تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

مقالات مشابهة

تونس

أبو القاسم الشابي: أسرار خلود “النبي المجهول”!

تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

تحيي تونس في جهات مختلفة من البلاد الذكرى الثانية والتسعين لرحيل الشاعر أبي القاسم الشابي، الذي توفي في 10 أكتوبر/تشرين الأول سنة 1934، ولم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره.

ككلّ عام، في مثل هذا الوقت، تحتفل الأوساط الثقافية في مسقط رأسه توزر، وفي العاصمة خاصة، وبعض المدن الأخرى، بذكرى رحيل الشاعر الذي ارتبط اسمه بالنشيد الرسمي للبلاد، ويستحضر الشعراء والفنانون والجامعيون شعره الذي خلّده وجعله يبقى حيًّا لما تضمّنه من أبعاد كونية وقيم إنسانية جعلته في مصاف الشعراء الكبار في العالم.

الشاعر الذي مات صغيرًا ما زال حيًّا نابضًا بالحياة بعد حوالي قرن، ففي معظم المدن والقرى التونسية تحمل مؤسسات ثقافية وتربوية اسمه، كما تحمل بعض الأوراق النقدية صورته. لكن الشابي ليس حيًّا في الصور والأسماء وفي مطلع النشيد الرسمي للبلاد:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة..
فلا بد أن يستجيب القدر..

فقط، بل ما زال شعره مثيرًا للسؤال النقدي في الوسط الأدبي والأكاديمي، وموضوعًا لدراسات نقدية وأطروحات جامعية وجوائز.

نبوغ مبكّر

ولد أبو القاسم الشابي في قرية الشابية في ضواحي مدينة توزر، عاصمة بلاد الجريد جنوب تونس، لأسرة أرستقراطية؛ إذ كان والده قاضيًا من خريجي جامع الزيتونة، وعنه ورث مهنة القضاء بعد أن تخرّج من الجامع نفسه الذي يُلقّب بـ«الأعظم».

ظهرت عبقرية الشابي مبكّرًا، فأوّل ظهور شعري له كان في سن الثامنة عشرة في كتاب “الأدب التونسي في القرن الرابع عشر” سنة 1927، الذي أعدّه زين العابدين السنوسي، ونشر فيه سبعًا وعشرين قصيدة، قبل أن تنشر له مجلة “أبولو” في القاهرة قصيدة “صلوات في هيكل الحب” سنة 1932.

كما كان ينوي نشر ديوانه الأول في القاهرة، وبعد أن أعدّه للطبع – كما تؤكّد ذلك رسائله إلى صديقه محمد الحليوي – توفي الشابي بمرض القلب الذي عاناه طويلًا، ودُفن في مدينته توزر، ولم يُنشر ديوانه الوحيد “أغاني الحياة” إلا سنة 1955 بتونس. أمّا بقيّة أعماله، مثل رسائله ومذكراته ومحاضراته و”الخيال الشعري عند العرب”، فقد نُشرت بعد ذلك بسنوات؛ فنشر صديقه الحليوي جزءًا منها، وهو رسائل متبادلة بينهما، فيما جمع أبو القاسم محمد كرّو الجزء الآخر ونشره.

السمة الغالبة في شعر الشابي، كما في نثره، هي انتصاره للفكر الإصلاحي ومساندته للأفكار التي تنتصر للمستقبل، وكان من أكثر المنتصرين للطاهر الحدّاد في محنة تكفيره بعد صدور كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”، كما كان صوتًا ضدّ الاستعمار الفرنسي، مطالبًا الشعب بالثورة على الاستعمار والتخلّف والانتصار للتجديد الفكري والثقافي.

ولعلّ التقديم الذي استهلّ به كتابه – وهو في الأصل محاضرة بعنوان – “الخيال الشعري عند العرب” يلخّص فلسفته في الحياة عندما يكتب: «لقد أصبحنا نطلب حياة قوية مشرقة ملؤها العزم والشباب، ومن يتطلب الحياة فليعبد غده الذي في قلب الحياة… أما من يعبد أمسه وينسى غده فهو من أبناء الموت والقبور الساخرة».

الانحياز إلى الحرية

مضى نحو قرن على رحيله، لكنّه ما زال حيًّا و”لا يصلح للنسيان”، كما قال عنه الشاعر منصف المزغني في تصريح لـ«غلوبال واتش عربية». ويضيف: “لم يكن مضمار الشعر لدى شاعر في حجم موهبة ملتهبة مثل الشابي غير ذلك الوجود الحي في مواجهة الموت بالعزم على انتصار روح الحرية في شعب تونس الواقع سياسيًا تحت الاحتلال الفرنسي الغاصب الناهب الظالم المُستبدّ”.

