أدبنا القديم والمعاصر مليء، حدّ التخمة، بنصوص تمدح الفلاح والريف والبداوة، باعتبارها مصدر الشهامة والكرم والشجاعة والضيافة والتحلي بالأخلاق الحسنة، وما إلى ذلك من تقريض فائض بالقيم المثالية العالية، والتي تضمّنتها نصوص شعرية ونثرية سردية يتم تداولها في البرامج المدرسية، نصوص كلاسيكية أو حداثية.
كما أن حركة التحرر والثورة الجزائرية قادها فلاحون، وتأسست على قاعدة ريفية غالبة، ولا أحد من المؤرخين ينكر بأن الفلاحين كانوا وقود الثورة الأول، وهذا الواقع التاريخي الديموغرافي والجغرافي خلّف لنا خطابًا سياسيًا ممجدًا للفلاح والريف، حتى لامس سقف الملائكية وطبع بالبطولة الخرافية.
وبعد الاستقلال، كان الريف والفلاح هو محور جميع البرامج الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، ليس في الجزائر فقط، بل في كثير من البلدان العربية وبلدان شمال إفريقيا. وهذا الاهتمام بالريف من قبل الطبقة السياسية، التي هي نفسها ريفية الأصول، كان يريد أن يرد بعض الدين للفلاح، ويرفع بعض الغبن عن الريف، الذي عاش حياة قاسية في ظل الاستعمار الفرنسي.
لكن بقدر ما كان مشروع بناء الدولة الوطنية الجديدة يتكرس على مستوى المؤسسات، كانت تتأسس معه عقلية ريفية داخل أجهزة الدولة المختلفة.
وهنا يبدأ مشروع “ترييف” الدولة و”ترييف” الحياة برمتها، وقد صاحب هذا “الترييف” خطاب سياسي وثقافي وديني وإعلامي شكل الإسمنت الأيديولوجي لهذه العملية. وبدأ “ترييف” المدينة يتجلى بشكل واضح، وتراجعت “الحواضر” التي كانت متميزة بلغتها وعاداتها وفنونها وحِرفها وكل ما يميز إيقاع اليومي فيها.
وأمام هذا الخطاب المُعمم والمُمجد، بدت عملية “الترييف” وكأنها هي المنقذ من الضلال السياسي والاقتصادي والأيديولوجي، وهي الحامية لكل القيم السامية والأخلاق العالية. وهكذا زحف الريف على المدينة بشكل سريع ومتسارع وغير متحكم فيه، تارة عن طريق النزوح الجماعي الذي عرفته جميع المدن، دون استثناء، عقب خروج الأوروبيين منها، وبالأساس في السنوات الأولى للاستقلال، وتارة عن طريق النخب الريفية، التي تموقعت في المؤسسات الحساسة، في الاقتصاد والتربية والتعليم والسياسة والثقافة والإعلام.
ما في ذلك شك، فالعقلية الريفية ليست حالة سلبية بالمطلق وليست حالة إيجابية بالمطلق أيضًا، إنها خليط من هذا وذاك. العقلية الريفية تصبح حالة سلبية حين تغير جغرافيتها البشرية والحضارية الطبيعية، أي الريف، وترحل إلى فضاء آخر، أي المدينة.
إن ما قد يكون إيجابيًا في مرحلة معينة، قد يصبح سلبيًا في مرحلة لاحقة، وهو ما حدث في طبيعة تطور الفضاء المديني في الجزائر.
والتعاطف الرومانسي مع العقلية الريفية ومع البداوة هو ناتج من كون غالبية المثقفين والمبدعين لهم جذور في شجرة البداوة، أي هناك لاوعي نائم في ذواتها، لا يكاد يغفو حتى يصحو ثانية.
والعقلية الريفية هي نظام حياة ومخيال جمعي متكامل، وُلد من رحم وسائل إنتاج ريفية معينة في العمل والمبادلات التجارية وطبيعة العلاقة بالأرض، والمحافظة على العرق، والعلاقة بالمرأة، وهي نظام فكري كامل أيضًا، بمعنى آخر هي عقل يتحكم في عالم مُسيّج بذاكرة وأحلام وحاضر.
وكلما كانت العقلية الريفية داخل حدود جغرافيتها الحضارية والبشرية يسودها قاموس وأخلاق ومصفوفة من الرموز الدينية والأسطورية والشعبية، تكون خلاقة وإيجابية، لكنها حين تغادر فضاءها الحميمي، أي تنتقل إلى فضاء مديني، فإنها تتحول إلى مأزق اجتماعي خاصة حين تكون الدولة الوطنية في طور التأسيس، وتقود عملية التأسيس هذه طبقة سياسية ريفية أيضًا.
إضافة إلى الطبقة السياسية الريفية، والتي كانت بمستوى ثقافي وتعليمي محدود، تلك التي قادت مرحلة الثورة ومرحلة بناء الدولة الوطنية، فقد سحب المثقفون ذوو الأصول الريفية كثيرًا من ريفيتهم إلى المدينة، ولأنهم كانوا الأكثرية الساحقة، فبدلًا من أن يتأثروا بالمدينة، تأثرت المدينة بهم، وهكذا تم اختراق المدينة بكل ما يشترط أن تكون عليه من قيم وأخلاق ونظام إداري وعلاقات مع الآخر ومع المرأة ومع الجار ومع الغريب.
