في اليوم الذي صوّت فيه البرلمان الإندونيسي على واحد من أوسع قوانين الإصلاح الزراعي في البلاد، كان بإمكان السكان الأصليين أن يعتبروا الأمر انتصاراً متأخراً جداً. القانون الجديد جاء ليعبر عن مطالبهم تقريباً: حماية الأراضي العرفية، استعادة الحقوق، إعادة توزيع الأرض، حل النزاعات القديمة، ومنع استيلاء السلطات المحلية أُحادياً على أراضٍ ترتبط تاريخياً بالمجتمعات الأصلية.
لكن بعد أقل من يوم، جاء الرد من تحالف الشعوب الأصلية في الأرخبيل (AMAN) بصيغة مختلفة: جيد أن تحمي الدولة الأرض، لكن ماذا عن القانون الذي يعترف بصورة كاملة بأصحاب هذه الأراضي.
في 22 سبتمبر/أيلول، أقر مجلس النواب قانون تنظيم الإصلاح الزراعي بعد موافقة جميع الكتل البرلمانية، منهياً مساراً تشريعياً سريعاً وضع النزاعات على الأرض وعدم المساواة في الملكية ضمن أولويات القانون الجديد.
الاعتراف بأصحاب الأرض يتعثر
وبعد ساعات، طالب ممثلو المجتمعات الأصلية البرلمان بأن يظهر الحماس نفسه تجاه مشروع قانون الشعوب الأصلية، الذي تقول AMAN إنه ظل يتنقل داخل المؤسسة التشريعية منذ نحو عشرين عاماً من دون أن يصل إلى خط النهاية.
المفارقة لا تعني أن السكان الأصليين في إندونيسيا بلا حقوق قانونية اليوم. الدستور نفسه يعترف بالمجتمعات “العرفية” وحقوقها التقليدية، والمحكمة الدستورية قررت منذ 2013 أن الغابات العرفية ليست جزءاً من غابات الدولة، فيما أصدرت الحكومة لوائح تسمح بتسجيل الأراضي الجماعية واتخذت خطوات للاعتراف بغابات عرفية في عشرات المناطق. لكن هذا الاعتراف موزع بين منظومات قانونية وإدارية مختلفة، ويظل في كثير من الأحيان مرتبطاً بإجراءات إثبات وقرارات حكومات محلية وخرائط وحدود وتعريفات تختلف من قطاع إلى آخر.
هنا تقع العقدة التي يعيد القانون الجديد فتحها: إندونيسيا بدأت تبني نظاماً أقوى لحماية الأرض، بينما تعريف الجماعة التي تملك الحق التاريخي فيها ما زال ينتظر مظلة قانونية موحدة.
الأرض أولاً
تتعامل النسخة التي اتفق عليها البرلمان والحكومة، وتضم 53 مادة موزعة على 14 باباً، مع الإصلاح الزراعي باعتباره أكثر من عملية توزيع قطع أرض على الفلاحين، فهو يسمح بمعالجة نزاعات ناتجة عن قرارات حكومية أو تداخل التراخيص أو الامتيازات الواسعة، ويتحدث عن استعادة الحقوق وإعادة توزيع الأراضي والحدّ من تركز الملكية، إلى جانب إنشاء مؤسسة للإصلاح الزراعي تتبع مباشرة للرئيس وتمتلك صلاحيات في التخطيط والتنفيذ والرقابة وحل النزاعات.
وضعت الصياغة السكان الأصليين صراحة ضمن الفئات المستفيدة، إلى جانب صغار المزارعين والعمال الزراعيين والصيادين والنساء والفقراء والفئات المهمشة. والأهم أنها تتحدث عن حماية tanah ulayat، أي الأراضي الجماعية العرفية التي ترتبط بحقوق مجتمع تقليدي وليس بملكية فرد واحد، من الاستحواذ الأحادي، بما في ذلك الحكومات المحلية.
يقول المشرعون إن القانون يفترض ألا يكتفي بالوساطة بين طرفين متنازعين، بل يسمح بمراجعة قرارات وتراخيص وهياكل ملكية أنتجت النزاع من الأصل.
