دخل التصعيد الأمريكي–الإسرائيلي الإيراني مرحلة دقيقة مع اقتراب انتهاء مهلة الـ48 ساعة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مُطالباً طهران بفتح مضيق “هُرمز” بالكامل أمام الملاحة الدولية، مقابل تجنب ضربات تستهدف محطات الطاقة. يأتي هذا التهديد في سياق حرب آخذة في الاتساع منذ أواخر فبراير، وسط اضطراب حاد في أسواق الطاقة العالمية وتصاعد التهديدات المتبادلة بين الطرفين.
يُمثل مضيق “هُرمز” شرياناً حيوياً للطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز المسال عالمياً، ما يجعل أي تعطيل فيه تهديداً مباشراً للأسواق الدولية. وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن اضطراب الملاحة في المضيق ينعكس فوراً على الأسعار وسلاسل الإمداد، وهو ما بدأ بالفعل مع تصاعد التوترات الأخيرة.
في هذا السياق، لا يُقرأ الإنذار الأمريكي باعتباره خطوة عسكرية فقط، بل كجزء من معركة أوسع على أمن الطاقة العالمي، حيث تسعى واشنطن إلى منع استخدام المضيق كورقة ضغط استراتيجية.
الطاقة كهدف استراتيجي
استهداف البنية التحتية ليس جديداً في الحروب، إذ تُعد شبكة الطاقة عنصراً حاسماً في تشغيل الدفاعات الجوية ومراكز القيادة والاتصالات العسكرية. غير أن خصوصية الحالة الإيرانية تكمن في تداخل البنية المدنية والعسكرية داخل الشبكة، ما يجعل أي ضربة واسعة ذات أثر مباشر على الحياة اليومية للسكان.
تعطيل مصادر الطاقة يعني شللاً في قطاعات حيوية تشمل المستشفيات، وإمدادات المياه، والنقل، والصناعة، وهو ما يثير مخاوف من أن تتحول الضربة من أداة ضغط على النظام إلى عبء واسع على المجتمع الإيراني، دون ضمان تحقيق أثر سياسي حاسم.
جاء الردّ سريعاً على لسان إبراهيم ذو الفقاري، الناطق باسم مقر خاتم الأنبياء (الهيئة المشرفة على العمليات العسكرية الإيرانية)، حيث حذر من أنه “إذا تم انتهاك البنية التحتية للوقود والطاقة في إيران، فسيتم استهداف جميع البنية التحتية للطاقة وتكنولوجيا المعلومات وتحلية المياه التابعة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في المنطقة”.
بين الضغط على النظام ومعاقبة المجتمع
تقديرات استخبارية أميركية نقلتها وسائل إعلام دولية تشير إلى أن النظام الإيراني، رغم الضغوط العسكرية، لا يزال متماسكاً ولم يصل إلى مرحلة الانهيار. ويعني ذلك أن استهداف البنية التحتية قد لا يترجم بالضرورة إلى تغيير سياسي سريع، بل قد يدفع إلى مزيد من التصعيد ويمنح طهران مبررات إضافية للرد.
في المقابل، تراهن واشنطن على أن ضرب مفاصل الدولة الحيوية قد يرفع كلفة المواجهة داخلياً، ويفرض على القيادة الإيرانية إعادة حساباتها، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة.
سيناريوهات الساعات الحاسمة
المعطيات الحالية تشير إلى أربعة مسارات محتملة مع انتهاء المهلة:
أولاً) ضربة محدودة ودقيقة: تستهدف عقداً كهربائية مرتبطة بالبنية العسكرية، بما يحقق ضغطاً دون توسيع الأثر الإنساني.
ثانياً) ضربة واسعة للبنية الكهربائية: تؤدي إلى شلل كبير داخل إيران، لكنها تحمل مخاطر تصعيد إقليمي واسع.
ثالثاً) تسوية جزئية: عبر فتح محدود للمضيق يسمح بتخفيف التوتر دون إعلان تراجع كامل.
رابعاً) تأجيل التنفيذ مع استمرار الضغط: من خلال الحشد العسكري والعقوبات والتهديدات دون ضربة فورية.
سوابق ترامب.. التهديد كأداة تنفيذ
تجارب سابقة تشير إلى أن إنذارات ترامب لا تُستخدم دائماً كأدوات تفاوضية فقط، بل غالباً ما تكون تمهيداً لخطوات تنفيذية. فقد أظهرت مواقف سابقة في ملفات دولية أن المهلة قد تتحول إلى عمل عسكري أو أمني إذا لم تتحقق الشروط المطلوبة، ما يعزز من جدية التهديد الحالي.
المؤشرات ترجح أن واشنطن تسعى إلى تحقيق توازن دقيق: إظهار الحزم دون الانزلاق إلى تدمير شامل للبنية المدنية. غير أن طبيعة الهدف المعلن، أي محطات الكهرباء، تجعل هذا التوازن هشاً، حيث يصعب فصل الأثر العسكري عن المدني بشكل كامل.
لم يعد السؤال مرتبطاً بإمكانية تنفيذ الضربة بقدر ما يتعلق بطبيعتها وحدودها. فشكل الاستهداف، لا توقيته فقط، هو ما سيحدد ما إذا كانت الولايات المتحدة تضغط على النظام الإيراني، أم تدفع المنطقة نحو مرحلة أكثر خطورة من الصراع المفتوح.















