ربما يبدو الكتاب، وقد أُغلقت صفحته الأخيرة، وكأنه بلغ نهاية رحلته، لكنه في الحقيقة يكون على موعد مع قارئ آخر وقراءة أخرى وحياة جديدة. من هذه الفكرة تنطلق مبادرة “كُتُبُنا”، المنصة الرقمية الوطنية التفاعلية، التي أطلقتها وزارة الثقافة والفنون في الجزائر، لتبادل وإهداء الكتب بين القراء، في سياق المهرجان الوطني للكتاب المقروء، الممتد من 26 سبتمبر/أيلول إلى 5 أكتوبر/تشرين الأول تحت شعار “لِكُتُبِنَا حياةٌ أُخْرَى”.
لكن هل تستطيع المنصة فعلًا أن تجعل تداول الكتاب جزءًا من ثقافة القراءة في الجزائر؟ وما الذي يكشفه إطلاقها عن علاقتنا اليوم بالكتاب إنتاجًا، واقتناءً، وقراءةً وتداولًا؟
أرقام مطمئنة ولكن
تبدو الأرقام الخاصة بالكتاب في الجزائر مطمئنة للوهلة الأولى، فبحسب تقرير اليونسكو حول صناعة الكتاب في إفريقيا، بلغ عدد العناوين المنشورة في الجزائر 7456 عنوانًا سنة 2023، منها 7412 كتابًا مطبوعًا و44 إصدارًا رقميًا، فيما بلغ عدد الناشرين 1715 ناشرًا.
تكشف هذه الأرقام عن وتيرة نشر جيدة، لكنها لا تجيب عن السؤال الأكثر تعقيدًا: كم من هذه الكتب يجد طريقه فعلًا إلى القارئ؟ فالانتقال من إنتاج الكتاب إلى قراءته ليس آليًا، كما أن وجود الكتاب في السوق أو المكتبة لا يعني بالضرورة أن القراءة أصبحت ممارسة يومية، وهو ما يجعل الحديث عن “كُتُبُنا” يتجاوز السؤال التقني حول كيفية تبادل الكتب، ليصل إلى سؤال أوسع حول البيئة التي يعيش فيها الكتاب أصلًا، أي كيف يصل؟ أين يوجد؟ كيف يُقدَّم؟ وما الذي يجعل القارئ يرغب في البحث عنه وقراءته؟
في هذا السياق، لا تبدو المنصة مجرد أداة رقمية جديدة، وإنما محاولة لإعادة تحريك دورة الكتاب، ولو من باب التداول بين القراء.
جسر مع القارئ
بالنسبة للكاتب والناشر “رابح خدوسي”، مؤسس وصاحب دار الحضارة للنشر والتوزيع، تعد المنصة جسرًا يمكن أن يُقرِّب الكتاب من القارئ، خصوصًا الأطفال والشباب، لكنه يلفت النظر في المقابل إلى مفارقة أساسية مفادها أن الكتاب عندما يصبح متاحًا لا يعني ذلك بالضرورة أن يصبح مقروءًا، فقد يصل إلى اليد ولا يصل إلى فعل القراءة، وقد يُقتنى أو يُهدى أو يُخزّن، من دون أن تنشأ معه علاقة حقيقية. ولهذا فإن التحدي، في رأيه، لا ينتهي عند توفير الكتاب، وإنما يبدأ بعد ذلك، أي كيف نجعل الطفل أو الشاب يرغب في فتحه؟ وكيف نحول الحصول على الكتاب من فعل عابر إلى بداية علاقة مستمرة معه؟ بمعنى آخر، المنصة قادرة على تسهيل العثور على كتاب أو تبادله أو إهدائه، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع الرغبة في القراءة.
أما الكاتب والأكاديمي فيصل الأحمر، فيرى أن الكتاب لا يكتمل تمامًا عندما ينشره مؤلفه ويخرجه من دائرته التأليفية، وإنما يبدأ حينها حياة أخرى، حين يقع بين يدي قارئه. فالنص، كما يقول، “يستطيع أن يُغيّر شفرته الجينية متجاوزًا عتبة كتابته الأولى، ليدخل في حيوات مختلفة، ويعيش مع كل قارئ أفقًا جديدًا من ممكنات دلالته”. وهو تصور اكتسبه الأحمر أيضًا من تجربة امتدت ثلاثين عامًا، عاين خلالها كيف تختلف النصوص باختلاف أجيال القراء وهوياتهم وجغرافياتهم وتواريخهم الشخصية وصلاتهم بالكلمات والموضوعات. لذلك لا يرى الأحمر في تداول الكتاب مجرد انتقال مادي من يد إلى أخرى، وإنما يعتبره “حياة متجددة للذاكرة الجماعية وللتجربة الشخصية”. فالكتب، في تصوره، “تولد من جديد مع كل قراءة، لا تعيش لمرة واحدة”.
