في أعقاب الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران، عادت مسألة مضيق “هُرمز” إلى واجهة الأحداث العالمية باعتباره إحدى أكثر نقاط الاحتقان تأثيراً في أسواق النفط والطاقة في القرن 21. ويُنذر المشهد باضطراب قد يكون الأكبر منذ الحرب الروسية – الأوكرانية عام 2022، التي هزّت منظومة الطاقة الأوروبية وأعادت رسم خرائط الإمدادات العالمية.
كان متوقعاً أن تلجأ طهران إلى إغلاق هذا الشريان المائي الحيوي كورقة ضغط استراتيجية عند أي تهديد تتعرض له. وبعد أول ضربة جوية استهدفت أراضيها، أبلغ الحرس الثوري الإيراني السفن والناقلات بمنع مرورها عبر المضيق، ما أثار مخاوف من صدمة اقتصادية قد تمتد آثارها إلى مختلف القطاعات، بدءاً من أسواق الطاقة ووصولاً إلى معدلات التضخم والنمو.
أهمية المضيق الاستراتيجية
يقع مضيق “هُرمز” بين إيران شمالاً، وسلطنة عُمان وجزء من دولة الإمارات العربية المتحدة جنوباً. ويبلغ عرضه نحو 33 كيلومتراً عند أضيق نقطة. ورغم ضيقه الجغرافي، فإنه يمثل المفصل الأهم في حركة النفط والطاقة عالمياً.
وبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي. كما تعبره نسبة معتبرة من شحنات الغاز الطبيعي المسال عالمياً.
تُعد قطر من أبرز الأطراف المعنية بحركة العبور، إذ تُصنَّف ضمن أكبر مُصدّري الغاز الطبيعي المسال، مع صادرات بلغت نحو 82.2 مليون طن في عام 2025. وهذا ما يجعل المضيق بوابة استراتيجية حيوية لتأمين إمدادات الطاقة، خصوصاً إلى آسيا ثم أوروبا. وتشير تقديرات إلى أن أكثر من 80% من النفط والغاز المنقول عبر الخليج العربي يتجه إلى أسواق رئيسية مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
آسيا والشرق الأوسط في عين العاصفة
تُعد آسيا الأكثر تعرضاً لأي اضطراب في تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر “هُرمز”. فالدول الآسيوية تستورد نسبة كبيرة من احتياجاتها من الغاز من قطر، ما يجعلها في صدارة المتأثرين بأي تعطل.
وتتصدر الصين قائمة كبار المشترين، تليها الهند. ومع تصاعد المخاطر، اتجه مستوردون في البلدين إلى البحث عن شحنات فورية بديلة رغم ارتفاع تكلفتها، في محاولة لتأمين احتياجات الصيف والاستعداد لفصل الشتاء.
غير أن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى محدودية البدائل. فالسوق العالمية للغاز الطبيعي المسال تعمل حالياً عند طاقة شبه قصوى، وغالبية الكميات المتاحة مرتبطة بعقود طويلة الأجل.
أما في شرق المتوسط، تتداخل مسارات الأزمة. فقد سرّعت مصر استيراد شحنات الغاز الطبيعي المسال لتلبية الطلب المحلي، بعد وقف إسرائيل التوريد وإغلاق بعض الحقول كإجراء احترازي نتيجة التصعيد الأمني. ويُعمّق هذا الترابط بين الخليج وشرق المتوسط هشاشة السوق الإقليمية ويزيد احتمالات انتقال الضغوط السعرية.
أوروبا الأقل تعرضاً.. ولكن
تبدو أوروبا أقل تعرضاً بشكل مباشر لصدمة محتملة في مضيق “هُرمز”، بعدما نجحت منذ عام 2022 في تنويع مصادرها وتقليص اعتمادها على الغاز الروسي. إلا أن هذه المناعة تظل نسبية.
انخفاض مستويات التخزين في بعض الدول الأوروبية، بالتزامن مع منافسة آسيوية على الشحنات الفورية، قد يعيد الضغوط السعرية إلى الواجهة. وإذا ارتفعت الأسعار العالمية بفعل اضطراب في الخليج، فلن تكون القارة بمنأى عن التأثير، خصوصاً مع اقتراب موسم إعادة ملء المخزونات استعداداً للشتاء.
تداعيات الإغلاق
- ارتفاع أسعار النفط وموجات التضخم
من أبرز النتائج المتوقعة لأي اضطراب في المضيق ارتفاع أسعار النفط. وتشير تقديرات إلى احتمال صعود سعر خام برنت إلى نطاق يتراوح بين 110 و150 دولاراً للبرميل، وقد يلامس 200 دولار في حال استمرار الإغلاق.
