في هذه المقاربة السريعة سنحاول “كشف الغمة عن أعطاب الأمة”، أمة الشرق الأوسط وأمة شمال إفريقيا، هذه الجغرافيا البشرية الممتدة من المحيط إلى المحيط معطوبة في عقلها وفي أخلاقها وفي اقتصادها وفي ثقافتها وفي لغاتها وفي قلبها.
لعل أخطر ما تفرّخه الأعطاب السياسية والاقتصادية والتعليمية والثقافية هي ظاهرة العنف في المجتمع، وظاهرة التطرف، وظاهرة انتشار ثقافة الدم والتصالح معها، وظاهرة قتل النساء le féminicide والعنصرية. وأعتقد بأن هناك سببان أساسيان يقفان وراء هذه الأعطاب البنيوية الخطيرة التي يعيشها الإنسان والمؤسسة والمخيال في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا..
أولاً: من الخطاب إلى الخطبة
نحن أمة مُتديّنة بامتياز، بمبالغة، تديّن المظهر والظاهر، تديّن القناع، حيث كل شيء يقاس على التديّن ويُفتى فيه بالتديّن، نأكل بهذا التدين ونشرب بالتدين، وحتى السفر في “البوينغ” يحدث تحت طائلة التدين فهناك دعاء المسافر، اللغة العربية التي وجدت قبل الدين يحاصرها التدين القناعي، وكل قياس فيها يتحقق على النص الديني، خطابنا اليومي مؤسس على إنشاء تديني، فهناك عبارات نسمعها صباح مساء تكرس بشكل لاواع التدين كهوية اجتماعية قبل جميع الهويات.
هذا الواقع التديني المظهري المعمم بشكل مصطنع، جعلنا نعيش اختلاطاً كبيراً في الخطابات، فعالم الاجتماع في الجامعة يتحدث كخطيب المسجد، لا فرق بين قاموس هذا وذاك، والأمر نفسه بالنسبة للمتفلسف أو الفيلسوف فتراه يفسر أموراً معقدة كما يفسرها الفقيه، وحتى الرياضي والفيزيائي تجده يشتغل في حقله الذي يتطلب العقل بكثير من التدين الذي يتجاوب مع رغبة الدهماء.
هذه السلطة الدينية المظهرية تجعل دكاترة وعلماء ذرة وعلماء فضاء وأطباء وفلاسفة يجلسون للاستماع إلى خطبة رجل الدين، الذي يقول أشياء لا يقبلها العقل السليم البدائي، كنفي دوران الأرض وتكذيب وصول الإنسان إلى القمر… والغريب أنهم يسمعون ويسكتون، مثل هذه السلطة تقتل الاجتهاد وتغتال العقل الحي.
نحن هنا، حين نتحدث عن التدين الظاهري القناعي لا نقصد مطلقاً الإيمان الذي هو شأن شخصي، علاقة مباشرة وداخلية بين المؤمن وربه، فالإيمان الصادق لا يتعارض بالمطلق مع البحث والشك والمنطق والعلم، العالم المؤمن يحتفظ في قلبه بمساحة للإيمان، هذا يحدث في كل الأديان، فالإيمان الصادق هو الذي يجعل الباحث، في أي ميدان كان، مزوداً بطاقة داخلية قد تحمس البحث لديه وتجعله قادراً على الفصل ما بين الإيمان والبحث العلمي، ما بين المعتقدات الدينية والأطروحات العلمية، النصوص المقدسة ليست نظريات فزيائية ومعادلات رياضية ومخابر بيولوجية، وقد قدم لنا تاريخ سير العلماء كثيراً من الأسماء، في جميع الديانات، التي كانت مؤمنة لكنها تشتغل بمسافة وبدون عقدة ولا عقبات نفسية أو نصية في باب اختصاصها.
ولكي يتحرر العقل من هيمنة الديني السياسي المظهري، دون المس بإيمان الفرد، ولكي نتجاوز أعطاب الأمة في معاناتها مع تجار الدين السياسي الذي أفسد البشر والمؤسسة بما فيها المؤسسة الدينية نفسها، وأفسد العقل وضبب سبل التفكير النير، علينا أن نسمح بتداول وتدريس “الأديان المقارنة”، وتداول البحوث فيه بين مختلف الـ “أنتليجانسيا” في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فهذا التخصص “الأديان المقارنة” حين يقدم من قبل متخصصين في تاريخ الأديان للخاصة والعامة، فإنه دون شك سيجعل الفرد ينظر إلى دينه في مرآة الأديان الأخرى، يتمكن من خلال ذلك أن يكتشف التقاطعات والتشابهات والتناقضات، وهو بهذه المقاربة يُدخل الدين في الرؤية التاريخية، ويموضعه في إطاره الزماني والمكاني، وبالتالي يتحرر من كثير من الخرافات التي لحقت بالخطاب الديني، ويقل منسوب كراهية الأديان بين المواطنين والمؤمنين، ويسهل التعامل مع الآخر مع احترام خاصية الاختلاف.
اليوم تسمح لنا التكنولوجيا المعقدة والذكاء الاصطناعي بطرح الأسئلة الأكثر جرأة على الدين، فيه وحوله، ونستطيع أن نحصل على أدق الأجوبة في رمشة عين، وهو ما لم يكن باستطاعة القدماء، وحتى مطلع الألفية الجديدة، الحصول عليه إلا بعد سنوات من البحث.
