هل انتهى البيات الشتوي السياسي الأوروبي؟ أخيراً تتحرك الأمور في بروكسل وستراسبورغ.. فبعدما وصل السكين إلى العظم، كما يقول التعبير الشعبي، وأصبح الخطر يهدد المجتمع في ثقافته وسلوكه وحريته الشخصية، ها هو الاتحاد الأوروبي، الساذج جداً، وبعد نحو قرن من تأسيس جماعة “الإخوان المسلمين”، التي تغلغلت في مفاصل المجتمعات الأوروبية، يتشاور حول فكرة تصنيف هذا الكيان السياسي في خانة الأحزاب والتنظيمات الإرهابية.
نعم، جاءت هذه الصحوة متأخرة، يحدث هذا بعد أن نخر هذا التنظيم المجتمع الأوروبي من الداخل، مستغلاً وجود الجالية المسلمة البسيطة والمتسامحة التي استقرت في بلدان الضيافة هذه منذ بداية القرن العشرين، أعني الأجداد والآباء، حاملة معها حلم توفير لقمة الخبز لهم ولعائلاتهم في البلد الأصلي.
متأخراً جداً، يستفيق الاتحاد الأوروبي، وهو لا يزال متردداً في اتخاذ قرار تصنيف “الإخوان المسلمين” على لائحة التنظيمات الإرهابية، مع أن كثيراً من الدول العربية والإسلامية، التي تعرف هذا التنظيم جيداً من الداخل، وتعرف حجم الكوارث التي أنزلها على مجتمعاتها، سبق لها أن حلَّته وحظرت نشاطه وصنفته في خانة التنظيمات الإرهابية.
وأنا أتابع نقاشات الاتحاد الأوروبي البيزنطية والسفسطائية حول قرار تصنيف “الإخوان المسلمين” منظمةً إرهابيةً من عدمه، وجدتني أستعيد فصول المعركة التي أطلقها هذا التنظيم في العالم العربي وشمال إفريقيا ولا يزال، سواء بطريقة مباشرة أو من خلال بعض أذرعه الفكرية في الجامعة أو تنظيمات خرجت من جُبَّته، ضد الفكر، من خلال حرب طاحنة شنَّها على مفاهيم بعينها، وهي معركة يقودها على مدى قرن من الزمن، أي منذ تأسيسه في العام 1928 وحتى الآن.
في فهم “الإخوان”، لا يوجد فرق بين “الشيوعية” و”الاشتراكية”، إنه العدو نفسه يغير الاسم فقط، أو يغير جلده.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهزيمة النازية، التي كثيراً ما غازلها “الإخوان المسلمون” بحجة أنها فتكت باليهود، وحتى منتصف ثمانينات القرن العشرين، لا سيما مع سقوط جدار برلين، كان المفهوم الذي يشكل العدو المركزي في منشورات وخطب الجماعة هو كلمة “شيوعية” أو “اشتراكية”، وهما المفهومان اللذان لا يختلفان في قراءتهم لهما.
لم تكن شيطنة فلسفة “الشيوعية والاشتراكية” التي قادها “الإخوان” تهدف إلى نقد نظام الحزب الواحد الديكتاتوري في البلدان التي تبنّت الاشتراكية منهجاً لها، ولا ما قام به ستالين من جرائم وتصفيات ضد خصومه السياسيين وضد معارضيه من المثقفين، بل كان ذلك لغرض آخر تماماً. والغريب أن الشيطنة الشرسة لهذه الأنظمة تكرّست في خطاب الجماعة، على الرغم من أن غالبية البلدان العربية والشمال إفريقية والإسلامية لم تجد صديقاً ولا حليفاً لها في معاركها التحريرية ضد الاستعمار الغربي – حرب التحرير الجزائرية نموذجاً حياً على ذلك – سوى المعسكر الشرقي، أي المعسكر الاشتراكي.
وعلى الرغم مما يمكن أن يُوجَّه إليها من نقد، فإن الكتلة الشرقية كانت النصير الأول لهذه الحركات بالدعم بالسلاح والدعاية، والمساندة الدبلوماسية في المحافل الدولية. ولاحقاً، أي بعد الاستقلالات الوطنية، وقفت هذه الأنظمة الاشتراكية إلى جانبها في معركة التنمية، وقدّمت المساعدات الاقتصادية والمالية والتسليح والتكوين. مع ذلك، لم يتوقف “الإخوان المسلمون” عن شيطنة هذه الأنظمة السياسية في عيون المؤمنين الذين كانوا يتوقون إلى الحرية والكرامة والخبز والتعليم.
