بالعقل الفصيح

مراجعة سريعة لتاريخ النساء

أمين الزاوي
أمين الزاوي

تخيلوا معي عالماً فارغاً ومفرغاً من الرجال، أو يكاد، حيث النساء فيه قد استولين على السلطة في الفضاء العام بالمطلق، في الاقتصاد والسياسة والمال والصحة والتربية والثقافة والفن والرياضة والعلوم والعسكر..

في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حين تتولى امرأة حقيبة وزارة من الوزارات، وعادة ما تكون إما الثقافة أو الشؤون الاجتماعية أو التضامن، فهذا ليس مؤشراً أبداً على تطور المجتمع السياسي، وليس دليلاً على انحسار أيديولوجيا الذكورة، وليس برهاناً على المساواة بين الجنسين، فعادة ما تكون مثل هذه المناصب الوزارية الممنوحة للمرأة عبارة عن عملية تزويق لواجهة النظام السياسي، والمراد منها أساساً هو بعث رسالة إلى الغرب مفادها أن البلد معافى سياسياً وتسوده مساواة بين الجنسين. ومثل هذه التعيينات الشكلية لا تقلق القوى التقليدية والسلفية، وتفرح الغرب الساذج في كثير من المرات.

ولكن حين تتولى المرأة مهمة “قاضٍ” في البلد، تحكم بين البشر ذكوراً وإناثاً، تُدخل هذا غياهب السجن وتفرج عن ذاك، توزع العقوبات على الرجال من الحكم بالإعدام إلى المؤبد إلى الإفراج.. هنا لم تعد المرأة تلك الناقصة عقلاً ولا الناقصة علماً ولا الناقصة ديناً ولا الناقصة سلطة. 

صحيح أن العدالة ليست دائماً مستقلة في بلدان الجنوب، لكن إصدار الحكم من قبل امرأة في قضايا حساسة تهم حياة المواطن بشكل مباشر يثير انقلاباً في المخيال الجمعي، ويخض الذهنية الجماعية خضاً، ومن هنا تبدأ الأمور تتغير، وتبدأ بعض الحواجز والأسوار الإسمنتية تسقط في الرؤوس، ويبدأ السؤال الجوهري عن مفهومي “المواطنة” و”القوامة”.

إن رمزية سلطة القاضية في مجتمع كمجتمعنا الذكوري أقوى من رمزية تولي المرأة حقيبة وزارية مصنوعة للواجهة المزوقة والبروتوكولات الباردة.

في الجزائر، ومنذ مطلع الألفية الجديدة، بدأ المجتمع يعرف تغييرات جندرية واضحة في سوق العمل، وبدأت قوافل النساء من الجيل الجديد تزحف على كل القطاعات وبأعداد هائلة، حتى بدا وكأن الفضاء قد تأنث بالكامل، ولا سيما في بعض القطاعات كالتربية والتعليم والصحة والإدارة والاقتصاد والثقافة والخدمات.

يعود هذا إلى سنوات الستينات والسبعينات، مع بداية تأسيس الدولة الوطنية المستقلة. آنذاك، حين كانت المرأة الجزائرية تفكر في الخروج إلى العمل يتبادر إلى ذهنها، وتحت ضغط سلطة الأسرة والمجتمع، كالأب والأخ والخال والعم وسلطة الجار والحي والقرية، الانتماء إلى قطاعين أساسيين يتناسبان مع “طبيعة شخصيتها” ويتماهيان معها، حسب الذهنية التقليدية السائدة، وهما: التربية والصحة العمومية.

لقد وجدت المرأة نفسها مدفوعة إلى الانتساب إلى هذين الفضائين العموميين، ومحشورة فيهما استجابة للضغط المباشر وغير المباشر، الواعي واللاواعي، الذي تمارسه الأيديولوجية الذكورية، هذه الأخيرة التي تريد من المرأة حتى وهي في الوظيفة العمومية أن تنقل معها صورة “الأم” التي توضع فيها والتي ينحصر اهتمامها وشغلها في أمور تربية الأطفال والسهر على صحتهم. وبالتالي، فإن ممارسة مهنة التعليم، التي يستعاض عن تسميتها دائماً بمصطلح “التربية”، وممارسة العمل في الصحة، ممرضة أو تقنية طبية أو قابلة أو حتى طبيبة، هما مواصلةٌ طبيعية لمهمتها الأصلية كأم، الحاضنة والساهرة على الأبناء الليل كله، بل الليالي كلها، كلما شعروا بوجع أو أصيبوا بمرض. 

