في فضاء رمزي بحجم جامع الجزائر، حيث تتقاطع الدلالة الدينية مع حضور الدولة، طُرح سؤال بمناسبة اليوم العالمي لحرية التعبير يبدو بسيطًا في ظاهره: بين الحرية والمسؤولية، كيف يتموضع الإعلام في سياق صون المرجعية الدينية؟ غير أن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه ليس حول المبدأ، بل حول الحاجة المتكررة إلى التذكير به: هل تحتاج الدول المستقرة في مرجعياتها إلى إعادة إعلانها باستمرار؟ أم أن هذا التكرار يعكس قلقًا غير معلن من هشاشة ما؟
في الحالة الجزائرية، لا يمكن فصل هذا النقاش عن طبيعة البلد ذاته؛ فالجزائر ليست كتلة صمّاء، بل تركيب مُعقد من الانتماءات اللغوية والثقافية يتجاور العربي والأمازيغي، المحلي والوطني، التاريخي والمعاصر. هذا التنوع لم يكن يومًا خللًا، بل أحد مصادر الغنى، لكنه في الوقت نفسه يظل قابلًا لإعادة التسييس كلما دخل في دائرة التوظيف.
التذكير بالمرجعية بين منطق التحصين ومؤشر القلق
من هنا، يصبح “التذكير بالمرجعية” سلاحًا ذا حدين. من جهة، هو محاولة للتحصين الداخلي في عالم تتزايد فيه أشكال الاستهداف عبر الشروخ الهوياتية. ومن جهة أخرى، قد يتحول، إن لم يُضبط، إلى إعادة إنتاج ضمنية لفكرة أن الهوية غير مستقرة، أو أنها تحتاج إلى حراسة دائمة.
في هذا السياق، لا يُطرح الإعلام فقط كناقل للمعلومة، بل كفاعل في تشكيل المعنى. هل هو مدعوّ لحماية مرجعية محددة؟ أم لإدارة التعدد داخلها دون إقصاء؟
الرهان الحقيقي ليس في إعلان المرجعية، بل في قدرتها على استيعاب الاختلاف دون خوف؛ فالدول لا تُقاس بمدى تكرارها لثوابتها، بل بمدى قدرتها على جعل هذه الثوابت بديهية، حية، وغير قابلة للاهتزاز بمجرد الاختلاف. هنا، يتحول السؤال من: لماذا نُذكّر؟ إلى: متى يصبح التذكير علامة قوة، ومتى يتحول إلى مؤشر قلق؟
الفضاء الرقمي وتهديد المرجعية
إذا كان النقاش العام قد طُرح حول “الإعلام وصون المرجعية الدينية” فإن انتقاله إلى الفضاء الإلكتروني، من خلال ورقة البروفيسور إدريس عطية، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية (جامعة الجزائر 03)، يغيّر طبيعة السؤال بالكامل ومعه تتغير القواعد. في الإعلام التقليدي، يمكن الحديث عن ضوابط وخطوط تحريرية واضحة. أمّا في الفضاء الرقمي، فالمعادلة مختلفة: لا مركزَ، لا حارسَ واحدٌ، ولا سلطة تقدير أو تأويل نهائية.
هنا، لا يعود السؤال: كيف نصون المرجعية؟ بل: هل يمكن أصلًا ضبط المرجعية في فضاء يقوم على التعدد والانفتاح والانفلات؟ فالفضاء الرقمي، لا يُهدّد المرجعية بقدر ما يكشف هشاشتها إن كانت قائمة على الإغلاق ويختبر قدرتها على الإقناع؛ فكل محاولة للضبط الصارم قد تتحول إلى نتيجة عكسية: مزيد من الخطابات الموازية، ومزيد من فقدان الثقة في الخطاب الرسمي.