كلما جرى الحديث عن المواقف الإيجابية للمعسكر الشرقي الاشتراكي تجاه البلدان الفقيرة، بلدان العالم الثالث، أخرج “الإخوان المسلمون” العبارة المنسوبة إلى كارل ماركس “الدين أفيون الشعوب”، بغرض تجييش المؤمنين البسطاء من جهة، وتدجينهم من جهة ثانية. وكأن كارل ماركس، بهذه العبارة، يكون قد أتى بشيء جديد.
ألم يكن ابن رشد الأندلسي قد نبّه، قبل ذلك بقرون، إلى خطورة استغلال الدين عبر تسييسه والمتاجرة به للتلاعب بعقول المسلمين والمؤمنين البسطاء؟ وقال ما معناه: “إذا أردت أن تتحكم في جاهل فعليك أن تغلف كل باطل بغلاف ديني”.
من هنا شنَّت آلة الدعاية الإخوانية حرباً ضد مفهوم “الشيوعية/الاشتراكية”، بالترويج لمجموعة من الأفكار التي تقول “إن الشيوعي يتزوج أخته”، ولأنهم معروفون بمعاداة السامية، كانوا يقولون أيضاً “إن الشيوعي يهودي”، متناسين بأن كثيراً من اليهود من أبناء الجزائر ضحّوا بأرواحهم من أجل استقلال البلاد.
وكانوا يروّجون لفكرة أن “الشيوعي” مُلحد ولا يؤمن بالله، وحين تقول لهم إن هناك كثيراً من القادة الشيوعيين في الجزائر، وفي غيرها من بلدان العالم، كانوا من الرجال المؤمنين والممارسين لفرائض دينهم، من أمثال المناضل الكبير الشباح المكي الذي كان من حفظة القرآن، وكان شيوعياً صلباً ومسرحياً وعدواً للإقطاعي بن قانة، المسلم المتحالف مع الاستعمار الفرنسي.
وحين تذكرهم بمقولتَي الشيخ عبد الحميد بن باديس، رئيس ومؤسس “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، ومفادهما: “اللهم اجعلنا في الدنيا من أهل اليسار وفي الآخرة من أهل اليمين”، و”الشيوعية خميرة الأرض”، يُنكرون نسبة هاتين المقولتين إليه، ويعتبرون ذلك تشويهاً لشخصيته. وإذا أقمت الحجة عليهم، فهم مستعدون لتكفير الشيخ عبد الحميد بن باديس نفسه.
لم يكن نقد “الإخوان المسلمين” للشيوعية من باب نقد القمع الذي كان يقوم به ستالين ضد خصومه السياسيين، ولكنهم كانوا يقومون بذلك سعياً إلى غسل أدمغة المسلمين البسطاء وصرفهم عن أي فكرة تتعلق بالعدالة، كل ذلك لتوسيع قاعدة القطيع الذي يتبع أوهام تجار الدين.
بعيداً عن المقاربة السياسية الأيديولوجية، تظل الماركسية فلسفة متكاملة، ولا تزال حتى الآن تحظى بقراءات ودراسات ومراجعات من قبل أكبر الفلاسفة في العالم، والدليل على ذلك الاحتفاء العالمي بماركس الفيلسوف في المئوية الثانية لميلاده، ففي العام 2018 بدت ملامح العودة الكبيرة لماركس كأكبر فيلسوف في أوروبا والشرق، يضيء بأفكاره أزمات العالم الراهنة.
لكن مع سقوط جدار برلين، وتفكك الاتحاد السوفييتي، بوصفه نظاماً سياسياً بكل إيجابياته وسلبياته، مع هذا السقوط والتفكك، انتهى كل حديث عن الاتحاد السوفييتي وعن الشيوعية والاشتراكية اللتين كان “الإخوان المسلمون” يدّعون أنهما تحاربان الإسلام. وبالتالي لم تعد الشيوعية ولا الاشتراكية العدو الذي تستهدفه خطابات الجماعة، وكان عليهم أن يجدوا عدواً جديداً في المجتمع ممن يهدد تجارتهم في الدين. فكانت “العلمانية” و”العلمانيون” محور الحرب الجديدة التي شنَّها تنظيم “الإخوان” على كل فكر تنويري.