المرأة تظل في المخيلة الجماعية “المربية” و”الممرضة” في البيت حتى قبل الخروج إلى العمل العمومي، هذا الوضع “يطمئن” إلى حد ما “حراس المعبد” من الذكوريين إلى أنها حين تخرج للعمل في الفضاء العمومي، سواء في “التربية” أم “الصحة”، فهي لا تقوم بشيء غريب، إنما تواصل عملها الذي كانت تقوم به في البيت، أي تنقل معها سجنها بجميع أسواره الحديدية.

اليوم، تأنث سوق العمل بشكل واضح جداً في قطاع التربية، فالمدرسة الجزائرية، وربما الظاهرة نفسها تعرفها بلدان شمال إفريقيا الأخرى، هي فضاء لحضور المرأة بامتياز. إن قطاع التربية الوطنية في الجزائر اليوم مؤنث بنسبة تفوق الثمانين في المئة، وهي نسبة متصاعدة سنة بعد أخرى، والقطاع يفرغ من “الرجال” المعلمين سنة بعد أخرى وبشكل واضح أيضاً. 

هذا التأنيث الشامل في قطاع التربية الوطنية أنتج مصفوفة من الخطابات الذكورية المهووسة والكسولة المنشورة والمنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي بوقاحة، وهي في ذلك تكشف عن عقدة الرجل ضحية الأيديولوجيا الذكورية حيال هذا الوجود الأنثوي الكاسح في قطاع التربية، إذ يُبدي هذا الأخير المنسحب من سلطة قطاع التربية والمنهزم أمام المرأة سلوكاً غريباً يريد أن يُعبّر من خلاله عن “فحولة” جسدية “معطوبة” يستعرضها من باب “الاستعلاء”، وهو غارق في البطالة، فنقرأ بعض المنشورات المليئة بالحقد والتي يفرغها في عبارات مهووسة، على سبيل المثال: “أبحث عن معلمة للزواج، شريطة أن تكون مرسمة ولها سيارة وأنا من يتصرف في راتبها”.

والتأنيث شبه الكلي في التربية بأسلاكها الثلاثة (الابتدائي والمتوسط والثانوي) ليس استثنائياً، فقد بدأت الظاهرة تصل إلى التعليم العالي. الجامعة الجزائرية التي كانت قبل ربع قرن “ذكورية” وبوضوح، تتأنث اليوم وبسرعة كبيرة، والجيل الجديد من الأساتذة خاصة في جامعات المدن الكبرى والمتوسطة يتكون من النساء. وهذا التأنيث لا يمس فقط قطاع الأساتذة بل ينسحب أيضاً على مستوى الطلبة، فحين تدخل أية جامعة من جامعات الجزائر التي يتجاوز عددها خمسين جامعة موزعة عبر التراب الوطني، تشعر وكأنك في جامعة خاصة بالبنات، حيث يُعدّ الطلاب الذكور على الأصابع.

والأمر لا يتوقف عند ذلك، بل تكاد تكون إدارة هذا القطاع، من أبسط مسؤولية إدارية فيه إلى أعلاها، بين أيدي النساء، سواء في قطاع التربية أم في قطاع التعليم العالي.

لكن تأنيث عالم الشغل لا يتوقف عند هذين القطاعين، التربية والصحة العمومية، بل أصبح يمس جميع القطاعات الاقتصادية والخدماتية والمالية والثقافية. وحتى الفلاحة، التي لطالما ارتبطت، وإلى عهد قريب، في الذهنية الجماعية، بالرجل ذي العضلات المفتولة والقادر على تحمل المطر والريح والثلج والقيظ، وهو في موسم الحرث أو موسم الحصاد أو جني الغلة.. حتى هذا القطاع بدأت المرأة تتموقع فيه بوضوح عبر استثمارات مختلفة التخصصات الزراعية في كل الجهات.

وربما يكون فضاء القطاع العسكري، الذي هو آخر القلاع التي اقتحمتها المرأة وبجدارة ووضوح، علامة فارقة على أننا ندخل عالماً جديداً يتميز بفلسفة جديدة تتحكم في توزيع الفضاء العام وتوزيع السلطات بين المرأة والرجل. 