كان للمثقف ذو الأصول الريفية صورة محددة عن المدينة، فهي فضاء الثراء، فضاء المغامرة، فضاء السلطة، وهي مختلفة عن فضاء الريف، لها كوداتها في الخطاب والسلوك الاجتماعي، ولأن هذه الكودات معقدة، بدلًا من فك رموزها فقد تم تغييرها بكودات ريفية جديدة، وبالتالي خُلق واقع “مُريّف” داخل مدينة أوروبية، وقد تمت عملية الإبدال هذه في حس يشبه حالة الانتقام من المدينة والتلذذ بتكسيرها.
كنا صغارًا، حين نستعد للذهاب إلى المدينة نغسل أرجلنا ووجوهنا، وتمشط لنا أمهاتنا شعر رؤوسنا، ونلبس أفضل ما عندنا على بساطته، وكان المشي في شوارع المدينة يمنحك شعورًا غريبًا، فيه الخشية والهيبة والاحترام.
لكن الهجرات المكثفة من الريف إلى المدينة، خلقت نوعًا من حالة الهجنة في الحياة على الطرفين، في المدينة كما في الريف. لقد تريّفت المدينة وتمدن الريف بطريقة مسخ كبيرة.
لقد أسقط المثقف الريفي مدنية المدينة ولم يؤسس لبديل حضاري متميز، فبمجرد أن تموقع في الإدارة، أدخل عليها شيئًا فشيئًا من عقليته الريفية في التعامل الممطط مع الوقت ومع التنظيم والنظام والمواعيد، وبعد فترة زمنية تحولت الإدارة التي كانت ذات تقاليد أوروبية، من سجلات الحالة المدينة إلى العمران إلى الساحات العمومية إلى النقل، إلى إدارة “عثمانية” مرتبكة وفوضوية.
ولاحقًا، حين دخل المثقف ذو الأصول الريفية ميدان السياسة، بحثًا عن السلطة، حولها إلى فضاء تسوده العقلية الفروسية، تحول التنافس الحزبي السياسي إلى سباق خيل، والخطابات السياسية التي تقوم على المشاريع الاجتماعية تحولت إلى مدح أو ذم أو رثاء أو انتقام.
وحين زحف على المدرسة، أخرجها من طبيعتها العلمية والبيداغوجية، وحولها إلى منبر للدعاية والدعوة، وأُفرغت المدرسة من بُعدها في صناعة المواطن الصالح إلى صناعة فرد بدون هدف أو مؤمن ساذج ومبرمج.
وبمجرد أن وضعت العقلية الريفية يدها المطلقة على المدينة، تراجع حضور المرأة الإيجابي، بوصفها كيانًا مستقلًا وحرًا، قد يبدو لنا بأن هناك حضورًا أنثويًا مكثفًا، إلا أننا حين ندقق الرؤية، نجد بأن هناك عقلية ذكورية ريفية تتعامل مع المرأة من باب “التصغير” و”التحقير”. وهذا ما نلاحظه بشكل جلي في الخطاب الذي يطبع النقاشات والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي حيال بعض النساء اللواتي يتولين مناصب عالية في الدولة، خطاب مليء بالتنمر والهرسلة والعنصرية الجنسية.
قد يقول قائل: إن هذا الجيل الذي يمارس مثل هذه العنصرية الجنسية تجاه المرأة هو جيل ولد في المدينة وتربى فيها، لكن مثل هذا الرأي ينسى بأن العقلية الريفية هي بنية فكرية وليست “مسقط الرأس”، بنية فكرية تعيش بين أسوار المدينة وتتوارثها الأجيال في غياب ثقافة المواطنة التشاركية المدينية، وليس من السهل تخليص هذا الجيل الجديد من مثل هذه البنية الفكرية التي لا تزال تكرسها مؤسسات التعليم والتربية والإعلام.
ويتبدّى اختراق العقلية الريفية للمدينة في شكل اللباس أيضًا، فهيئة مواطن المدينة المعاصرة تبدو أكثر فأكثر “مريّفة”، لقد كان للمدينة لباسها وللريف لباسه، وكل لباس له جمالياته التي تميزه، لكننا اليوم ونحن نعبر أكبر شارع في أكبر مدينة، نصادف معرضًا بشريًا ريفيًا بألبسة للذكور والإناث.
إن هذه المقاربة لا تعني بالمطلق الاستنقاص من أخلاق الريف ومن عاداته وتقاليده وجمالياته، أبدًا، ولا من تاريخه المجيد، ولكن “بَدْوَنة” المدينة وترييفها هو ما يشكل خطرًا على التوازن القيمي والحضاري ما بين الريف والمدينة في بلد يبحث عن المعاصرة دون التنازل عن تاريخه وذاكرته.