كان أبو القاسم الشابي روحًا مُلتهبة بثقافة متطلعة إلى الجديد، وبعبارة خضراء كالحياة، واستطاع أن يكون عبدًا للحرية وسيّدًا في حياته الشاعرة، وصوتًا جديرًا بالتجدد والاستمرار والتذكّر. “لم تقتصر عبقرية الشابي على القصيدة، بل تجلّت في نثره أيضًا”، يضيف المزغني.

وفي جانب النثر والنقد، كان الشابي منتبهًا لما يعتري الخيال الشعري العربي من تكرار وهيمنة الحس الرتيب، وهو ما أثار القلق في تجربته المتفوّقة بالجِدّة والخُضرة، وقد عبّر عنه في محاضرته “الخيال الشعري عند العرب”، وتواصلت ظلال هذا القلق الفكري والشعري حتى في كتابه “مذكرات” وفي “مراسلاته” مع مجايليه مثل محمد الحليوي ومحمد البشروش. “وهذا سر خلوده”، كما يؤكد منصف المزغني.

كل هذا هو ما جعل أبا القاسم الشابي يعيش في تونس وينتشر في باقي بلاد العرب، ويغدو شاعرًا عصيًّا على النسيان، ويتكرر الاحتفال به في تونس، فهو روح جديدة للحياة، وتراث أدبي يشبه نهرًا لا ينسى الجريان، وشاعر لا صالح للنسيان.

التمرد على البلاغة القديمة

ورغم الحظوة النقدية الكبيرة، يرى الشاعر يوسف عبيد أن الشابي ما زال مجهولًا. ويقول لـ”غلوبال واتش عربية”: “أبو القاسم الشابي، رغم شهرته في تونس وخارجها، ما يزال في حاجة إلى القراءة والدراسة، وأنا لا أعرف شهادة دكتوراه واحدة حول الشابي، رغم عديد كليات الآداب في تونس!… فهل التونسيون أوفوا الشابي حقه عليهم؟ ومسائل عديدة لم تُدرس في مدونة الشابي، من بينها جانب التصوف الضارب في أعماق شخصيته ذات الأصول الشابية، وهي الحركة التي قامت على أسس دينية ضد الغزو الإسباني والتركي لتونس. وأضيف أيضًا أن ’ديوانه أغاني الحياة’ لم يُطبع ولم يظهر بالصفة التي أرادها من حيث عدد القصائد وترتيبها، وأنا بكل اعتزاز جمعت ونشرت له في بيت الحكمة سنة 2009 قصائده النثرية تحت العنوان الذي اختاره، وهو “صفحات من كتاب الوجود”، ونشرت له في كتابي “الضفة الثالثة” سنة 2019 قصيدًا غير معروف نشرته له مجلة الرسالة المصرية على إثر وفاته”.

وعن أسباب خلوده، يقول الشاعر والمدير الأسبق للمهرجان الدولي للشعر بتوزر محمد بوحوش: “سيظلّ الشّابّيّ حيًّا في وجداننا وعقولنا لثلاثة أسباب: السّبب الأوّل هو أنّ شعره تعلّق بالقيم السّامية النّبيلة والمشتركة بين النّاس والشّعوب، ومنها بالأخصّ قيمة الحريّة المتجسّدة في مطلع قصيدته ’إرادة الحياة’. والسّبب الثّاني أنّ الشّابّيّ قطع مع البلاغة القديمة والتّهويمات، فكتب بلغة حديثة، واضحة، ومتداولة، في توليفة شعريّة قائمة على بلاغة المعنى أو الفكرة. أمّا السّبب الثّالث فهو تعبيره عن القضايا الّتي يتداولها تاريخ الشّعوب، وقضايا التّحرّر بالأساس. وحين اعتنق النّاس قصائده، ولا سيّما ’إرادة الحياة’، تحوّلت الكلمة إلى طور الفعل الثّوريّ والقوّة المادّيّة. وتنطبق هذه الأسباب على بعض قصائده الأخرى ذات العلاقة بقيمة الحبّ. ولا شكّ أنّ شعره سيظلّ خالدًا خلود شعر أبي الطّيّب المتنبّي”.

