تنقل واشنطن معركة مكافحة الإرهاب إلى ما وراء ساحات المواجهة، مستهدفةً الشبكات التي توفر المال والدعم التقني والبنية الرقمية والروابط التنظيمية التي تتيح للعنف السياسي الاستمرار. ويجسّد قرار وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على “بالستاين أكشن” البريطانية و”حركة المسار الثوري الفلسطيني البديل” المعروفة بـ”مسار بديل”، إلى جانب “أوتيستيشي/إنفانتي” الإيطالية، هذا التحول في أدوات المواجهة.
لا تكمن أهمية الخطوة في توسيع قائمة الجهات المستهدفة فقط، بل في المعيار الذي تقترحه: الإرهاب لا يُواجه عند لحظة تنفيذ الهجوم فحسب، وإنما عبر قطع الشرايين التي توفر له الموارد والأدوات والقدرة على الحركة.
العنف يحسم الفاصل
تقول وزارة الخزانة إن “بالستاين أكشن” دعمت منذ تأسيسها العام 2020 أعمالاً تعتبرها واشنطن إرهابية، بينها اقتحام منشآت دفاعية وعسكرية بريطانية وإلحاق أضرار كبيرة بها، إضافة إلى الترويج لهذه الأساليب. وكانت بريطانيا قد سبقت واشنطن إلى حظر الحركة في يوليو/تموز 2025، مستندة إلى عمليات استهدفت منشآت تابعة لـ”ثاليس” في غلاسكو و”إلبت سيستمز” في بريستول و”إنسترو بريسيجن” في كنت.
لكن الخط الفاصل هنا مهم: التأييد السياسي للفلسطينيين أو معارضة إسرائيل لا يشكلان في حدّ ذاتهما أساساً لتصنيف إرهابي؛ المعيار الأمني يبدأ عندما يتحول النشاط إلى عنف أو تخريب خطير لتحقيق هدف سياسي، أو إلى دعم مادي لمن يمارس تلك الأفعال.
وهذا ما استندت إليه الحكومة البريطانية في قرار الحظر، معتبرة أن عمليات الحركة تجاوزت حدود الاحتجاج إلى أفعال تندرج ضمن الإرهاب.
لندن تختبر الخط الفاصل
أظهرت التجربة البريطانية أن حظر جماعة لا ينهي بالضرورة قدرتها على الحركة، بل ينقل المواجهة إلى المؤيدين وشبكات الترويج والتعبئة.
خلال عام واحد، سجلت السلطات البريطانية 3061 اعتقالاً على خلفية نشاط مرتبط بالإرهاب، بينها 2819 حالة مرتبطة بالاشتباه في دعم “بالستاين أكشن”، أي نحو 92% من الإجمالي. ووجّهت السلطات اتهامات إلى 484 من الموقوفين على خلفية دعم الحركة، بينما بقيت غالبية الملفات قيد التحقيق أو الإجراءات اللاحقة.
تكشف هذه الأرقام اتساع التداعيات القانونية للحظر، لكنها تفرض في الوقت نفسه تمييزاً ضرورياً بين الاشتباه والإدانة؛ فمكافحة الإرهاب تكتسب قوتها من دقة الأدلة، لا من اتساع دائرة الاشتباه.
ولهذا تبقى المعادلة الأكثر حساسية أمام الحكومات الغربية هي منع الجماعات المحظورة من إعادة بناء شبكاتها، من دون تحويل قوانين الإرهاب إلى أدوات لتجريم المعارضة أو الاحتجاج السلمي.
“مسار بديل” في الحساب
يختلف موقع “مسار بديل” عن “بالستاين أكشن”؛ إذ تقول وزارة الخزانة الأمريكية إن الحركة مرتبطة بشبكات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، المصنفة أمريكياً منظمة إرهابية أجنبية، وتضعها ضمن بنية عابرة للحدود مرتبطة، وفق التقييم الأمريكي، بأنشطة الدعم والتعبئة لصالح الجبهة.
وتبرز هنا أهمية الروابط التنظيمية والواجهات السياسية في الحساب الأمريكي؛ إذ إن الجماعات الإرهابية لا تعتمد دائماً على هيكل واحد ظاهر، وإنما يمكن أن تستفيد من كيانات وشبكات تعمل في مجالات التعبئة والدعاية وجمع الأموال وبناء العلاقات الدولية.
من هذا المنطلق، فإن العلاقة بين الكيان السياسي والتنظيم المصنف إرهابياً تصبح موضع تدقيق عندما تتوافر أدلة على الدعم أو الارتباط الفعلي. أما مجرد التقاطع في الشعارات أو المواقف فلا يكفي وحده لإثبات هذه الصلة.
هذه النقطة تجعل إدراج “مسار بديل” مختلفاً عن استهداف “بالستاين أكشن”: الأولى ترتبط، وفق الرواية الأمريكية، بشبكة تنظيمية أوسع، بينما ترتكز القضية ضد الثانية بصورة أساسية على أعمال عنيفة وتخريبية محددة.
