تستعد مدينة سيدي بلعباس، الموطن الأول والأصلي لفن الراي، غرب العاصمة الجزائر، لاحتضان النسخة الـ 15 من المهرجان الثقافي الوطني لأغنية الراي، من 31 أغسطس/آب إلى 3 سبتمبر/أيلول 2026، والذي سيشهد تكريم واحدة من رموز هذا الفن “الشيخة الريميتي” التي ساهمت في إيصال هذا الطابع الموسيقي التراثي إلى العالمية.
يأتي الحدث بعد إقرار وزارة الثقافة والفنون تأسيس مهرجان ثقافي دولي سنوي لأغنية الراي في وهران، من دون إعلان موعد دورته الأولى حتى الآن. وتحتضنه عاصمة الغرب الجزائري التي صارت فيما بعد الحاضنة الرئيسية لهذا الفن الذي كان يثير التحفظ الاجتماعي ويعيش في فضاءات فنية مغلقة وضيقة، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز رموز التراث الثقافي الجزائري المعترف به عالمياً. فما الذي تغير؟ الراي نفسه، أم المجتمع الذي كان ينظر إليه؟
خارج الضوء..
لفهم الحكاية التي أوصلت الراي اليوم إلى مهرجان ثقافي وطني ثم دولي، وإلى قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية (اليونسكو 2022)، ربما ينبغي العودة قليلاً إلى الوراء، لا للبحث عن تاريخ ميلاده بدقة، وإنما إلى المكان والبيئة التي جعلت ظهوره ممكناً.
كان ذلك في الغرب الجزائري، في منطقتي سيدي بلعباس ووهران تحديداً، في فضاء اجتماعي وفني شديد الخصوصية. هناك كان “البَدْوِي” (غناء شعبي تراثي)، أحد الأصول التي ستتغذى منها لاحقاً أشكال الراي، قبل أن يبدأ هذا الفن في مغادرة ملامحه القديمة، ويقترب تدريجياً من إيقاعات المدينة وآلاتها ولغتها الجديدة. لم يكن التحول موسيقياً فقط. كان المجتمع نفسه يتغير، والراي يتغير معه.
ومع انتقاله من القصيدة البدوية الطويلة إلى جمل أكثر اختصاراً وإيقاعات أكثر حركة، ومن آلتي (الڨصبة والڨلال) إلى آلات حديثة، بدأ يتشكل لون موسيقي جديد، أكثر التصاقاً بالحياة اليومية لجمهور حضري وشعبي آخذ في الاتساع. في هذا المسار برزت أسماء ستصبح لاحقاً علامات في ذاكرة الراي، من بينها مسعود بَلَمُّو، الذي اشتغل على تحديث البنية الموسيقية وإدخال إيقاعات وآلات جديدة، والشيخة الريميتي التي منحت هذا الفن صوتاً إنسانياً واجتماعياً شديد الخصوصية. لهذا السبب بالذات، لم يكن الراي سهل القبول، كان يقترب من تفاصيل الحياة التي يفضل المجتمع أحياناً أن تبقى في الظل، ويتحدث بلغة مباشرة عن علاقات ومشاعر ورغبات لم تكن تجد مكاناً مريحاً في الصورة الأخلاقية والثقافية السائدة.
هنا تبدأ المفارقة التي سترافق الراي طويلاً، ففي الوقت الذي ظل محظوراً في الإذاعة والتلفزيون، وجد طريقه إلى جمهوره عبر الأعراس والفضاءات الشعبية ثم التسجيلات والكاسيت. وبعيداً عن القنوات الرسمية، بنى الراي تدريجياً سوقه وجمهوره الخاص، قبل أن يتحول من صوت محدود الفضاء إلى صوت جيل، ومن صوت جيل إلى ظاهرة جزائرية، ثم إلى صوت يَعبُر الحدود ويصل إلى العالم!
في مرمى العنف
لم يكن الراي مجرد انعكاس لتحولات المجتمع الجزائري، بل أصبح في مرحلة ما جزءاً من الصراع حول صورة هذا المجتمع وحدود التعبير فيه. وكلما اتسع جمهوره، وازدادت جرأته في الاقتراب من المسكوت عنه، أصبح من الصعب التعامل معه باعتباره مجرد أغنية شعبية هامشية.