من هنا، تكتسب فكرة “حياة الكتاب الثانية” معناها الأعمق، فالحياة الثانية للكتاب كما يضيف “لا تبدأ عندما ينتقل من قارئ إلى آخر، وإنما عندما يتحول هذا الانتقال إلى تجربة جديدة للنص نفسه، وإلى جزء من التاريخ الشخصي لمن قرأه”.
أزمة منظومة كاملة
غير أن هذا التفاؤل بفكرة التداول الرقمي يصطدم بسؤال أكثر واقعية، هل أزمة الكتاب في الجزائر هي فعلًا أزمة وصول إلى القارئ؟ أم أنها أزمة منظومة كاملة؟ من موقعه باحثًا وأستاذًا جامعيًا ورئيسًا سابقًا لاتحاد الكتاب الجزائريين، يضع الدكتور عبد الله حمادي قضية الكتاب داخل دائرة أوسع بكثير، تبدأ من إنتاج المعرفة ولا تنتهي عند التوزيع والترويج.
يرى حمادي أن حجم الإنتاج المعرفي الجامعي لا يعني بالضرورة أن هذا الإنتاج يتحول إلى معرفة قابلة للتداول العام. فالكثير من الأطروحات والبحوث، في رأيه، يُنتج في سياق الحصول على الشهادة أو الترقية، بينما تظل العلاقة مع القارئ خارج دائرة الاهتمام. كما أن بعض الكتب الأكاديمية تحتاج إلى إعادة صياغة تجعلها أكثر قابلية للقراءة خارج الوسط الجامعي، بدل أن تبقى أسيرة المنهج وكثافة الإحالات والمصطلحات.
من هنا، يعتقد حمادي أن إدخال الكتاب إلى وسائل التواصل الاجتماعي غير كافٍ لحل أزمة الكتاب في الجزائر، ويقترح بدلًا من ذلك، إعادة الكتاب إلى الفضاء العام نفسه: فضاءات دائمة للبيع والتبادل والإعارة في المدن والقرى، وأجنحة تليق بالكتاب داخل المساحات التجارية الكبرى، فضلًا عن إعادة التفكير في منظومة وطنية للنشر والتوزيع، وتشجيع وسائل الإعلام على تقديم الكتب بطريقة جذابة ومشوقة.
المطلوب، في تصوره، ليس فقط أن ننتظر القارئ في المكتبة أو على المنصة، وإنما أن نُقرّب الكتاب من الحياة اليومية، حتى يصبح حضوره في المجتمع طبيعيًا مثل حضور بقية الاحتياجات، وبذلك ينتقل النقاش من سؤال كيف نرقمن الكتاب؟ إلى سؤال أكثر جذرية: كيف نعيد الكتاب إلى المجال العام؟
من منصة لتبادل الكتب إلى سؤال عن ثقافة القراءة
بين رؤية تذكّر بأن الوصول إلى الكتاب لا يضمن بالضرورة قراءته، وثانية ترى أن الكتاب يولد من جديد مع كل قارئ، وثالثة تضع المشكلة داخل منظومة النشر والتوزيع والترويج، تبدو “كُتُبُنا” أكثر من مجرد منصة لتبادل الكتب، فالمبادرة تفتح نقاشًا أوسع حول دورة الكتاب كاملة: من لحظة إنتاجه إلى نشره، ثم وصوله إلى القارئ، وأخيرًا انتقاله من قارئ إلى آخر. وتكشف في الوقت نفسه عن مفارقة لا يمكن تجاوزها: الجزائر تنتج آلاف العناوين سنويًا، لكن الأرقام المتاحة لا تمنحنا صورة وطنية حديثة ودقيقة بما يكفي عن حجم القراءة الفعلية. وتقرير اليونسكو نفسه يضع ضعف البيانات المنتظمة حول القطاع ضمن الإشكالات التي تحتاج إلى معالجة، بما يجعل الحديث عن القارئ الجزائري أقل وضوحًا من الحديث عن الكتاب والناشر والسوق.
لذلك، قد تكون قيمة “كُتُبُنا” الحقيقية في أنها لا تنقل الكتاب فقط من مكان إلى آخر، وإنما تعيد طرح السؤال القديم بلغة جديدة، أي كيف نجعل الكتاب جزءًا من التداول الاجتماعي اليومي؟ فالكتاب لا يعيش بمجرد أن يُكتب، ولا بمجرد أن يُطبع، ولا حتى بمجرد أن يصبح متاحًا على منصة، وإنما يُعاد اكتشافه مع كل قارئ، ويظل حيًا بقدر ما يظل قابلًا لأن يُقرأ من جديد.