من جهة أخرى، يمثل إدراج “أوتيستيشي/إنفانتي” الجانب الأكثر دلالة في المقاربة الأمريكية. فالجماعة الإيطالية تنشط في المجال الرقمي وتوفر خدمات مثل استضافة المواقع والبريد الإلكتروني وأدوات الاتصال وحماية الخصوصية.
وتتهمها وزارة الخزانة بتوفير خدمات تقنية لجماعات يسارية متطرفة عنيفة، بينها جهات تصنفها الولايات المتحدة إرهابية، بما يجعل القضية مرتبطة، وفق واشنطن، بالدعم التقني وليس بالمشاركة المباشرة في هجمات.
هنا تنتقل المعركة إلى البنية التي تسمح للشبكات المتطرفة بالعمل؛ فالمنظمات الحديثة تستطيع الاستغناء عن المقرات المركزية والاعتماد على خوادم موزعة واتصالات مشفرة ومنصات رقمية وشبكات مالية إلكترونية.
المال شريان البقاء
تكتمل هذه المقاربة بالضغط المالي؛ فالعقوبات الأمريكية بموجب الأمر التنفيذي 13224 وملاحقة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية تستهدف الأصول والمصالح الواقعة تحت الولاية الأمريكية، وتحظر على الأشخاص الأمريكيين إجراء معاملات مع الجهات والأفراد المدرجين.
وتكمن قوة هذه الأداة في أنها تضرب قدرة الجماعات على جمع الأموال وتحريكها وتمويل نشاطها وشراء الخدمات والحفاظ على بنيتها التشغيلية.
كما تفرض العقوبات أثراً غير مباشر على المؤسسات المالية الأجنبية، التي تصبح أكثر حذراً في التعامل مع الجهات المدرجة خشية التعرض للعقوبات الأميركية.
هكذا يتحول النظام المالي إلى ساحة من ساحات مكافحة الإرهاب، لا تقل أهمية عن العمل الاستخباري والميداني. إن التنظيم الذي يفقد قدرته على الوصول إلى المال والخدمات قد يواجه صعوبة في الحفاظ على نشاطه حتى لو بقيت بنيته الأيديولوجية قائمة.
لا حصانة للأيديولوجيا
تتجاوز الرسالة الأمريكية الجهات الثلاث إلى مبدأ أوسع: لا ينبغي أن تكون مكافحة الإرهاب مرتبطة بأيديولوجيا محددة. فبعد عقود تصدر فيها الإرهاب الجهادي جدول الاهتمام الأمني الغربي، تضع واشنطن الإرهاب اليساري العنيف ضمن دائرة المواجهة. لكن القيمة الحقيقية لهذا التحول تتوقف على تطبيق معيار واحد على مختلف الاتجاهات: السلوك.
فلا يصبح الإرهاب أقل خطراً لأنه يرتدي خطاباً دينياً أو ثورياً أو قومياً، ولا تصبح المعارضة السياسية إرهابية لمجرد تبنيها خطاباً راديكالياً. الفاصل هو العنف، والتحريض عليه، والتمويل، والتخطيط، أو توفير الوسائل اللازمة لتنفيذه.
وهذا التفريق ضروري للحفاظ على شرعية الحرب على الإرهاب. إن الديمقراطية تستطيع مواجهة العنف السياسي من دون تحويل الخلاف السياسي إلى جريمة.
شرايين تتجاوز الحدود
تكشف القضية عن طبيعة أكثر تعقيداً للإرهاب المعاصر: جماعة تنشط في بريطانيا، وشبكة تقنية في إيطاليا، وكيان فلسطيني يعمل عبر دول متعددة، بينما تتحرك الأموال والمعلومات عبر النظام الدولي. لذلك تتجه المواجهة نحو الشبكات بدلاً من التنظيمات المنفردة، مع تعزيز التعاون بين أجهزة مكافحة الإرهاب والجهات المالية والسلطات القضائية.
لكن نجاح هذا النموذج يتوقف على دقة الاستهداف. فليس كل متعاطف داعماً، وليس كل منصة رقمية جزءاً من بنية إرهابية، وليس كل احتجاج سياسياً عنيفاً بالمعنى القانوني. لذا، فإن قرار وزارة الخزانة الأمريكية يعكس تحولاً مهماً في مكافحة الإرهاب: ملاحقة شرايين العنف قبل أن تصل إلى الميدان. المال والتقنية والعلاقات التنظيمية والواجهات العابرة للحدود أصبحت أهدافاً أمنية عندما تثبت صلتها بالنشاط الإرهابي.
هذه المقاربة لا تخص اليسار الراديكالي وحده؛ يمكن تطبيقها على الإرهاب الجهادي واليمين المتطرف وأي شبكة تستخدم العنف السياسي أو توفر له الموارد والأدوات، إذ إن المعيار الأكثر صلابة لمكافحة الإرهاب ليس الشعار الذي ترفعه الجماعة، بل ما تفعله، ومن يمولها، ومن يساعدها على الاستمرار.















