رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة ربع نقطة مئوية، في أول زيادة من نوعها منذ ثلاث سنوات، في خطوة تعكس تحولاً واضحاً في معركة البنك المركزي مع التضخم، تضع رئيسه كيفن وارش في مواجهة مباشرة مع الرئيس دونالد ترامب الذي يطالب بخفض تكاليف الاقتراض إلى مستويات متدنية للغاية.
أقرت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة بالإجماع رفع نطاق سعر الفائدة إلى ما بين 3.75% و4%، مؤكدة أن التضخم لا يزال مرتفعاً بما يكفي لتبرير تشديد السياسة النقدية. وقال وارش إن البنك يسعى إلى إعادة التضخم إلى هدفه البالغ 2% في وقت أقرب، مشدداً على أن الأسعار مرتفعة للغاية، وأنها ظلت كذلك لفترة أطول مما ينبغي.
التضخم يعيد الفيدرالي إلى التشديد
القرار جاء بعد بيانات أظهرت استمرار الضغوط السعرية. إذ ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين 3.4% على أساس سنوي في أغسطس، بينما زاد 0.4% على أساس شهري، وارتفع التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، 0.3% خلال الشهر و2.4% سنوياً. كما أسهمت قفزة أسعار البنزين 3.9% في أغسطس، بأكثر من ثلث الزيادة الشهرية في المؤشر العام.
ولا تأتي الضغوط التضخمية من مصدر واحد؛ إذ تشير قراءة المركزي إلى تداخل تأثيرات الرسوم الجمركية، وارتفاع تكاليف الطاقة المرتبطة بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، مع قوة الطلب المحلي وزيادة الإنفاق الرأسمالي المرتبط بطفرة الذكاء الاصطناعي.
ويشير ذلك إلى أن الفيدرالي بات يتعامل مع التضخم باعتباره أكثر رسوخاً مما كان متوقعاً، وليس مجرد موجة مؤقتة ناجمة عن صدمات العرض.
زيادة أخرى تلوح في الأفق
لم يكتف الفيدرالي برفع الفائدة، بل أرسل إشارة أكثر تشدداً إلى الأسواق. وتُظهر توقعات مسؤولي السياسة النقدية أن سعر الفائدة قد يصل إلى ما بين 4% و4.25% بنهاية 2026، ما يعني احتمال زيادة إضافية بمقدار ربع نقطة. ولا يتضمن الجدول المتبقي سوى اجتماعين للسياسة النقدية، في أكتوبر وديسمبر.
وتبدو هذه التوقعات أكثر تشدداً من رهانات المستثمرين السابقة على قرب دورة خفض للفائدة، كما تعكس استعداد الفيدرالي لتحمل تباطؤ نسبي في الاقتصاد إذا كان ذلك ضرورياً لكبح التضخم.
في المقابل، لا يشارك وارش في عملية التوقعات التقليدية لمسار أسعار الفائدة، إذ يرى أن توجيه الأسواق مسبقاً بشأن المسار المستقبلي للسياسة النقدية قد يؤدي إلى نتائج عكسية. ولذلك شدد على ضرورة أن يبقى البنك في مساره، وأن يستند إلى البيانات الاقتصادية لا إلى الضغوط السياسية.
ترامب: اخفضوا الفائدة بسرعة
جاء القرار على النقيض تماماً من مطالب الرئيس الأمريكي ترامب، الذي شن هجوماً جديداً على البنك المركزي. وكتب على منصة “تروث سوشال” أن أسعار الفائدة الأمريكية يجب أن تكون 1% أو أقل، مطالباً بخفضها بسرعة. كما ربط بين تكاليف الاقتراض والعجز التجاري للبلاد، رغم أن العلاقة الاقتصادية المباشرة بين المتغيرين محدودة. وقال: “نحمل على عاتقنا أعباء كل دولة في العالم تقريباً، وهذا الوضع لا يمكن أن يستمر أكثر من ذلك”.
وفي تصريحات لاحقة، أكد ترامب أنه لا يزال يثق بوارش، لكنه اتهم مجلس الفيدرالي بأنه “عدائي” وأنه يرفع الفائدة لأسباب سياسية تستهدف إدارته. كما انتقد البيت الأبيض القرار، معتبراً أنه لا يستند إلى مبررات اقتصادية مقنعة.
تعيد المواجهة إلى العلن الجدل حول استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، بعدما مارس ترامب خلال ولايته الأولى ضغوطاً علنية على جيروم باول لدفعه نحو خفض الفائدة. واختار ترامب وارش خلفاً لباول في ولايته الثانية، وسط توقعات واضحة من الرئيس بأن يتبنى سياسة نقدية أكثر تيسيراً.
لكن التضخم فرض على وارش، منذ توليه المنصب في الربيع، اختباراً مبكراً لاستقلالية البنك المركزي.
الأسواق هي الضحية
انعكس القرار سريعاً على الأسواق؛ إذ تراجعت الأسهم الأمريكية، وانخفض مؤشر “إس آند بي” بنحو 0.5%، بينما ارتفع الدولار، وصعدت عوائد سندات الخزانة.
وتكمن أهمية رفع الفائدة في أنه يزيد تكلفة الاقتراض على الأسر والشركات، ويحد من الطلب والاستثمار، بما يساعد تدريجياً على تخفيف ضغوط الأسعار. لكن هذه الأداة لا تستطيع معالجة صدمات الطاقة أو اضطرابات الإمدادات الناجمة عن الحرب، ما يجعل مهمة الفيدرالي أكثر تعقيداً.
معركة اقتصادية قبل الانتخابات
يتجاوز الخلاف حدود السياسة النقدية ليصل إلى الاقتصاد والسياسة معاً. فارتفاع أسعار الوقود والرهون العقارية وتكاليف الاقتراض يضغط على القدرة الشرائية للأمريكيين، وهي قضية حساسة قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
وكان المستشار الاقتصادي لترامب، كيفن هاسيت، قد دعا الفيدرالي إلى عدم اتخاذ خطوات قبل الانتخابات حفاظاً على استقلاليته، مؤكداً أن الإدارة لا ترى سبباً لرفع الفائدة. كما هدد ترامب في وقت سابق بقطع العلاقات التجارية مع دول معينة إذا لم يخفض البنك المركزي أسعار الفائدة.
وبذلك يجد الفيدرالي نفسه أمام معادلة صعبة، خفض الفائدة قد يفاقم التضخم، بينما استمرار رفعها يرفع كلفة الاقتراض ويضغط على النشاط الاقتصادي والأسواق. وفي ظل استمرار التضخم فوق الهدف بأكثر من نقطة مئوية، اختار وارش حتى الآن أولوية استقرار الأسعار، واضعاً استقلالية السياسة النقدية أمام اختبار سياسي واقتصادي بالغ الحساسية.