لكن الجزائر التي كان الراي يغني تحولاتِها كانت تدخل بدورها واحدة من أكثر مراحلها عنفاً. وفي سنوات التسعينيات، لم يعد الفن بمنأى عن الصراع الذي اجتاح المجتمع. صار المغني، مثل الكاتب والصحفي والمثقف، عرضة لأن يُقرأ موقفه ومجال تعبيره في سياق سياسي وأيديولوجي شديد التوتر.في هذا السياق جاء اغتيال الشاب حسني في وهران سنة 1994، كصوت جماهيري التصق به جيل كامل، ليشكّل واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ الراي.
كان للمأساة وجه آخر غير متوقع. فبينما دفع العنف عدداً من الفنانين إلى مغادرة الجزائر، حمل هؤلاء الراي معهم إلى الضفة الأخرى من المتوسط. هناك، في باريس ومرسيليا وغيرها، وجد الفن فضاء جديداً للانتشار، والتقى بأنواع موسيقية أخرى وبجمهور مغاربي وأوروبي أوسع.
كان الشاب خالد والشاب مامي، ثم فوضيل، في صلب موجة دفعت الراي إلى جمهور أوسع، وجعلته يتجاوز حدوده المحلية بالتوازي مع تجارب موسيقية مغاربية مجاورة مثل تجربة رشيد طه. لم يغيّر هذا الانتشار الراي وحده. لقد غير موقعه أيضاً في الوعي العام. فالفن الذي كان يُنظر إليه في وقت سابق باعتباره تعبيراً عن الهامش، أصبح يحمل صورة الجزائر إلى الخارج، وأصبح بعض رموزه سفراء غير رسميين لثقافتها الشعبية.
لقد خرج الراي من سنوات العنف أكثر انتشاراً، غير أن الوصول إلى العالمية لم يكن نهاية الحكاية. فبعد أن اعترف الجمهور به، واحتضنته صناعة الموسيقى العالمية، بقي سؤال آخر ينتظر الإجابة: متى ستعترف المؤسسة الثقافية بما أدركه الجمهور والعالم قبلها؟
تراث حيّ
كان الراي قد سبق مؤسساته إلى الجمهور، وسبق الحدود إلى العالم. لكن الاعتراف به بوصفه تراثاً ثقافياً غير مادي للإنسانية سنة 2022 نقل الحكاية إلى مرحلة أخرى. لم يعد السؤال فقط كيف نحفظ الراي، وإنما كيف نجعله تراثاً حياً؟
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة قرار تأسيس المهرجان الثقافي الدولي للراي في وهران. فالمهرجان، إذا تجاوز منطق السهرات واستقدام النجوم، يمكن أن يصبح فضاءً لإعادة تقديم الراي باعتباره تراثاً موسيقياً حياً، يلتقي فيه الفنانون والباحثون، وتُستعَاد فيه ذاكرة الرواد، وتناقش تحولات هذا الفن وعلاقته بالمجتمع. هنا تصبح وهران، أكثر من مدينة تحتضن مهرجاناً، إنها تعيد تقديم المكان الذي ارتبط تاريخياً بهذا الفن إلى العالم، لا بوصفه ماضياً محفوظاً، وإنما بوصفه ثقافة قادرة على التجدد. إذ التحدي الحقيقي بعد اليونسكو ليس أن نحتفل بأن الراي أصبح تراثاً إنسانياً، بل أن نثبت أن هذا التراث ما زال قادراً على أن يصنع معنى جديداً للأجيال المقبلة.
من تغيّر؟
ربما تغيّر الراي والمجتمع معاً. تغيّر الراي في موسيقاه وانتشاره ومكانته، وتغيّر المجتمع في نظرته إلى فن عاش طويلاً على الهامش قبل أن يصبح جزءاً من الذاكرة الثقافية الجزائرية. وتختصر “ديسكو مغرب” جانباً من هذه الرحلة؛ إذ أسهمت سوق التسجيلات وشرائط الكاسيت في وهران في توسيع انتشار الراي خارج القنوات التقليدية، قبل أن يصل إلى جمهور عالمي ويُدرج عام 2022 على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية. واليوم، يضيف تأسيس مهرجان دولي للراي في وهران طبقة مؤسسية جديدة إلى قصة فن انتقل من الهامش إلى العالمية، من دون أن يفقد صلته ببيئته الشعبية.