هل سيأتي يوم قريب يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يحرر الإنسان من الخرافات التي علقت بالدين، نصوصاً وممارسات؟ صحيح إن الإنسان الذي جُبِل على ممارسات معينة خلال قرون لا يمكنه، حتى ولو استعان بالذكاء الاصطناعي، التخلص بين عشية وضحاها من كثير من الممارسات التي أصبحت جزء من كينونته، لكن الأمر الواقع سيهز القناعات ويزحزح الإيمانات الكسولة ويفرز الدقيق من النخالة.
إن دخول درس “الأديان المقارنة” في المواد المبرمجة في التكوين الجامعي في تخصصات العلوم الإنسانية، وكذا الاستئناس بما يقدمه الذكاء الاصطناعي من خيرات معرفية في الباب المتعلق بقضايا الدين، يمكنه أن يخفف من استفراد التدين القناعي أو المقنع بالحياة الفردية والجماعية، وبالتالي يمكنه أن يساهم في تحرير خطاب عالم الاجتماع والفيلسوف والأديب من قبضة خطبة الفقيه، آنذاك سينتج كل واحد خطابه الخاص به، وهي دون شك خطابات متكاملة لا يمكن الاستغناء عن أي واحد منها.
ثانياً: حين يصادر الماضي الحاضر
نحن أمة تبالغ في الافتخار بماضيها، في الشرق الأوسط كما في شمال إفريقيا، وهذا أمر طبيعي جداً، لكن حين يتحول هذا الافتخار إلى حالة مرضية، ففي مثل هذه الحالة يتحول الماضي إلى غول خرافي، يصادر الحاضر ويستبد بالمستقبل، وبالتالي سيجد المجتمع نفسه سجين أسوار الماضي الشائكة، يحدث هذا من خلال قياس الحاضر على الماضي والالتصاق به ومحاولة إعادة إنتاجه.
هذا الغرق في الماضي بكل أوحاله ينتج لنا مواطناً “نوستاجيا”، والـ “نوستاجيا” تحجب طاقة النقد وطاقة الحلم، وترهن سلطة العقل لصالح سلطة القلب المثقوب، وهذا ما يميز سيكولوجيا الإنسان العربي والشمال-إفريقي اليوم.
حين يكون المواطن رهين الماضي من خلال علاقة “نوستاجية” عمياء، تقدم له هذا الماضي كفضاء تاريخي اجتماعي وسياسي يتميز بالإيجابية المطلقة؛ بما فيها الرشد في الحكامة والعدالة في الحكم والانتصار في الشدائد والتلاحم في المآسي، في مثل هذا الوضع تغيب حاسة النقد وتنتفي القراءة المركبة للتاريخ كمنجز بشري.
أمام مثل هذا الوضع المأزوم والمركب، على المستوى السياسي والديني والثقافي والسيكولوجي، كيف يمكننا تحرير الفرد والجماعة من سلطة الماضي الذي يغتصب الحاضر ويغلق نوافذ الحلم المطلة على المستقبل؟
إن “درس التاريخ” ووعيه وعياً تاريخياً هو السبيل إلى تحرير المجتمع والأفراد من وحشية الـ “نوستالجيا” المفترسة، من هنا، وكي نصنع مواطناً ومجتمعاً سليمين، علينا أن ندرك بأن تاريخنا الذي يبدو “بستان” نزهة، مشكل من ممرات الورد والود والشعر، هو في حقيقته غابة عاشت على ثقافة الافتراس والقهر والظلم، شأنه في ذلك شأن تاريخ الأمم شرقاً وغرباً، علينا أن نحرر تاريخنا من المسلمات الكاذبة الدينية والسياسية التي صبغها مؤرخو الأنظمة على مراحل معينة وعلى قادة معينين في تاريخ الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
علينا أن نحرر رؤيتنا للتاريخ من ظاهرة التقديس والـ “نوستالجيا”، فالتاريخ، تاريخ بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بما فيه من بطولات وانكسارات، من خير وشر، هو من صنع البشر، والبشر معرضون للخطأ والصواب، معرضون للظلم والفساد كما هم معرضون للاستقامة والنزاهة، وهو من كتابة البشر بكل ما للبشر من طموح وخوف وخيانة وانتهازية.
إننا “نكذب” كثيراً في وقائع التاريخ ونزيف كثيراً من حقائقه، فحين نتمكن من التحرر من تاريخنا كما سرده كتبة الخلفاء والسلاطين وأولي الأمر، وتفكيكه على أسس نقدية جريئة، فإننا نحرر الفرد والجماعة من سلالة الكذب ومصفوفات من المقدسات المحنطة التي تعيق صناعة مواطن إيجابي.
إذا أردنا أن نحرر المجتمع الراهن من أعطابه البنيوية، علينا أن نراجع طبيعة علاقة المواطن فيه بالدين السياسي القائم على المظهر والقناع والتقية، ونعيد بناء علاقته بالتاريخ أي الماضي بما يجعله يقيم مسافة بينه وبين هذا الماضي، حين نتمكن من حل هذين الإشكالين فإننا نكون قد خطونا خطوات نحو المواجهة الحقيقية للواقع، بعيداً عن الـ “نوستالجيا” المتوحشة وبعيداً عن قبضة تجار الدين السياسي.



