هناك فرق شاسع وسحيق بين بيع الضمير وبيع القوة العضلية، وهو ما يجعلنا نتساءل عن طبيعة ومواصفات السوق التي يباع فيها الضمير، وطبيعة تلك التي يباع فيها الجهد العضلي، وما الفرق بينهما؟
يجهد العامل اليومي البسيط، الذي يبيع قوة عضلاته في حراثة الحقل أو في حدادة الورشة أو في تربية الأغنام أو في البناء.. حيث الرابط عضوي بين العمل والجسد والأجر، وهي معادلة مركزية يكون فيها الجهد المبذول بمقابل مادي محدد. والذي يحدد شكل لعبة السوق وقوانينه هم أصحاب رؤوس الأموال المحلية أو العابرة للقارات، الذين همّهم تكديس الأموال على حساب عرق العامل وتعبه وصحته وموته، وفي هذه العلاقة المتوترة يسعى بائع الجهد العضلي أن يكون لعدد حبات العرق التي تقطر من جسده ما يقابله من عدد القطع النقدية الشحيحة التي تسقط في جيبه.
فلسفياً، يواجه العامل اليومي الذي يوظف قوة جسده في توفير خبزه مخاطر العمل وحده، فهو في هذه المغامرة لا يَجُرُّ معه آخرين، والجسد العامل بوصفه رأسمال خاص أو ملكية خاصة، يغامر وحده في التاريخ لأنه لا يمثل سلطة رمزية.
يعود العامل اليدوي في المساء من ورشته فينام على أرضية عارية أو على سرير متواضع أو في معسكر العمال مرتاح الضمير معذب الجسد، حالماً بغدٍ أفضل، بغدٍ متغير.
أما الفئة التي تشتغل بفكرها، الذي هو حارس ضميرها، فهي تلك التي نطلق عليها مصطلح الانتلجنسيا، حيث تدخل سوق “الشغل” عارضة فكرها للبيع، وحين تبيع فكرها فإنها تبيع ضميرها، لا فرق بين الفكر والضمير فهما توأمان، وضمير الكاتب أو المفكر حين يدخل السوق يتحول إلى ما يشبه ممارسة أو تعاطي “العُهر” الإنساني.
إن عبودية ضمير المثقف أكبر من عبودية الجسد وأخطر منها. عُهر الجسد على قبحه ومجاجته ورفضه أخف من عُهر الضمير.
ولعل أكبر خطورة تكمن في شخصية المثقف المعروض في سوق بيع الضمائر هي أن هذا الأخير، أي المثقف، له القدرة السحرية على تبرير بيع ضميره لهذا اليوم، وغداً لذاك.
والأخطر من ذلك، هو أن المثقف والكاتب والمفكر أو المبدع أو الفقيه حين يبيع ضميره في سوق النخاسة، الذي ينصبه له السياسي، فإنه يبيع معه قارئه المغرر به أو المؤمن البسيط الذي يؤدي عقيدته بكل إيمان وتقوى.
إن الكاتب من حيث هو كائن رمزي وينتج الرمزية، أو هكذا يفترض فيه أن يكون، حين يسقط، يسحب معه إلى هاوية سوق النخاسة قُرّاءَه والمؤمنين بأفكاره، فيكون السقوط سقوط قطيع.
في اللحظة التي يعرض فيها الكاتب أو الفقيه ضميره للتكسب من خلال التقرب من أولي الأمر وأولي المال، يصبح كتاجر الممنوعات في السوق السوداء، سوق بلا قيم ولا قانون، يبيع “سلعته” لمن يدفع أكثر.
لقد عرف تاريخ الثقافة العربية والإسلامية الأدبية، الشعرية منها والنثرية، وكذا تاريخ الفقه والفقهاء، وعلى مدى 15 قرناً، ظاهرة أدب “المدح” وظاهرة إصدار “الفتاوى” لمن يدفع سعياً للتكسب الواضح.
