سينما

“المواطن بيار شولي”.. وثائقي يستعيد سيرة رجل رفض أن يُنعت بـ”صديق الجزائر” وقال: “أنا مواطن”

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

في لقطة أرشيفية تستعيدها كاميرا سعيد مهداوي، يبدو بيار شولي وهو يشرح، بكلمات تختصر كثيراً من سيرته، لماذا لم يكن يرى نفسه من “أصدقاء الثورة الجزائرية”، لأنه ببساطة يعتبر نفسه مواطناً جزائرياً. عبارة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تفتح الباب لفهم عنوان الوثائقي “المواطن بيار شولي”، الذي عُرض ضمن الطبعة الخامسة للأيام الوطنية للسينما والفيديو للهواة بالعاصمة الجزائر.

من اختيار الجزائر إلى الثورة

يتوقف الفيلم عند شبكة العلاقات التي نسجها بيار شولي مع عدد من أبرز رموز الثورة الجزائرية، من العربي بن مهيدي وعبان رمضان وكريم بلقاسم وعمار أوعمران ومحمد بوضياف وسعد دحلب وبن يوسف بن خدة،  وصولاً إلى المناضل والمفكر فرانتز فانون. وتعكس هذه العلاقات موقع شولي داخل دوائر الثورة ومشاركته في مساراتها المختلفة، قبل أن يُعتقل ويُبعد إلى فرنسا، حيث واصل دراسة الطب، ثم توجه إلى تونس والتحق بجبهة التحرير الوطني. وهناك، إلى جانب المهام الطبية التي أُسندت إليه، انضم إلى هيئة تحرير يومية “المجاهد”، لسان حال الثورة الجزائرية آنذاك.

كلودين، زوجة شولي، ترافقه مثل ظله في الفيلم. بينما كان منخرطًا في نشاطه المرتبط بالثورة، كانت زوجته تشارك في العمل السري وتتولى بعض المهام، مثل نقل المنشورات وإيواء المناضلين والمساعدة في إجلاء بعض المطلوبين. ومن بين ما يستعيده الوثائقي في مشهد تمثيلي بالأبيض والأسود، واقعة نقل كلودين وثائق “مؤتمر الصومام” مخبأة في حفَّاظة طفلهما، وهي واقعة روتها كلودين في كتابها المشترك مع بيار ” اخيار الجزائر.. صوتان وذاكرة”، الذي يستحضره الفيلم باعتباره ذاكرة مشتركة لمسارهما. 

من التحرير إلى الصحة

على مدى ثلاث وستين دقيقة، يحاول مخرج الفيلم، سعيد مهداوي أن يثبت أن مسألة التضامن مع الجزائر بالنسبة لشولي، لم تكن موقفًا عابرًا من قضية عادلة، ولا موقفًا سياسيًا ينتهي بانتهاء حرب التحرير، بل كانت مسارًا امتد من سنوات الثورة إلى زمن الاستقلال، وانتقل فيه النضال من مواجهة الاستعمار إلى المساهمة في بناء بلد خرج منهكا من الحرب، بما في ذلك قطاع الصحة الذي كان في حاجة إلى إعادة البناء. 

وبعيدًا عن صورة الفرنسي الذي ساند الثورة الجزائرية، يجتهد الوثائقي في رسم الصورة الحقيقية لبيار شولي، من خلال شهادات أطباء عرفوه وعملوا معه، خصوصًا في مجال مكافحة مرض السل. فقد انخرط شولي في تطوير منظومة مكافحة السل، وفي تدريب الأطباء والطلبة، ودافع عن مبدأ مجانية العلاج، وهنا تتضح أكثر فكرة “النضال الثاني” في مسيرة شولي. فالمعركة لم تعد ضد الاستعمار، وإنما أصبحت معركة من أجل الإنسان الذي خرج من الاستعمار، وكأن السلاح تغيّر، لكن معنى الالتزام بقي حاضرًا.

