بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

صراعات دولية

واشنطن توسّع نطاق العقوبات على إيران.. استهداف شبكات التوريد لتعطيل إعادة بناء القدرات العسكرية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تشدد واشنطن الضغط على طهران عبر عقوبات إضافية تستهدف الأشخاص والشركات والوسطاء الذين يوفرون لها الأسلحة والمكونات والتكنولوجيا من الخارج. وهو ما يرفع العقوبات إلى مستوى أقوى لكبح قدرات إنتاج القوة العسكرية، إذ لم يعد الضغط يتركز على المؤسسات الإيرانية وحدها.

تعزز العقوبات الجديدة هذا المسار، بعدما استهدفت وزارة الخزانة الأمريكية 10 أفراد وكيانات في دول عدة ضمن إطار “عملية الإقصاء الاقتصادي”، بالتزامن مع إجراءات أمريكية منفصلة رفعت العدد الإجمالي للمستهدفين إلى 13.

استهداف بنية التوريد 

تكشف أسماء المستهدفين طبيعة المقاربة الجديدة أكثر مما يكشفه عددهم. فقد شملت اللائحة سيد أصغر علي زاده طباطبائي، ممثل وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية في بكين، الذي تقول الخزانة إنه نسق شراء أنظمة أسلحة جاهزة ومكونات مزدوجة الاستخدام من الصين لصالح إيران.

في إيران، استهدفت واشنطن مجموعة “كافوشكوم” ومديرها علي فتوات أحمدي. وتقول الخزانة إن الشركة حصلت على إلكترونيات وموصلات لصالح شركة تصنيع الطائرات الإيرانية “هسا”، كما زودت مجموعة الشهيد باقري الصناعية بمكونات مرتبطة ببرنامج الصواريخ الباليستية ذات الوقود الصلب. وبذلك ترتبط مشترياتها مباشرة ببرامج الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية.

امتدت العقوبات إلى شركة “إي سي موجو” في هونغ كونغ، وممثلتها في الصين لي فين، إضافة إلى بريسا لالي، ممثلة “كافوشكوم” في إيران. وتقول الخزانة إن فين حاولت الالتفاف على العقوبات وضوابط التصدير أثناء دعم عمليات الشراء، فيما سهّلت “لالي” مشتريات الشركة. وتجمع هذه الأسماء في مسار واحد وظائف التنسيق والشراء والتوريد والتسهيل.

وفي مسار آخر، استهدفت الخزانة وسيم باشا تجمل، رئيس مجموعة “كافالير” الدفاعية الخاصة، إلى جانب شركات مرتبطة به في باكستان والسعودية وتركيا. ووفقاً للخزانة، عمل تجمل و”كافالير” كوسطاء لصالح وزارة الدفاع الإيرانية في شراء الأسلحة وتوزيعها، فيما تعود الشركات الثلاث إلى المجموعة من خلال الملكية أو الإدارة. وقالت واشنطن إن الإجراء المتعلق بالشركة الموجودة في السعودية جرى بالتنسيق مع شركاء حكوميين سعوديين.

الحرب ترفع قيمة الوقت

تكتسب هذه الإجراءات أهميتها من طبيعة المواجهة الحالية. استهداف منشأة أو مخزون عسكري يمكن أن يخفض قدرة قائمة، لكن تأثيره يظل محدوداً إذا تمكنت طهران من تعويض الخسائر عبر تأمين مكونات جديدة ومواصلة دورة الإنتاج.

لهذا تستهدف العقوبات جانباً مختلفاً، وهو الوقت اللازم لاستعادة القدرة على العودة. تعطيل مورد يعني البحث عن بديل، وتعطيل وسيط يفرض إعادة ترتيب عملية الشراء، وإخضاع مكونات معينة للرقابة يزيد صعوبة إدخالها إلى إيران. ولا يتعلق الأمر بمنع كل عملية شراء منفردة، بل بجعل عملية التعويض أكثر تعقيداً.

وتقول وزارة الخزانة إن هدفها هو إضعاف قدرة إيران على إعادة تكوين برامجها العسكرية، وزيادة كلفة الجهات التي تساعدها في الحصول على الأسلحة والمكونات. وهذا يوضح أن واشنطن تنظر إلى منظومة التوريد باعتبارها جزءاً من القدرة العسكرية نفسها، وليس مجرد نشاط تجاري يقع خارجها.

