طيلة شهر سبتمبر/أيلول، يحتفي المعهد الفرنسي بالجزائر بمئوية الأديب جان سيناك، الذي ارتبط اسمه بالثورة الجزائرية، من خلال أنشطة في مختلف مدن البلاد، نكتشف فيها سيرة شاعر وناقد وصحافي وإذاعي، اختار الجزائر وطناً، ودفع في سبيل ذلك أثماناً مهنية وسياسية، لكنه ظل وفياً لهذا الاختيار حتى نهاية حياته.
ولد جان سيناك في بني صاف سنة 1926، من أم ذات أصول إسبانية وأب لم يعرفه، ومنذ بداياته الأدبية ظل سؤال الانتماء حاضراً في تجربته، قبل أن يتحول تدريجياً إلى موقف معلن من “الجزائر الفرنسية”، ومن الأدب الذي كان يرى أنه بدأ يتشكل خارج التصنيفات التي فرضها الاستعمار.
سيناك لم يكن يربط صفة “الكاتب الجزائري” بالأصل أو باللغة، بل بالاختيار: “الكاتب الجزائري هو كل كاتب اتخذ نهائياً الجزائر وطناً”. لكن المفارقة أن هذا الرجل الذي اختار الجزائر وطناً لم يحصل على جنسيتها في حياته، على الرغم من تقدمه بأكثر من طلب، إذ ظل ملف تجنيسه يراوح مكانه، وتؤكد وثائق إدارية مؤرخة في مارس/آذار 1973 أن الملف كان ما يزال “قيد الدرس” حين وافته المنية في نفس العام.
التعريف بالأدب الجزائري
منذ خمسينيات القرن العشرين، أصبح سيناك اسماً بارزاً في المشهد الأدبي الجزائري، وربط علاقات مع كتاب مرموقين مثل مولود فرعون ومحمد ديب ومولود معمري وكاتب ياسين وغيرهم، كما سعى من خلال المجلات التي أسسها أو شارك فيها إلى فتح مساحة مشتركة بين الكتّاب الجزائريين والكتّاب الأوروبيين المرتبطين بالجزائر.
من بين المجلات التي أطلقها، “شمس” التي صدرت بين 1950 و 1952، ثم مجلة “شرفة” التي ظهرت العام 1953 في محاولة لابتكار فضاء أدبي يعكس التعدد الثقافي في الجزائر، ويمنح لأدبها موقعاً يتجاوز التصنيف الاستعماري.
في 1954 صدر ديوانه الأول “قصائد” عن دار “غاليمار”، بمقدمة من توقيع الشاعر الفرنسي الكبير روني شار، ثم توالت أعماله الأدبية، منها: “الشمس تحت الأسلحة” سنة 1957، و”صباحية شعبي” سنة 1961، ثم “مواطنو الجمال” سنة 1967، و”الأجساد الأمامية” سنة 1968، وصولاً إلى “مختارات من الشعر الجزائري الجديد” سنة 1971. وكلها أعمال أسهمت في بلورة المشروع الشعري والثقافي لجان سيناك، والتعريف بالأدب الجزائري وأصواته الجديدة، وقتها.
ثمن مهني مباشر!
بدأ التحول السياسي في تجربة سيناك قبل اندلاع الثورة الجزائرية. في مستهل الخمسينيات، كان الشاعر يقدم برنامجاً في إذاعة الجزائر، وفي يونيو/حزيران 1954، خصص إحدى حلقاته للحديث عن مولود معمري، بمناسبة صدور روايته “الربوة المنسية”. خلال تلك الفقرة الإذاعية، استعمل سيناك عبارة “الوطن الجزائري”، في وقت كان فيه الحديث عن “جزائر جزائرية” ممنوعاً، ما تسبب له في مشاكل مع السلطات الاستعمارية.
برنار مازو، الذي ألف كتاباً عن سيناك تحت عنوان “سيناك، المتمرد”، يشير إلى أن الشاعر أصبح محل ترصد من طرف أجهزة الأمن الفرنسية، وعند عودته إلى باريس في أغسطس/آب 1954، رفض العودة إلى الإذاعة، رابطاً ذلك بحلقة معمري واستعمال عبارة “الوطن الجزائري”. البرنامج الإذاعي حول رواية مولود معمري، وما ترتب عن استعمال عبارة “الوطن الجزائري”، شكَّل محطة فارقة في مسيرة سيناك، دفعته إلى الانحياز إلى موقف سياسي أكثر وضوحاً.