بين “المرجعية الجامعة” والإقصاء
نقاش آخر أكثر دقة وحساسية فتحته ورقة الدكتور بركان بودربالة، الأستاذ الجامعي ورئيس مركز الجزائر لعلوم الإعلام والاتصال، عندما تناولت دور الصحافة الجزائرية في خدمة المرجعية الدينية الجامعة، فكلمة “الجامعة” هنا ليست وصفًا بريئًا، بل مشروعًا بحد ذاته؛ فهي تعني أن المرجعية ليست إقصائية، بل قادرة على استيعاب التنوع داخل المجتمع اللغوي، الثقافي، وحتى في طرق التدين. لكن، هنا يظهر التوتر الحقيقي: هل وظيفة الصحافة “خدمة ” المرجعية، أم مرافقة المجتمع في تعقيداته؟
إذا تحولت الصحافة إلى أداة خدمة فقط، فهي تخاطر بفقدان دورها النقدي. وإذا تجاهلت المرجعية تمامًا، فهي تخاطر بالانفصال عن البنية الرمزية للمجتمع. الرهان إذن ليس في الاختيار بين الدورين، بل في إيجاد توازن دقيق: صحافة لا تعادي المرجعية، لكنها لا تختزل نفسها فيها. في العمق، كلمة “الجامعة” تفتح سؤالًا أكبر: هل المرجعية الدينية في الجزائر تُفهم كإطار مفتوح يحتضن التعدد؟ أم كحدّ يجب على الجميع الاصطفاف داخله؟ الفرق بين الاثنين هو الفرق بين مرجعية حيّة ومرجعية خائفة.
جيل جديد: امتداد أم إعادة تعريف؟
إذا كانت المرجعية الدينية جزءًا من الهوية الوطنية، فإن السؤال لم يعد فقط كيف نُعلنها أو نحميها، بل كيف تنتقل إلى أجيال تعيد تعريف انتماءاتها بلغة مختلفة؟
في الجزائر، يواجه الجيل الجديد عالمًا مفتوحًا، سريع التحوّل، تتداخل فيه المرجعيات وتتعدد فيه النماذج. لم يعد الانتماء معطى جاهزًا، بل تجربة يُعاد تشكيلها باستمرار، في توازن دقيق بين مقتضيات العصر ونداء الأصالة.
هنا، لا يكفي خطاب التذكير أو التحذير؛ فالهوية لا تُورَّث كتعليمات، بل تُبنى كمعنى، لأن محاولة حماية المرجعية عبر الإغلاق قد تدفع نحو عكس ما تخشاه: إحساس بالقطيعة، أو انجذاب إلى نماذج بديلة أكثر قدرة على مخاطبة الواقع المعاش، بينما التحدي الحقيقي يكمن في جعل المرجعية نفسها قادرة على الحوار مع الزمن، لا الهروب منه.
الرهان إذن ليس في منع “التيه” بقدر ما هو في توفير بوصلة مرجعية تُطمئن دون أن تُقيّد، وتُؤصّل دون أن تعزل، وتمنح الأجيال الجديدة إمكانية أن تكون معاصرة، دون أن تكون منقطعة. بهذا الشكل فقط، يصبح النقاش حول المرجعية ليس دفاعيًا فقط، بل سؤالًا عن قدرتها على الاستمرار كإطار حيّ داخل عالم متغيّر.
اختبار حيّ لمرجعية منفتحة بين الثقة والتوجس
من المهم التذكير، في هذا السياق، بما أثارته زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر في شهر أبريل الماضي، واستقباله داخل جامع الجزائر، من طرف عميده الشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني، والجدل الذي رافق الزيارة على مستوى النقاش العمومي، مصحوباً بتأويلات متباينة، بين من يراها تعبيرًا عن الثقة في الذات، ومن يقرؤها من زاوية التوجس من الخارج، وهذا رغم حرص الخطاب الرسمي على تقديم هذا الاستقبال كإشارة إلى الانفتاح على الآخر بوصفه ضرورة حضارية لا كمساس بالمرجعية الدينية.
لكن القراءة الأعمق لهذا الحدث لا تكمن في ثنائية القبول أو الرفض، بل في كونه يكشف أن المرجعية ليست بنية مغلقة، بل فضاء يُختبر فيه معنى التعايش، وحدود الثقة، وإمكانية إدارة الاختلاف دون تهديد الذات.
في النهاية، لا تُصان المرجعية بتكرار إعلانها، والتذكير بها، بل بقدرتها على أن تبقى حيّة داخل مجتمع متحوّل. فبين حرية الإعلام ومسؤوليته، وبين التحصين والانفتاح، يظل التحدي الحقيقي هو بناء توازن ذكي، أي مرجعية تُوحّد دون أن تُقصي، وتواكب الأجيال الجديدة دون أن تفقد جذورها. فالقضية ليست في حماية الهوية -والمرجعية الدينية جزء منها- من التغيّر، بل في قدرتها على استيعابه دون أن تذوب فيه.