كان المدح نوعاً أدبياً شائعاً ومستقلاً، له تقاليده الجمالية المرتبطة بالكذب والمبالغة والتضخيم والمراوغة والترذيل، وقد نظم فيه كبار الشعراء، الذين يشكلون بحق عماد الشعرية العربية، ويمكننا أن ندلل على ذلك من خلال التذكير بصورة المتنبي، سيد الشعر العربي بدون منازع، وهو في حضرة كافور الإخشيدي، مخاطباً إياه متذللاً:
أبا المسكِ، هل في الكأس فضلٌ أنالهُ
فإني أُغني منذ حينٍ وتشربُ
أأُسقى من الكأس التي أنت شاربٌ بها
أم أرى في الكأس ما أنت شاربُ
أن يقول المتنبي مثل هذا الشعر، ويُحتفى به ويدرس في الجامعات وفي الثانويات، خلال قرون ولا يزال، وكأن محتوى هذا الخطاب الشعري عادي جداً وطبيعي أخلاقياً وسياسياً، فمثل هذا الشعر، خاصة حين يكون صادراً عن شاعر بحجم المتنبي، يحول دون شك “تذلل” المثقف من ظاهرة مذمومة اجتماعياً وإنسانياً إلى قيمة عادية في المخيال الجمعي، وعليه فعلى القارئ أن يقبل بها ويتصالح معها، بل ويتبناها.
وقف النقاد والدارسون العرب طويلاً عند هذا المدح، القدامى منهم والمحدثون، مركزين على الجانب الفني، اللغوي والأسلوبي وما شاكل ذلك، دون الوقوف عند المحتوى السوسيولوجي والرمزي لمثل هذا التقليد الشعري الخطير، وكأن الأدب هو خارج المعنى ومنفصل عن الحياة الاجتماعية والسياسية.
إن تاريخ المدح في الشعر العربي، وفي الفقه أيضاً، يُبيّن لنا جلياً مظاهر المسخ وثقافة الانهيار الأخلاقي التي وصل إليها المثقف العربي والإسلامي في علاقته بسلطة السلطان وبسلطة المال، وهو الذي يفترض فيه أن يكون القدوة في عيون العامة.
وفي زمن غير بعيد عنا، نقرأ في كتاب “كشف المخبّا عن فنون أوروبا” قصيدتين مثيرتين للكاتب والشاعر أحمد فارس الشدياق (1804-1887)، كتبهما في مدح لويس نابليون (1808-1873)، الأولى حين انتُخب رئيساً للجمهورية 1848، والثانية حين أعلن نفسه إمبراطوراً وأصبح يسمى نابليون الثالث. الأولى قصيدة طويلة (ستون بيتاً) مطلعها غزلي على شاكلة قصيدة “بانت سعاد” لكعب بن زهير بن أبي سلمى التي كتبها في مدح الرسول (ص)، والتي تُعرف أيضا باسم قصيدة “البردة” لأن الرسول (ص) بعد أن استمع إليها أعجبته فأهدى الشاعر بردته، والتي مطلعها:
بانَت سُعادُ فقلبي اليَومَ مَتبولُ
مُتَيّمٌ إثرَها لَم يُفدَ مَكبولُ
وَما سُعادُ غَداةَ البَينِ إذ رَحَلوا
إلّا أغَنُّ غَضيضُ الطَرفِ مَكحولُ
أما القصيدة الأولى التي نظَمها فارس الشدياق في مدح لويس بونابارت فمطلعها:
من شأنِ أهلِ الهوى أن يُفرطوا الغَزَلا
قبل المَديح وإلا غازلوا الطَّلَلا
ويبدو أنها، وبعد ترجمتها، لم ترق لنابليون بل استهجنها إذ رأى فيها وحاشيته أوصافاً لا تتناسب مع شخصيته، وقد علَّق عليها رئيس حُجّابه آنذاك، ودون شك هذا رأي لويس نابليون نفسه، قائلاً ما معناه: إن ما تضمنته القصيدة من أوصاف بطولية وتأليهية ألحقها الشدياق بشخصية لويس نابليون ليست حقيقية فيه، بل هي خارجية ومركبة، لذا يمكن أن نحذف منها اسم نابليون ونُلصقها بأي شخصية أخرى لن يتغير الحال.