لكن العقوبات لا تمحو القدرات الموجودة لحظة صدورها. المخزونات والأسلحة التي أُنتجت بالفعل تبقى متاحة، كما يمكن لطهران محاولة تغيير الموردين أو طرق الشحن أو الوسطاء. لذلك يرتبط الأثر الفعلي بقدرة إيران على إعادة بناء ما تفقده، وبالسرعة التي تستطيع بها إيجاد بدائل.

الأسماء ترسم خريطة الضغط

تتسع الصورة مع الإجراءات الأمريكية الأخرى التي استهدفت جهات مرتبطة بتوريد الأسلحة الإيرانية، وبينها كيانات روسية وإيرانية. وقد أشارت التقارير إلى “ياكوفليف” و”إم جي فلوت” في روسيا و”طيران ساها” في إيران، ما أضاف الطيران والنقل البحري إلى خريطة الاستهداف الأوسع. 

تكشف هذه الخريطة امتداد عمليات الشراء الإيرانية عبر بيئات تجارية متعددة. الصين وهونغ كونغ تظهران في مسار المكونات والتكنولوجيا، فيما تدخل باكستان وتركيا والسعودية في مسار الشركات والوساطة، وتضيف روسيا بعداً مرتبطاً بالطيران والنقل البحري.

ولا يعني ذلك أن جميع هذه الأطراف تؤدي الدور نفسه. الأهم أن عملية الحصول على المعدات لا تمر عبر نقطة واحدة يمكن تعطيلها بقرار منفرد. ولهذا توزع واشنطن الضغط على مراحل مختلفة من العملية، من الشخص الذي ينسق الشراء إلى الشركة التي توفر المكون، ومن الوسيط الذي يربط الطرفين إلى الجهة التي تتولى النقل.

هذه النقطة تمنح أسماء الأفراد أهمية تتجاوز كونها مجرد إدراجات على قائمة عقوبات. فسيد أصغر علي زاده طباطبائي يمثل حلقة التنسيق في الخارج، وعلي فتوات أحمدي يرتبط بإدارة عمليات الشراء، بينما يظهر وسيم باشا تجمل في موقع الوسيط التجاري. أما لي فين وبريسا لالي فتظهران في أدوار مرتبطة بتسهيل العمليات وتوفير الخدمات اللازمة لها.

المعركة على القدرات

تنقل هذه المقاربة المواجهة الاقتصادية إلى مساحة أكثر تعقيداً. المسألة بالنسبة إلى إيران ليست فقط المحافظة على ما لديها من أسلحة، وإنما ضمان استمرار دورة تبدأ بالمكوّن وتنتهي بالقدرة العسكرية، مروراً بالتمويل والشراء والنقل وإعادة التصدير.

الإجراءات الجديدة لن تحد بدرجة كبيرة من قدرة إيران الحالية على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة في مضيق هرمز. ويعكس هذا التقييم الفرق بين التأثير في القدرات القائمة وبين إبطاء عملية تعويضها.

لهذا ستقاس فعالية هذه السياسة بقدرتها على إبطاء دورة التوريد، وليس بعدد الأشخاص والشركات المدرجة في اللوائح. فإذا تمكنت طهران من استبدال المورد والوسيط ومسار النقل بسرعة، يبقى أثر العقوبات محدوداً، أما إذا أصبحت البدائل نفسها عرضة للملاحقة قبل أن تستقر، فإن إعادة بناء القدرات تصبح أطول وأكثر كلفة.

وتشير الإجراءات الجديدة إلى أن واشنطن تحاول تغيير طبيعة الضغط على إيران: من استهداف ما تملكه طهران إلى تعطيل الشروط التي تسمح لها باستعادة ما تخسره. ومع استمرار المواجهة والاتصالات غير المباشرة في الوقت نفسه، تتحول قدرة إيران على تأمين مكونات جديدة والمحافظة على دورة إنتاجها إلى أحد الاختبارات العملية للمرحلة المقبلة.