يحتل الكتاب الذي ألّفه بيار وكلودين شولي معًا موقعًا خاصًا في الفيلم، فـ “اختيار الجزائر.. صوتان وذاكرة” ليس مجرد مرجع استند إليه مهداوي في إعادة بناء بعض محطات السيرة، بل هو في حد ذاته شهادة مزدوجة على تجربة عاشها الزوجان من موقعين متكاملين. بيار واصل طريقه في الطب، فيما واصلت كلودين مسارها في التعليم والبحث. فبعد الاستقلال، التحقت بالمعهد الوطني للأبحاث الزراعية، ثم أصبحت أستاذة في معهد علم الاجتماع وباحثة في مركز البحث في الاقتصاد التطبيقي. وهكذا فإن “اختيار الجزائر” عندهما لم يكن لحظة مرتبطة بالحرب فقط. لقد اتخذ بعد الاستقلال أشكالًا جديدة، بيار في الطب والصحة، وكلودين في الجامعة والبحث الاجتماعي. 

واجب الذاكرة

في الحوار القصير، الذي أجرته “غلوبال ووتش عربية”، مع المخرج سعيد مهداوي بعد عرض الفيلم، أوضح أن ما دفعه إلى إنجاز العمل هو شعوره بأن شخصيات من هذا النوع لم تنل ما يكفي من الاهتمام قياسًا بما قدمته في مجالات مختلفة،. وأضاف أن من حق الجزائريين أن يعرفوا من وقف إلى جانب قضيتهم، ومن بينهم “مواطنهم بيار شولي” الذي كان يرى نفسه جزائريًا، لا مجرد صديق للجزائر أو للثورة.

ولا يخفي مهداوي أن علاقته بشولي سبقت هذا الفيلم، فقد التقى به سنة 2009 أثناء إنجاز فيلمه “توقيعات من أجل الحرية”، وعندما اقترح عليه إنجاز عمل خاص عن مسيرته، رفض شولي في البداية، قبل أن يوافق بعد نحو عامين. وانطلاقًا من هذه المعرفة، لم يبحث المخرج، كما يقول، عن محطة واحدة من حياة شولي، وإنما أراد أن يروي حياته واختياراته ونضالاته قبل الاستقلال وبعده. وهو ما يفسر اتساع مساحة الفيلم من الثورة إلى الطب، ومن الأرشيف إلى شهادات الأطباء والأشخاص الذين عرفوه عن قرب. 

يستند الفيلم إلى شهادات مجاهدين وأطباء وأشخاص عرفوا بيار شولي، وإلى مواد أرشيفية. وتمنح المشاهد التمثيلية بالأبيض والأسود تمنح بعض الوقائع التي بقيت في الذاكرة شكلًا بصريًا، بينما يشكل كتاب بيار وكلودين شولي أرضية مهمة لاستعادة تفاصيل من حياتهما، وبذلك يتحرك الفيلم بين الوثيقة والشهادة وإعادة البناء، من دون أن يفصل بين حياة الرجل الخاصة وخياراته السياسية والمهنية. ومن أكثر ما يمنح هذه الذاكرة بعدها الإنساني حضور صوت شولي نفسه في الأرشيف، ومن ذلك شهادته التي عبّر فيها عن اعتزازه بكونه “جزائريًا حتى النخاع”.

نضالات تستحق أن تُروَى

إذا كان سعيد مهداوي قد أعاد في هذا الفيلم فتح صفحة بيار شولي، فإنه لا يستبعد العودة إلى الزوجين في عمل آخر، إذ أبدى رغبته في إنجاز فيلم روائي قصير عن بيار وكلودين، مستفيدًا من المادة التي يقول إنه يحتفظ بها عن حياتهما الخاصة والنضالية، ومن معرفته الشخصية بهما. 

لكن ربما يكون أهم ما يقوله الفيلم الحالي هو أن بعض النضالات لا تنتهي عندما تنتهي الحرب. إنها فقط تغيّر ساحتها. وفي حالة بيار شولي، انتقلت المعركة من أجل الجزائر من زمن التحرير إلى زمن البناء، ومن مواجهة الاستعمار إلى الدفاع عن الإنسان الذي أصبحت الجزائر المستقلة مسؤولة عن مستقبله.