لم يكن المجتمع العربي والمغاربي التقليدي، قبل وصول الفكر الإخواني، يعرف “العلمانية” كمصطلح فلسفي، ولكنه كان يؤمن إلى حد ما بمفهومها وبشكل طبيعي، أي العيش بسلام مع الآخر المختلف عقيدة وثقافة ولغة في هذه الدنيا، بكل ما تفرضه من اقتصاد وتجارة وفن ومعاملات وأخلاق ولغة، وفي الوقت نفسه دون الإخلال بواجباته الدينية التي يمارسها في علاقة مباشرة صادقة مع الله، دون وسيط سياسي أو كهنوت إسلامي جديد.
هذا الفكر التنويري الذي بشّرت به مجموعة من الأنتليجانسيا المعاصرة العربية والشمال إفريقية، خاصة بعد سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، هذه الإنتلجانسيا التنويرية التي لم تكن شيوعية في توجهها، ولم تكن معادية للدين بوصفه ممارسة شخصية وطبيعية، بل كانت تدعو إلى حرية الفكر والعقيدة والتعبير والسوق والعيش المشترك بسلام والمساواة بين الرجل والمرأة والعدالة الاجتماعية، وهو ما دفع “الإخوان المسلمون” إلى مواجهة حركة التنوير، التي بدأت تتوطن وبشكل عميق داخل المجتمع، بعد نهاية الصراع بين الكتلتين الشرقية والغربية، الرأسمالية والاشتراكية.
وكما شيطن “الإخوان المسلمون” الفكر الاشتراكي، شرعوا في شيطنة العلمانية وكل فكر تنويري. وكما كان الأمر مع الشيوعية والاشتراكية، عملوا على ربط مفهومَي العلمانية والتنوير بالإلحاد والكفر ومعاداة الدين، مع أن هذه الصفات بعيدة عن كل ذلك بُعد السماء عن الأرض، وليس ذلك من أهداف الفكر التنويري أبداً.
لم تتعرض كلمة للتشويه في الثقافة العربية مثلما تعرضت كلمتا “العلمانية” و”التنوير”.
لقد شنّ “الإخوان المسلمين” حملة “التشويه” هذه، لا لشيء، إلا للاحتفاظ بسلطتهم على الدين الإسلامي، وجعله رأسمالاً سياسياً في معركتهم ضد خصومهم الذين يملكون مشاريع اجتماعية.
لم تدخل العلمانية ولا حركات التنوير يوماً في حرب ضد الدين، ولم يكن هذا همُّها، بل كانت تناهض تُجّار الدين السياسي، وكل ما دعت إليه هو أن يظل الدين محترماً في مكانه بعيداً عن أي تلويث سياسي، وأنّ من واجب الدولة المدنية حماية المجتمع بكل مكوناته الإثنية والدينية واللغوية والثقافية.
منذ البداية حاول “فهماء” الجماعة أن يزرعوا في عقول الجيل الجديد عداوة مطلقة ضد العلمانية وحركات التنوير، ووضعوا لها تفسيراً خاصاً بهم، لحماية سلطتهم المطلقة على الدين، وعملوا على شيطنة المفهوم بأن أزاحوه من معناه الحقيقي إلى معنى مشوَّه، حتى لا يهز أحد سلطة الكهنوت الإسلامي الجديد الذي نصَّبوا أنفسهم ناطقين باسمه، بوصفهم وسطاء بين الله وعباده من المؤمنين.
يُسقط اليوم “الإخوان المسلمون” آلتهم ذاتها التي صبغوا بها الماركسية على العلمانية والتنوير، فالعلماني مُلحد والتنويري زنديق وكافر ومرتد ويهودي، وما إلى ذلك من التهم الجاهزة التي تُجيِّش المؤمنين البسطاء ضد قسم من إخوانهم في الدين وفي المجتمع. وبالفعل، أسهموا في تشويه وعي جيل جديد من الشباب، ويتجلى ذلك في النقاشات التي تدور باستمرار على وسائل التواصل الاجتماعي.
لقد أدرك “الإخوان المسلمون” أن معركتهم السياسية في وضع اليد على الدين الإسلامي، بوصفه رأسمالاً رابحاً، لا يمكنها أن تكون ناجعة إلا إذا تكرست بحرب تتولى تشويه مفاهيم التنوير على مستوى البنية الذهنية الجماعية والفردية للمسلمين البسطاء، وهو ما يقومون به منذ قرن من الزمن بكثير من الشراسة والإصرار.