أغاني الحياة

وفي سياق آخر، يرى الدكتور منصف الوهايبي، الشاعر والأكاديمي، أن الشابي لم يكن تونسيًا فقط، بل مشروعًا مغاربيًا وعربيًا. يقول: “يبقى الشابي في الذاكرة العربيّة لجملة أسباب، لعلّ أظهرها: أنّه صاحب مشروع شعري ورؤية شعريّة متكاملة. وللأثر البعيد الذي تركه في الشعريّة العربيّة الحديثة عامّة، والمغاربيّة خاصّة”. وفي سياق هذه الشعريّة يمكن أن نقرأه حقًّا، فلم تكن للشابي صلة لافتة بالشعر التونسي في الثلث الأول من القرن الماضي، وإنما علاقات بأفراد يقاسمونه رؤيته بنسبة أو بأخرى. وأقربهم إليه هو محمد الحليوي، الذي كان يتقن اللسانين: العربي والفرنسي؛ وكان يترجم بعض الشعر الرومنطيقي للشابي.

كان الشابي إذن شاعرًا عربيًّا مغاربيًّا بالمعنى الثقافي العميق للكلمة، وليس بالمعنى السياسي أو القومي. ولم يرد اسم تونس في شعره سوى مرّة واحدة، في قصيدة هي من بواكيره “تونس الجميلة”؛ والحقّ أنّ الشابي لا يذكر الأمكنة في قصائده، وإنّما يحيل عليها كلّما استغرقه وصف الطبيعة خاصّة. وخير دليل على ذلك أعماله الشعرية والنثرية. فكتابه “أغاني الحياة”، وأنا أصرّ على كلمة “كتاب” بدل “ديوان”، عمل شعريّ يقوم على علاقة حميمة بين الرؤية والتصوّر، وليس مجرّد قصائد متناثرة لا رابط بينها.

الانتقال من القصيدة إلى “العمل” الشعري هو أحد أظهر إبدالات الحداثة وملامحها الكونيّة، من حيث هي المدخل إلى المشهد، إذ تتمثّل وعيًا بالحاضر أو الراهن. وأقدّر أنّ الشابي أدرك هذا الجانب بكثير من الوضوح. ولذلك ربط تجربته بالتجارب الشعريّة الرائدة في عصره، مثل شعراء المهجر وجبران تحديدًا.

الشاعر الكوني

ولعل كتابه “الخيال الشعري عند العرب” يضمر ردًّا على هؤلاء الذين تعقّلوا الشعر تعقّل العقول المنتظمة بحسب المتعارف أو المأثور في نظريّة العمود الشعري. وممّا يؤكّد ذلك نصّ للشابي قلّما تنبّه إليه الدارسون، وهو محاضرته عن “شعراء المغرب الأقصى”، التي أعدّها في ضوء قراءته لكتاب محمد بلعباس القباج “الأدب العربي في المغرب الأقصى”، الصادر عام 1929. فقد أشاح الشابي عن تقديم الجزء الأوّل من هذا الكتاب المخصوص بـ”طائفة من شيوخ المغرب الأقصى”، وكأنّه كان يشيح عن شيوخ الشعر التونسيّين في عصره، لأنّه كان ينشد “العظمة الشعرية المنتجة التي لا ترضى بغير العالم مقعدًا وبغير الإنسانية اتّباعًا”، بعبارته.

الشاعر الذي عانى من مرض القلب ومن الشعور الحاد بالوحدة في مجتمع لم يفهمه ولم يقدّر موهبته، كما عبّر عن ذلك في أكثر من فقرة في نثره وأكثر من قصيدة في شعره، أصبح حديث العالم في توقه للحرية ودفاعه عن الوجود الإنساني واعتباره أن الحرية هي الأصل: “خلقت طليقًا كطيف النسيم”. وعلى قلّة الأعمال التي تركها كمخطوطات ومقالات، بقي حيًّا؛ لأن القيم التي عبّر عنها في رفض الظلم والاستعمار وتوقه للحرية ستبقى قيمًا ومبادئ كونية، وهذا سرّ خلوده. ففي الخامسة والعشرين انتهت حياة الشابي الإنسان لتبدأ حياة جديدة، حياة الشاعر الذي لا يموت ولن يموت. فقد اعتبر نفسه في إحدى قصائده “نبيًّا مجهولًا”، ولكنّه اليوم، بعد حوالي قرن من رحيله، أصبح حديث العالم في انتصاره للحرية.