بالنسبة إلى بلد بحجم إندونيسيا، هذه ليست مسألة تقنية. فقد ظل توزيع الأرض واحداً من أكثر مصادر النزاع الاجتماعي والسياسي تعقيداً، خصوصاً حين تتقاطع مناطق الغابات والتعدين وزراعة النخيل والمشروعات الحكومية مع أراضٍ تقول المجتمعات الأصلية إنها تعيش فيها وتديرها منذ أجيال.
تشير بيانات سبق أن استشهد بها مسؤولون إندونيسيون إلى درجة هائلة من التركز في الملكية؛ وفي 2025 قال وزير الشؤون الزراعية إن نحو 60 عائلة تسيطر على 48% من 56 مليون هكتار مسجلة للبناء أو الزراعة، بينما كانت وكالة الأراضي الوطنية قد قدرت في 2022 أن 1% من السكان يسيطرون على نحو 58% من الأراضي المسجلة بمختلف فئاتها.
لكن بالنسبة إلى المجتمعات الأصلية، لا يبدأ النزاع من سؤال توزيع الأرض فقط، بل من سؤال أسبق: من الذي تعترف به الدولة بوصفه صاحب الحق الجماعي فيها؟
قانونان ومساران
في مايو/أيار الماضي، ذهب وفد من اللجنة التشريعية في البرلمان إلى بالي لجمع الآراء بشأن مشروع قانون الشعوب الأصلية. يومها قال نواب وممثلون عن المجتمعات المحلية إن المشروع ينتظر منذ قرابة عشرين عاماً، وإنه يفترض أن ينظم الاعتراف الرسمي بالمجتمعات الأصلية ووضعها القانوني وحقوقها الجماعية وآليات حمايتها وتمكينها. وبعد إقرار قانون الإصلاح الزراعي أخيراً، عادت AMAN إلى النقطة نفسها: إذا استطاع البرلمان إنهاء قانون الأرض، فلماذا يستمر تأجيل القانون الذي يحدد بصورة شاملة حقوق الجماعات التي تسكن جزءاً كبيراً من هذه الأرض؟
المعضلة ليست نظرية. ففي النظام الحالي، يستطيع مجتمع أصلي أن يكون معروفاً اجتماعياً وله تاريخ وحدود واضحة، لكنه يحتاج في حالات كثيرة إلى المرور بإجراءات إدارية متعددة حتى يصبح اعتراف الدولة قابلاً للاستخدام أمام وزارة أو محكمة أو شركة. وقد حاولت الحكومة تقليص بعض هذه الفجوات؛ فاللوائح الخاصة بالأراضي العرفية تسمح بإدخالها في نظام الإدارة العقارية حتى قبل استكمال بعض أشكال الاعتراف المحلي، كما تعمل وزارة الثقافة مع AMAN وهيئة تسجيل الأراضي العرفية على إنشاء قاعدة بيانات موحدة للمجتمعات الأصلية.
وفي قطاع الغابات، تقول وزارة الغابات إنها اعترفت حتى يوليو/تموز 2026 بنحو 368,877 هكتاراً من الغابات العرفية تعود إلى 174 مجتمعاً، يستفيد منها قرابة 92,955 أسرة، ووضعت خريطة طريق للوصول إلى 1.4 مليون هكتار بحلول 2029. هذه أرقام تُظهر أن الاعتراف يتحرك فعلاً، لكنها تبيّن في الوقت نفسه مقدار العمل المتبقي في بلد يمتد عبر آلاف الجزر وتعيش فيه أعداد كبيرة من المجتمعات التي تعرف نفسها باعتبارها مجتمعات أصلية أو عرفية.
لهذا لا تقول AMAN إن قانون الإصلاح الزراعي بلا قيمة. على العكس، رحبت قيادات محلية في التحالف بإقراره، لكنها اعتبرته سبباً إضافياً لإنهاء انتظار مشروع قانون الشعوب الأصلية. القانون الأول يستطيع معالجة الأرض باعتبارها موضوع نزاع وملكية وإعادة توزيع؛ أما الثاني فيفترض أن يعالج المجتمع نفسه بوصفه صاحب هوية جماعية وحقوق تقليدية تشمل الأرض والثقافة والمؤسسات المحلية وطريقة إدارة الموارد.
