تفتح أستراليا فصلاً جديداً في التعامل مع شبكات الإسلام السياسي، بعدما انتقل النقاش من حدود مراقبة الخطاب المتطرف إلى البحث في البنية التنظيمية والمؤسساتية التي تسمح لبعض الحركات الأيديولوجية بالعمل والتوسع داخل المجتمع. ويأتي “الإخوان المسلمون” في مقدمة هذا النقاش، ليس باعتبارهم مجرّد جماعة دينية، بل لأنهم حركة سياسية عابرة للحدود بنت على مدى عقود منظومة من العلاقات والواجهات والأنشطة التي يصعب اختزالها في هيكل تنظيمي معلن.
جاءت الدعوات إلى حظر الجماعة في أستراليا في ظل تصاعد النقاش السياسي والأمني حول نشاط شبكات الإسلام السياسي وتأثيرها داخل المجتمع. ودعا حزب “الأسرة أولاً”، الحكومة الفيدرالية إلى حظر “جماعة الإخوان المسلمين”، وفتح تحقيق في شبكاتها والجهات المرتبطة بها ونفوذها داخل البلاد، مستنداً إلى الطرح الذي قدمه المؤرخ البريطاني اللورد أندرو روبرتس خلال محاضرة ألقاها في سيدني، طالب فيها الحكومات بالتعامل مع الشبكات المرتبطة بـ”الإخوان”، بما في ذلك الشركات والجمعيات والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام، باعتبارها منظومة نفوذ مترابطة تستوجب الفحص، وليس كيانات منفصلة ينبغي النظر إلى كل منها بمعزل عن الأخرى.
من الخطاب إلى منظومة النفوذ
المشكلة الأساس التي تواجهها أستراليا لا تتعلق فقط بإمكانية العثور على أعضاء معلنين في تنظيم مركزي، بل بقدرة الإسلام السياسي على العمل عبر مساحات مؤسساتية واجتماعية متعددة. وهذه النقطة تحديداً تجعل التعامل مع “الإخوان” أكثر تعقيداً من التعامل مع جماعة تظهر بصورة مباشرة في بنيتها وأهدافها.
تستطيع الشبكات الأيديولوجية، عندما تتوافر لها البيئة المناسبة، التحرك عبر جمعيات ومراكز ومبادرات مجتمعية، واستثمار العمل الخيري والتعليمي والإعلامي لبناء حضور طويل الأمد. ولا تكمن الخطورة في النشاط المدني بحد ذاته، بل في احتمال تحويل المؤسسات المدنية إلى أدوات لإنتاج النفوذ السياسي أو إعادة تدوير خطاب أيديولوجي مغلق.
وتشير دراسة نشرها مركز الدراسات المستقلة في يناير/كانون الثاني الماضي إلى وجود مصادر متعددة لـ”معاداة السامية” والتطرف داخل أستراليا، وتضع التيارات الإسلامية الأصولية، ومن بينها “الإخوان المسلمون” و”حزب التحرير”، ضمن مصادر تستحق التحقيق والمواجهة. كما تشير الدراسة إلى وجود حالات تعاون وأوجه تقاطع بين بعض الحركات التقدمية وجماعات إسلامية أصولية في بعض حملات الاحتجاج المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط.
وهذه ليست مجرد مسألة تتعلق بخلافات سياسية حول الشرق الأوسط؛ فحين يتحول الخطاب الأيديولوجي إلى أداة لتقسيم المجتمع على أساس ديني أو عرقي، يصبح تأثيره مباشراً على التماسك الاجتماعي وعلى قدرة الدولة على حماية مواطنيها من التحريض والكراهية.
البيئة القانونية تتغير تدريجاً
تكتسب هذه التطورات أهمية أكبر لأن أستراليا نفسها أعادت خلال عام 2026 صياغة بعض أدواتها القانونية لمواجهة الكراهية والتطرف. ففي يناير أقرّ البرلمان حزمة تشريعية جديدة أنشأت إطاراً يسمح للحكومة بإدراج منظمات متورطة في جرائم الكراهية ضمن فئة “الجماعات المحظورة بسبب الكراهية”، إلى جانب تجريم مجموعة من أشكال العضوية والتجنيد والتمويل والتدريب وتقديم الدعم لتلك الجماعات.
وفي خطوة تعكس تشدد الإطار القانوني الأسترالي في التعامل مع التنظيمات الأيديولوجية، أدرجت الحكومة الأسترالية “حزب التحرير” ضمن الجماعات المحظورة بموجب هذا الإطار القانوني، مستندة إلى معلومات سرية وغير سرية قدمتها الأجهزة المعنية. ووصفت السلطات الأسترالية الحزب بأنه تنظيم سياسي إسلامي عابر للحدود يقوم على رؤية تتعارض مع مبادئ النظام الديمقراطي العلماني، في خطوة وسّعت نطاق الأدوات القانونية المتاحة للدولة لمواجهة التنظيمات التي ترى أنها تمثل مصدراً للكراهية أو تهديداً للتماسك الاجتماعي.