لكن أمام هذا الانقلاب الجندري الحاصل في الاستحواذ على السلطة وتأنيث العالم والعمل، يقفز أمامنا سؤال حاد وجوهري ومستعجل، وهو سؤال سوسيولوجي وسيكولوجي قبل أن يكون مجرد سؤال اقتصادي: كيف سيكون العالم غداً حين تسيطر المرأة بصورة كلية على سوق العمل بكل تفرعاته، وهل سيحدث فعلاً مثل هذا الأمر؟

للأسف، حتى الآن، لم تُلاحَظ مثل هذه الظاهرة على نحو فلسفي، مع أنها تتجلى أمام أعيننا وبوضوح يومياً. وفي هذا المفترق التاريخي، يسجل علماء الاجتماع غياباً واضحاً في وضع مقاربات لمثل هذا الانقلاب الجندري السوسيولوجي والثقافي والقيمي في العمل وفي المجتمع، ولدى الأجيال الجديدة.

حين يتأنث العمل والعالم، تتبدّل كثير من القيم، وتتغيّر البنية الاجتماعية والثقافية أيضاً.

صحيح أن المجتمع  لا يزال حتى اليوم  متوازناً نسبياً، لكن الوضع آيل إلى الانقلاب الكبير، وهو ما يتطلب رؤية استباقية من قبل علماء الاجتماع والفلاسفة وعلماء النفس، فالمجتمع معرض للتبدُّل المتسارع على جميع المستويات، ومعه تنهار يوماً بعد يوم رمزيات وتُبنى أخرى، خاصة ونحن نعيش زمناً تكنولوجياً مربكاً ومتسارعاً ومتوحشاً.

إن تأنيث الفضاء العمومي، وتأنيث العمل، وتأنيث السياسة سيكون له تأثير على كل مناحي الحياة الاجتماعية والأسرية والسيكولوجية والثقافية والجمالية واللغوية.

إن الرجل، المعطوب بأيديولوجيا الذكورة، تخلى عن السباق نحو العمل الجاد لصالح المرأة، واكتفى بالعمل الهامشي غير المستقر. وتؤكد ذلك إحصائيات ظاهرة التسرب المدرسي، حيث تفوق نسبة التسرب بين الأولاد بكثير نسبتها بين البنات، على العكس مما كان عليه الوضع قبل عقود خلت، إذ كانت الأسرة تسحب ابنتها التلميذة من المدرسة بمجرد وصولها إلى عمر معين، قبل عمر الزواج بقليل. 

وكلما تحكّمت المرأة في زمام سوق العمل وسيطرت عليه بشكل قوي، نمت، في المقابل أمراض ذكورية غريبة، ومنها ظاهرة “قتل النساء” (نذكر هنا حادثة اغتيال الأستاذة في جامعة سيدي بلعباس من قبل زوجها، والكثيرات من البنات اللواتي ذهبن ضحية آبائهن أو إخوانهن). وهذا يكشف عن رفض الرجل الذكوري تقبل هذا التحول التاريخي الذي يفقده، يوماً بعد آخر، سلطة لطالما منحتها له الأيديولوجيا السلفية التي ملأ صوتها تاريخ منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لقرون. 

إن آخر ما يملكه الرجل المصاب بأيديولوجيا الذكورة المعطوبة من سلطة على المرأة التي خرجت إلى العمل وأنّثته وأثّثته بقوة، هو اللباس. فالرجل الذي كان يراقب المرأة وهي في البيت، ويضعها خلف الجدران، يراقبها الآن من المقهى وهي ذاهبة إلى العمل أو راجعة منه.. يقيس طول لباسها وشكله ولونه، ويمارس رقابته أيضاً من خلال الاستثمار في ثقافة التحرش والتنمر، التي هي تعبير عن انتقام مقنع من الرجل المريض بأيديولوجيا الذكورة ضد المرأة العاملة، هذه الثقافة التي تملأ الشوارع ووسائل التواصل الاجتماعي، والتي يبدو وكأن المجتمع متسامح معها، على الرغم من وجود بعض القوانين الرادعة في بعض البلدان، ولكنها تظل نائمة.

لكن، يوم يتأنث العالم في العمل والسياسة والثقافة وإدارة الشأن العام، نتساءل، وهذا ليس ببعيد: هل ستنقذ المرأة العالم؟ وهل سيقل الفساد أم أن الفساد لا جنس له؟