حين وصل رد الفعل المحتشم واللامبالي إلى أحمد فارس الشدياق، بدأ يتحين الفرصة، وإذ انقلب لويس نابليون على قوانين الجمهورية وأعلن نفسه إمبراطوراً وأطلق على نفسه لقب نابليون الثالث، كتب الشاعر قصيدة ثانية في مدح الإمبراطور، وقد حذف منها كل ما له علاقة بالمطلع الغزلي، فكانت بدايتها:
للويسَ نابليون حقَّ السؤددِ
الملكُ إذ هو في المعالي أوحدُ
وحين ترجمت لنابليون، علّق عليها قائلاً: هذه ليست صفاتي وهذا ليس أنا، ولم يتكلف حتى تعب إرسال رسالة شكر إلى الشاعر.
هذه العلاقة ما بين الشاعر والسلطان في التقاليد العربية من جهة، ومثلها في التقاليد الغربية، تبيّن اختلاف طبيعة المسافة الموجودة ما بين السلطة الأدبية والسلطة السياسية، وتبين أيضاً اختلاف أخلاق العلاقة بينهما.
أما اليوم، في زمن الانفتاح الثقافي وزمن التكنولوجيا والديمقراطيات المقنعة، فالتكسب عند العرب المعاصرين من الكتاب والفقهاء لم يتبدل كثيراً باستثناء الوسائط المستعملة والأجناس الأدبية الطاغية.
ففي الأدب، إذا كان الشعر هو سيد التكسب في القرون الأدبية الماضية، فإن الرواية اليوم هي الجنس الأدبي الذي قفز إلى المرتبة الأولى في فن التكسب، وأضحى الروائي هو قريب السلطان، وجراء ذلك كثرت الجوائز المخصصة لهذا الجنس بعينه، وإذا كنا متفائلين بهذا الانفجار الكبير في إنتاج الرواية في الساحة الأدبية، وسعداء بظهور آلاف الأسماء الروائية الجديدة، فإن خلف كل ذلك فخاً سياسياً وجمالياً كبيراً. فبدلاً من أن يكون التكسب عن طريق المدح المباشر، كما كان مع الشعراء، أصبح هذا التكسب في الرواية بالسكوت عن الكوارث السياسية والاقتصادية التي تمارسها مختلف السلطات في العالم العربي وشمال إفريقيا، وبالتالي يجازى كل من سكت وأبدع.
في المقابل، ولكي يحقق الروائي التكسب ويحصل على الكيس المليء، يمارس ضد نفسه “الرقابة الذاتية” الشديدة، حيث يضع حدوداً لإبداعه لا يمكن أن يتجاوزها، حتى يتناغم صوت الرواية مع القوى الخفية السياسية التي تقف خلف هذه الجائزة أو تلك.
كما أن التكسب الأدبي اليوم يأتي في شكل تكريمات تمنحها بعض الجهات لأسماء عرفت في مسارها الأدبي بالجرأة في الكتابة، كل ذلك حتى تربح صمتها ويتم ترويضها. وتتجلى ظاهرة شراء الضمير خاصة في الإقدام على تكريم كثير من الكتاب العرب والشمال إفريقيين، الذين كانوا وإلى زمن قريب من “أهل اليسار” ومن “الشيوعيين”، ويجيء هذا التكريم من قبل أنظمة ملكية كانوا إلى عهد قريب خصوماً لها وكتبوا ضدها.
لقد أنتجت ظاهرة التكسب عبودية جديدة بقفازات حريرية شرسة!!!