كما أن خروج ما يصل إلى 17 مليون برميل يومياً من السوق سيخلّ بالتوازن العالمي بين العرض والطلب. وينعكس ذلك في موجات تضخم نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود والطاقة، وما يتبعها من زيادة في تكاليف الإنتاج والنقل وأسعار السلع والخدمات.
- تأثير على النمو الاقتصادي العالمي
لن يقتصر الأثر على قطاع الطاقة، بل سيمتد إلى النمو الاقتصادي العالمي. فارتفاع أسعار الطاقة غالباً ما يقترن بتباطؤ اقتصادي، خاصة في الدول المستوردة للطاقة، ما يفرض ضغوطاً على الموازنات العامة ويؤثر في مستويات الاستثمار والاستهلاك.
- تأثير مباشر على الدول المنتجة والأسواق المالية
حتى الدول المنتجة قد لا تكون بمنأى عن التداعيات. الإغلاق الكامل للمضيق قد يتحول من أداة ضغط إلى ضربة مباشرة للاقتصادات المعتمدة على تصدير النفط. وفي ما يتعلق بإيران، فإن أي تعطيل طويل الأمد سيعرضها لخسائر مباشرة في عائداتها النفطية، وهو ما يشبه مقامرة عالية الكلفة قد ترتد عليها قبل أن تصيب خصومها.
أما في الأسواق المالية، فعادة ما تسجل فترات أزمات الطاقة تقلبات حادة في الأسهم والسندات والعملات. ويتجه المستثمرون غالباً إلى الأصول الآمنة مثل الذهب والسندات الحكومية، في حين يتراجع أداء قطاعات السفر والنقل. وفي مواجهة هذه المخاطر، تتخذ قوى دولية وإقليمية خطوات احترازية وتحوطية. تُراقب وكالة الطاقة الدولية التطورات عن كثب، وتدرس استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية للنفط لكبح أي ارتفاع حاد في الأسعار.
كما أن دول مجلس التعاون الخليجي تسعى إلى تنويع ممرات تصدير الطاقة بإنشاء خطوط أنابيب برية بديلة تقلل الاعتماد على مضيق “هُرمز”، مثل خطوط نقل النفط السعودي عبر البحر الأحمر وخط أنابيب “حبشان–الفجيرة” الإماراتي.
حوادث متزايدة
إلى جانب التهديدات والتوترات، يشهد مضيق “هُرمز” حوادث بحرية من حين لآخر، تزايدت وتيرتها عقب انسحاب الولايات المتحدة في العام 2018 من الاتفاق النووي مع إيران، وإعادة فرضها عقوبات على الجمهورية الإسلامية.
في العام 2019، أثارت هجمات غامضة على سفن في منطقة الخليج، وإسقاط طائرة مسيرة واحتجاز ناقلات نفط، مخاوف من تصعيد بين طهران وواشنطن. وفي 29 تموز/يوليو 2021، أدى هجوم في بحر عُمان على ناقلة نفط إلى مقتل شخصين، بريطاني وروماني. اتهمت إسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا ورومانيا طهران التي نفت ضلوعها.
في نيسان/إبريل 2024، احتجزت إيران سفينة حاويات ترفع العلم البرتغالي قرب مضيق هُرمز قالت إنها “مرتبطة بإسرائيل”. وفي مطلع شباط/فبراير الجاري، اقتربت زوارق حربية إيرانية من ناقلة نفط أمريكية وأمرتها بالتوقف أثناء عبورها “هُرمز”، لكنها واصلت الإبحار بمواكبة سفينة حربية أمريكية. وأفادت وكالة أنباء فارس الإيرانية لاحقاً أنّ السفينة دخلت “بطريقة غير مشروعة” في المضيق، وأنها “تلقت إنذاراً وغادرت المياه الإيرانية على الفور”.
رغم حدة التحذيرات، تشير المعطيات إلى أن العالم أصبح أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بأزمات الطاقة السابقة، مستفيداً من تنوع مصادر الإمداد، وتحسين كفاءة الاستهلاك، وتوافر احتياطيات استراتيجية لدى الدول الكبرى. مع ذلك، يظل مضيق “هُرمز” نقطة حساسة في معادلة الطاقة العالمية. فأي تصعيد إضافي قد يطلق سلسلة من التداعيات المالية والتجارية تتجاوز حدود قطاع الطاقة، لتطال مجمل الاقتصاد العالمي.















