يختصر الجنوب الشرقي التونسي مفارقة تنموية مزمنة: منطقة واسعة وغنية بالنفط والغاز والزراعة والسياحة، لكنها لا تزال تعاني ضعف فرص العمل ومحدودية موارد العيش، ما يدفع أعداداً من شبابها إلى البحث عن مستقبل خارجها. وفي ولايتي مدنين وتطاوين، يتداخل هذا التهميش مع اقتصاد حدودي تأثر بشدة منذ انهيار الاستقرار في ليبيا، ليصبح سؤال التنمية أكثر إلحاحاً: لماذا لم تتحول موارد المنطقة وموقعها الاستراتيجي إلى فرص اقتصادية قادرة على تثبيت سكانها والحد من الهجرة؟
الدكتور محمد نجيب بوطالب، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في الجامعة التونسية، والرئيس الأسبق للجمعية التونسية لعلم الاجتماع، والعميد الأسبق للمعهد العالي للعلوم الإنسانية والاجتماعية في البلاد، أصدر مؤخراً كتاباً يبحث في المفارقة التي تعيشها هذه المنطقة، إذ رغم ثراء مواردها، من نفط وغاز ومحاصيل زيتون وسياحة، وغيرها، واتساع جغرافيتها (محافظة تطاوين وحدها تمثّل ربع مساحة الجمهورية التونسية)، إلا أنّها تعاني من التهميش وغياب سبل العيش وفرص العمل.
التهميش وذاكرة العقاب
الكتاب الصادر قبل أيام بعنوان “الخروج العصي من التهميش: مقاربة اجتماعية -أنتروبولوجية للجنوب الشرقي التونسي”، يعود فيه الدكتور بوطالب أصيل المنطقة إلى تاريخ التهميش الذي يرى أنّه قديم منذ العهد القرطاجني، بسبب بعد المنطقة عن الموانئ وطبيعتها الجبلية، لكن التهميش تأكّد بعد استقلال البلاد خاصة في عام 1956. ويرى بوطالب أن انحياز أجزاء من الجنوب إلى صالح بن يوسف في صراعه مع الحبيب بورقيبة أسهم لاحقاً في ترسيخ ما يصفه بسياسات عقابية وتهميش تنموي.
لذلك يلجأ سكّان هذه المنطقة الحدودية، وخاصة مدينتي بنقردان وذهيبة، إلى التجارة الحدودية غير الرسمية مع ليبيا، فيما يلجأ الآخرون إلى الهجرة، إمّا إلى ليبيا أو فرنسا أو تونس العاصمة، لمواجهة محدودية فرص العيش.
يذكر الباحث أن 12.2% من المستجوبين في دراسة أعدّتها منظمة اليقظة العالمية حول مدينتي بنقردان وذهيبة يعملون في قطاع الصرف غير المنظم، فيما يعتقد 97.7% من سكّان ذهيبة، و88.5% من سكّان بنقردان، بأنّهم “معاقبون” والدولة تستثنيهم من مشاريع التنمية. وتتجاوز نسبة البطالة في المدينتين المعدّل الوطني (42% في ذهيبة، و18% في بنقردان) كما تصل نسبة بطالة النساء في ذهيبة ثلاثة أضعاف المعدل الوطني ومرتين في بنقردان!
نزيف الهجرة
في الحقيقة هذا الكتاب ليس الأوّل الذي يتناول فيه الدكتور بوطالب إشكالية الهجرة التي تبقى الملاذ الوحيد لسكّان هذه المنطقة، فقد أصدر قبل عامين كتاباً بعنوان الكتاب “الهروب من الكامور إلى أوروبا عبر البلقان”، تناول فيه ظاهرة الهجرة عبر البلقان مروراً بتركيا وصولاً إلى صربيا والمجر، ومنهما الدخول إلى فرنسا عبر النمسا، وهو ما دفع صربيا إلى فرض التأشيرة على التونسيين. وقدّر بوطالب، في دراسة ميدانية عرضها عام 2022، عدد الذين غادروا ولاية تطاوين باتجاه أوروبا منذ بداية ذلك العام بنحو 12 ألفاً
وجاءت هذه الموجة من الهجرة بعد الاحتجاجات التي عرفتها منطقة الكامور البترولية في الصحراء من الشبّان المطالبين بالعمل، وبذلك فقدت الجهة جزءاً كبيراً من شبابها الذي التجأ إلى أوروبا بحثاً عن فرص الحياة الكريمة وهرباً من البطالة.