من التعاطف إلى الانخراط في الثورة
بعد بضعة أشهر من واقعة الإذاعة، اندلعت الثورة الجزائرية في نوفمبر/تشرين الثاني 1954، وانحاز إليها سيناك من دون تردد. في يومياته، التي صدرت في كتاب، يظهر الشاعر حائراً أمام سؤال مصيري: كيف يمكنه أن ينتقل من التعبير عن القضية إلى المشاركة فيها؟ يبدو سيناك متردداً بين أكثر من طريق: هل يلتحق بالأوراس، معقل الثورة، أم يكتفي بالكتابة، أم يذهب إلى القاهرة لحشد الدعم، أو يقدم شهادته حول القضية في الجزائر، أو يساند الثورة من باريس؟ أسئلة تعكس قلقاً داخلياً، انتهى الشاعر بأن حسمه بالانخراط في شبكات الدعم لـ”جبهة التحرير الوطني” في فرنسا.
ويؤكد حميد ناصر خوجة أن نشاط سيناك لم يكن مجرد “تعاطف أدبي”، بل شمل تحركات عملية، مثل مشاركته في طبع صحيفتي “المقاومة الجزائرية” و”المجاهد” في مطبعة مرتبطة بدار نشر “سوبيرفي”، كما تعاون كمحرر صحفي مع جريدة “المجاهد” بين 1957 و1960. ويشكل كتابه “الشمس تحت الأسلحة، عناصر من شعر المقاومة الجزائرية”، الصادر سنة 1957، حلقة من حلقات انخراطه في المعركة الثقافية التي رافقت الثورة، حيث حاول من خلاله تقديم المقاومة الجزائرية من داخل فضائها الشعري والفكري.
وتشير دراسة محمد زعيتري، “جزائرية جان سيناك، من الوعي الاجتماعي إلى التمظهر السياسي” المنشورة في مجلة “العمدة في اللسانيات وتحليل الخطاب” (جامعة محمد بوضياف بالمسيلة، 2021)، إلى أن الانخراط السياسي لسيناك جاء امتداداً لعلاقاته بعدد من الطلبة والمناضلين الجزائريين، من بينهم أحمد طالب الإبراهيمي والعياشي ياكر، وأنه أسهم في الإضرابات عن الطعام وجمع التبرعات والنشاط الإعلامي المرتبط بالثورة. لم يكن سيناك مجرد مثقف متعاطف مع القضية من الخارج، بل جزءاً من شبكات العمل الثقافي والإعلامي التي رافقت الثورة الجزائرية.
بعد الاستقلال
لم يعتبر سيناك أن دوره انتهى بحصول الجزائر على استقلالها، بل رأى في ذلك بداية مرحلة أخرى، تقتضي تأسيس حياة ثقافية جديدة. عاد الشاعر إلى “الوطن الجزائري”، وأصبح من أبرز الوجوه الأدبية في العاصمة، واشتغل على تقريب الشعر من الجمهور، خصوصاً الشباب، من خلال تنشيط عدد من البرامج الإذاعية، من بينها “الشاعر في المدينة” و”الشعر على كل الجبهات”، حيث فتح فضاءً لمجموعة من الأصوات الشعرية الجديدة، وجعل من الإذاعة وسيلة لاكتشاف جيل أدبي في طور التشكل.
بحسب الباحث حميد ناصر خوجة، كان برنامج “الشعر على كل الجبهات” يحظى بمتابعة واسعة لدى الشباب الجزائري، ولم يكن مجرد برنامج إذاعي، بل امتد إلى مجال النشر والتعريف بالشعراء الجزائريين الواعدين.
في 28 أكتوبر/تشرين الأول 1963، انتخب سيناك أميناً عاماً لـ”الاتحاد الوطني للكتاب الجزائريين”، إلى جانب مولود معمري الذي تقلد منصب الرئيس، في هذه المنظمة الجديدة. وفي 1971 جمع سيناك نماذج من الشعر الجزائري في أنطولوجيا سماها: “مختارات من الشعر الجزائري الجديد”، قدم فيها للقراء أسماء لم تكن بعد قد احتلت موقعها الكامل في المشهد الأدبي. هكذا أسهم سيناك، بعد الاستقلال، في التعريف بالأدب الجزائري الجديد وتقديمه إلى الجمهور، كما كان قبل الاستقلال منخرطاً في الدفاع عن حق هذا الأدب في الوجود والتطور.
تكشف سيرة جان سيناك، في النهاية، عن مسار بدأ بسؤال شخصي عن الهوية، وتحول إلى موقف أدبي، ثم إلى انحياز سياسي ومشاركة في العمل الثقافي والإعلامي للثورة، قبل أن يتحول بعد الاستقلال إلى إسهام في بناء الحياة الأدبية الجزائرية. المفارقة أن الشاعر الذي وهب كل حياته للجزائر، مستعمَرة ومستقلة، رحل من دون أن يتمكن من الحصول على جنسيتها!















