مع اقتراب يوم 13 أغسطس، يستعيد التونسيون ذكرى صدور مجلة الأحوال الشخصية التي مثّلت ثورة ثقافية واجتماعية، كان وراءها الزعيم الحبيب بورقيبة الذي كان وقتها رئيس حكومة تونس المستقلة. وقد تمّ إقرار هذا اليوم عيداً وطنياً يسمّى “العيد الوطني للمرأة”.
في هذا اليوم من سنة 1956 وبعد أقل من خمسة أشهر على استقلال البلاد، صدرت “مجلة الأحوال الشخصية” في الجريدة الرسمية “الرائد الرسمي” بتوقيع أمير البلاد محمد الأمين باي، بعد أن اقترحتها الحكومة التي كان يرأسها آنذاك بورقيبة الذي اختاره البرلمان لرئاسة الحكومة بعد فوز قائمته “الجبهة الوطنية ” بجميع المقاعد، في أوّل انتخابات تعرفها البلاد بعد استقلالها في 20 مارس/آذار 1956.
ثورة ثقافية واجتماعية
شكّل صدور “مجلة الأحوال الشخصية” ثورة ثقافية واجتماعية في مجتمع تونسي وعربي محافظ وغارق في الأميّة. وقد فهم الحبيب بورقيبة زعيم الحركة الوطنية وأوّل رئيس لحكومة تونس المستقلّة، أن تطوير المجتمع والنهوض به لا يمكن أن يتحقّق دون تحرير المرأة ووضع أسس جديدة للحياة الاجتماعية.
ساهمت مجلة الأحوال الشخصية في منع تعدّد الزوجات لتصبح تونس أوّل بلد عربي يمنع ذلك بنص قانوني صريح، بل يجرّم كل من لا يلتزم بهذا. كما منع تزويج القاصرات وأخضع الطلاق إلى ترتيبات قانونية تمرّ عبر القضاء وتمنح المرأة المطلّقة حقوقها من تعويض ونفقة تكفل لها حياة كريمة، كما نصّت المجلّة على حقوق المرأة في التعليم والعمل والإرث.
لم يكن قبول المجتمع التونسي آنذاك لهذه “المجلة” سهلاً خاصة أن جامع الزيتونة آنذاك (يعادل مؤسسة الأزهر في مصر) لم يتقبّل هذا القرار، لكن بورقيبة أصرّ على تطبيق ما جاء فيها بداية من 1 يناير/كانون الثاني 1957 لتصبح هذه المجلة سارية المفعول، ولتمثّل أحد عناوين التحديث في العالم العربي والإسلامي.
الحركة النسوية.. عقدة الإخوان المسلمين
بسبب القوانين التي سنّها الحبيب بورقيبة، نجد اليوم في تونس حركة نسوية كانت الصدّ المنيع الذي عرفته تونس خاصة بعد صعود حركة “الإخوان المسلمين” فرع تونس إلى الحكم في انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 2011. فلم يكن أمام التنظيم من حل إلا مجاراة مطالب الحركة النسوية والتقدمية بالتمسّك بمجلّة الأحوال الشخصية في خطابها المعلن، لكنّها ما زالت توعز لأذرعها من سلفيين وحزب التحرير وحتّى قواعدها عبر حملات على وسائل التواصل الاجتماعي بتحميل بورقيبة نتيجة مجلّة “الأحوال الشخصية” من ارتفاع نسب الطلاق والعنوسة في المجتمع التونسي، مطالبين بالتخليّ عن هذه المجلّة أو تنقيحها.
لكن هذه الدعوات التي ينشرها أنصار “حركة النهضة” الإخوانية، ظلّت مجرد دعوات هامشية لا تلقى أي اهتمام ولا قيمة، فالمرأة التونسية اليوم في كل المواقع المتقدّمة، بل لها الأغلبية في أكثر من قطاع كالطب والجامعات إلى الإدارة والهندسة والأعمال والاستثمار، وهي الثروة التي صنعها بورقيبة وتحوّلت إلى جدار صد ومفتاح أمان للمجتمع التونسي ضدّ دعوات “الإخوان المسلمين” ومشتقاتهم.
ما بعد مجلة الأحوال الشخصية
إذا كانت “مجلة الأحوال الشخصية” شكلت حين صدورها ثورة حقيقية، إلاّ أن الجمعيات والمنظمات النسوية اليوم مثل الاتحاد الوطني للمرأة وجمعية النساء الديمقراطيات وغيرهما، تطالب بتطويرها خاصة على مستوى حقوق المرأة في الأوساط الريفية، وتجريم كل أشكال العنف ضدّ المرأة بما فيها سلبها حقّها في الميراث.
كما تحذّر المنظمات الحقوقية من عودة الزواج العرفي – الذي يجرّمه القانون – خاصة منذ 2011 مع صعود تنظيم “الإخوان المسلمين” إلى الحكم واستعادتها لنفوذها في الشارع أو ما سمّاه زعيمها راشد الغنوشي بـ”التدافع الاجتماعي”.
هذه المعركة تخوضها اليوم القوى التقدمية والنسوية ضدّ مخطّطات الجماعة لأخونة المجتمع التونسي، وهذا لن يتحقّق إلاّ بتصفية “مجلّة الأحوال الشخصية” وهو حلم مستحيل في وجود حفيدات بورقيبة!