لم يتوقف الأمر عند القرار التنفيذي؛ فقد راجعت اللجنة البرلمانية المشتركة للاستخبارات والأمن الإدراج، ثم أعلنت في مايو/أيار دعمها له، معتبرة أن التنظيم استوفى المعايير القانونية للإدراج، وأنه دعا إلى سلوك يشكل جرائم كراهية ضد أستراليين.
هذا التطور مهم في ملف “الإخوان” تحديداً، لأنه يضع أمام الحكومة سؤالاً مختلفاً: هل ينبغي انتظار ارتباط مباشر بين جماعة سياسية وبين عمل عنيف، أم يمكن التعامل أيضاً مع البنية الأيديولوجية وشبكات التحريض والتجنيد والتمويل عندما تتوافر الأدلة القانونية اللازمة؟
ما وراء الواجهات المدنية
تزداد خطورة شبكات الإسلام السياسي عندما تنجح في تقديم نفسها بوصفها ممثلاً حصرياً للمجتمعات المسلمة أمام الدولة والإعلام والمؤسسات العامة. فهذه المعادلة تمنح التنظيمات الأيديولوجية قدرة على احتكار التمثيل، وتدفع المسؤولين إلى التعامل مع جهات محددة باعتبارها الناطق الطبيعي باسم ملايين المسلمين، على الرغم من أن المجتمعات المسلمة نفسها شديدة التنوع ولا تختزل في حركة سياسية واحدة.
والأخطر أن هذا النوع من النفوذ يمكن أن ينتقل من المجال الديني إلى التعليم والشباب والعمل العام. لذلك ركزت الدعوات الأسترالية الأخيرة على التحقيق في الشبكات والجهات المرتبطة بها، والتمويل، ومجالات التأثير ، وليس فقط على اسم التنظيم. وهذا هو التحول الحقيقي في النقاش.
المواجهة الفعالة لا تبدأ وتنتهي بحظر اسم على لائحة حكومية، بل تتطلب معرفة من يموّل، ومن يدير، ومن يجنّد، ومن ينتج الخطاب، ومن يوفر المنابر، ومن يحول المؤسسات الاجتماعية إلى قنوات لإعادة إنتاج الأيديولوجيا.
في هذا السياق، دعا روبرتس، وفق البيان الذي نشره حزب “الأسرة أولاً”، إلى تشديد الرقابة على الدعاية المتطرفة والتأثير والتمويل الخارجي، والتعامل بصورة أكثر صرامة مع التحريض على العنف، إضافة إلى التدقيق في المناهج الدراسية في المدارس الإسلامية لضمان عدم تمرير خطاب معاد للسامية.
اختبار أستراليا الحقيقي
تجد حكومة أنتوني ألبانيز نفسها أمام اختبار يتجاوز قرار حظر جماعة بعينها. فالسؤال الحقيقي هو ما إذا كانت أستراليا ستواصل التعامل مع الإسلام السياسي من خلال ردود أمنية متفرقة، أم ستنتقل إلى تفكيك البيئة التي تسمح للشبكات الأيديولوجية ببناء نفوذ طويل الأمد.
وقد أظهرت تجربة “حزب التحرير” أن الدولة الأسترالية باتت تملك أدوات قانونية جديدة للتعامل مع الجماعات التي ترى أنها تنشر الكراهية أو تهدد التماسك الاجتماعي. لكن نقل هذه الأدوات إلى ملف “الإخوان المسلمين” يتطلب أدلة مستقلة ومحددة تثبت طبيعة العلاقة بين التنظيم الأم وأي كيانات أو أفراد يعملون داخل أستراليا، لأن التشابه الأيديولوجي وحده لا يشكل إثباتاً قانونياً.
المعركة، إذن، ليست بين أستراليا والإسلام، ولا بين الدولة والجالية المسلمة. إنها مواجهة مع نموذج سياسي يوظف الدين لبناء نفوذ عابر للحدود، ويستفيد من المؤسسات المدنية والاجتماعية لتوسيع حضوره، ثم يحاول تقديم هذا النفوذ باعتباره تمثيلاً طبيعياً للمجتمع المسلم.
هنا تكمن أهمية اللحظة الأسترالية الجديدة: فكلما انتقلت الدولة من مراقبة الشعارات إلى تتبع الشبكات والتمويل والمؤسسات ومصادر التأثير، تتقلص المساحة التي تستطيع الحركات الأيديولوجية استخدامها للاختباء خلف الواجهات المدنية. وبالنسبة إلى “الإخوان المسلمين” وشبكات الإسلام السياسي المشابهة، فإن هذا التحول يعني أن الاختبار المقبل لن يكون في قدرتها على الحفاظ على خطاب مقبول علناً، بل في قدرتها على تفسير بنيتها وعلاقاتها ومصادر نفوذها أمام أجهزة دولة أصبحت أكثر استعداداً للنظر فيما وراء الواجهة.