يقول الدكتور بوطالب، الخبير أيضاً لدى المنظمة العالمية للتغذية والزراعة، لـ”غلوبال ووتش عربية”: “هناك نوعان من البطالة في الجهة الجنوبية: البطالة بحسب المؤشرات الرسمية، وهي تفوق المعدل الوطني الذي يتجاوز 18%، إذ تصل في محافظة تطاوين إلى 23% وأكثر. والبطالة المقنّعة، نتيجة انتشار الأعمال الموسمية في القطاع الزراعي والخدمات، وهي ذات نسبة عالية؛ لأنها تشمل فئات اجتماعية عديدة، منها المرأة التي تعمل في موسم جني الزيتون، وفي قطاع الصناعات التقليدية. كما أن هناك ظاهرة أخرى، هي بطالة نسبة كبيرة من المهاجرين الشباب الذين لم تستقر أحوالهم المادية، فأصبحوا من ضمن العمالة الهامشية في البلدان الأوروبية”.
آفاق مرتبطة بليبيا
كان الجزء الأكبر من سكان هذه المنطقة في تونس يعتاشون من دخل عائلاتهم الذين يعملون أو يتاجرون مع ليبيا، إضافة إلى المغتربين في أوروبا وخاصة فرنسا. ولكن، بعد فرض إجراءات صارمة على الهجرة في أوروبا وعدم استقرار ليبيا، تأثر الوضع الاقتصادي لهذه المنطقة الغنية بالنفط والتي تعدّ من أهم الوجهات السياحية (جزيرة جربة مثلاً)، ويبقى الأمل معقوداً على استقرار ليبيا.
في هذا السياق قال الدكتور بوطالب عن مستقبل المنطقة: “مستقبل هذه الجهة مرتبط أشد الارتباط بأوضاع المنطقة المجاورة باعتبار العلاقة التاريخية اقتصادياً وسياسياً وأمنياً مع ليبيا. فالمنطقة الحدودية متداخلة وهناك علاقات عائلية واقتصادية وثيقة منذ القدم. سكان المناطق المتاخمة لليبيا لا يعتبرون التهريب جريمة لأن لديهم أخلاقيات وضوابط في التبادل الاقتصادي. هذا المستقبل الوثيق مرتبط بمستويات العمل السياسي الاستراتيجي بين البلدين المتجاورين الذي يتطلب بناء روابط ثنائية بينية وطيدة ومؤسسة”. وأضاف، بأن المجتمع المدني مطالب أيضاً بالعمل على إقامة علاقات تجاور وتعاون لاستثمار الإمكانات المتوفرة على الجهتين، وبأن المستقبل بينهما مرتبط بمدى توفر الظروف والأرضية الملائمة لعودة الحياة إلى المعابر وربط النشاط الاقتصادي باتفاقيات وبرامج عمل مشترك”.
وفي انتظار أن يتحقّق هذا تبقى الهجرة والوصول إلى الضفّة الأخرى من المتوسط هي الحلم الذي يراود آلاف الشبّان، ليس في تونس فقط، بل في دول جنوب المتوسط أيضاً، نتيجة سياسات التنمية المتعثّرة وبرامج التعليم الفاشلة في إنتاج أجيال متوازنة.
الكتاب: “الخروج العصي من التهميش مقاربة اجتماعية – أنتروبولوجية للجنوب الشرقي التونسي”
المؤلف: الدكتور محمد نجيب بوطالب
عدد الصفحات: 397 صفحة
الناشر: مجمع الأطرش للكتاب المختص
الثمن: 40 دينار تونسي (حوالي 16 دولاراً)