حين تتحول الأرض إلى قضية جنائية
خطورة الفراغ بين المسارين تظهر عندما لا يبقى النزاع إدارياً. ففي تقرير صدر في يوليو الماضي، وثّقت “هيومن رايتس ووتش” حالات قالت فيها إن قادة من مجتمعات أصلية ومدافعين عن البيئة تعرضوا للملاحقة الجنائية بعد احتجاجهم على إزالة الغابات أو التلوث أو فقدان الأراضي العرفية. وخلص التقرير إلى أن الشرطة تعاملت في حالات مع شكاوى شركات أو مسؤولين بطريقة حولت صراعاً على الأرض إلى اتهامات جنائية ضد السكان الذين يدافعون عنها.
وتقول AMAN إن عام 2025 شهد 135 حالة مرتبطة بنزاعات استحوذت على نحو 3.8 ملايين هكتار من الأراضي العرفية أو أثرت في 109 مجتمعات، وإن 162 شخصاً من السكان الأصليين تعرضوا للعنف أو التجريم، بينما تقع أكثر من 7.3 ملايين هكتار من الأراضي التي تعتبرها المجتمعات عرفية داخل امتيازات للتعدين والزراعة وقطع الأخشاب. هذه بيانات صادرة عن التحالف نفسه وليست إحصاءً حكومياً مستقلاً، لكنها تشرح لماذا لا تنظر الحركة الأصلية إلى مسألة الاعتراف باعتبارها رمزاً ثقافياً فقط.
بالنسبة إلى هذه المجتمعات، الاعتراف القانوني يمكن أن يحدد من يدخل المفاوضات مع شركة، ومن يوافق على مشروع، ومن يستطيع الاعتراض أمام المحكمة، وما إذا كان دفاع السكان عن أرض يستخدمونها منذ أجيال سيُنظر إليه باعتباره ممارسة لحق جماعي أم تعدياً على ملكية مسجلة باسم طرف آخر.
قانون يحمي الأرض
لهذا يحمل قانون الإصلاح الزراعي الجديد وعداً حقيقياً واختباراً حقيقياً في الوقت نفسه. فإذا استطاعت المؤسسة الجديدة التابعة للرئيس مراجعة التراخيص وحل النزاعات وإعادة الأراضي وحماية الملكية العرفية، فقد تمنح المجتمعات المحلية أدوات أقوى مما كان لديها. لكن نجاح ذلك سيظل مرتبطاً بالسؤال الذي طرحه السكان الأصليون في اليوم التالي لإقرار القانون: هل ستكتفي الدولة بإدارة حقوقهم من خلال قوانين قطاعية متفرقة، أم ستمنحهم أخيراً الإطار القانوني الشامل الذي يحدد مكانهم داخل الدولة قبل أن يضطروا في كل نزاع جديد إلى إثبات وجودهم مرة أخرى؟
قبل ثلاثة عشر عاماً، قالت المحكمة الدستورية الإندونيسية إن الغابة العرفية ليست غابة للدولة. واليوم يقول قانون جديد إن الأرض العرفية يجب أن تكون محمية من الاستحواذ الأحادي. وبين الحكم والقانون الجديد قطعت إندونيسيا مسافة واضحة في الاعتراف بالأرض. لكن سؤال أصحاب الأرض ما زال مفتوحاً.
وهذه هي المفارقة التي اختصرها اعتراض AMAN بعد تصويت البرلمان: تستطيع الدولة أن ترسم حدود الأرض على الخريطة، وتعيد توزيعها، وتسجلها وتحميها من الاستيلاء؛ لكن طالما بقي القانون الشامل للسكان الأصليين عالقاً، سيظل على بعض أصحاب تلك الأرض أن يخوضوا معركة أخرى لإثبات أنهم أصحابها أصلاً.









