مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

مقالات مشابهة

تقرير دولي

مؤتمر “الإخوان المسلمين” في لاهاي.. إعادة التموضع الخارجي وصناعة الفوضى عبر شبكات الإسلام السياسي

مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

انعقد مؤتمر التنظيم الدولي لـ”لإخوان المسلمين” في مدينة لاهاي الهولندية ما بين 16 و 19 سبتمبر/أيلول الجاري، بدعوة من 6 كيانات، بحسب الموقع الرسمي للمؤتمر، هي: “ميدان”، و”المجلس الثوري”، و”تكنوقراط مصر”، وحزب “أمل مصر”، و”مركز العلاقات المصرية الأمريكية”، فضلاً عن Justice Matters الموقع المتخصص بحقوق الإنسان والمناصرة المجتمعية، وهي كيانات نشطت بدرجات مختلفة في مهاجمة الدولة المصرية من الخارج، وإعادة تقديم جماعة “الإخوان المسلمين” باعتبارها حركة سياسية معارضة، ومحاولة تحسين صورتها أمام الرأي العام الدولي.

في محاولة واضحة لإضفاء طابع مؤسسي وأكاديمي على الفعالية، حدد المؤتمر الإخواني ثمانية محاور رئيسية للنقاش، وقدمها بوصفها إطاراً سياسياً وبحثياً، يضع ما اعتبره المؤتمر تصوراً لما بعد سقوط النظام المصري، فيما سماه بـ”الكفاءات الوطنية” التي ستتولى إدارة الدولة في المرحلة التالية.

إعادة توظيف شبكات الإسلام السياسي

في هذا السياق، اعترف الإخواني عبد الرحمن طارق (موكا)، أمام المؤتمر، بأن منظمة إنجليزية تديرها ناشطة إسرائيلية صهيونية هي من ساعدته على الخروج من مصر، والانتقال إلى لبنان ومنها إلى فرنسا، ما يفتح الباب أمام أسئلة أوسع حول طبيعة شبكات الدعم والعلاقات الخارجية التي استفادت منها عناصر الإخوان في عمليات الخروج من مصر وإعادة التموضع خارجها.

لا يبدو المؤتمر، في هذا الإطار، مجرد فعالية سياسية منفصلة، وإنما جزءاً من عملية أوسع لإنتاج خطاب إعلامي وسياسي يستهدف تقديم الجماعة، باعتبارها ما زالت تمتلك القدرة على الحركة والتأثير، وإقناع قواعدها وأنصارها بوجود حراك سياسي وشعبي مستمر في الخارج والداخل المصري.

وتقوم هذه الاستراتيجية على صناعة صورة ذهنية توحي بوجود حالة من الحشد والتنظيم والقدرة على المواجهة، بالتوازي مع توظيف المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي في الضغط السياسي على الدولة المصرية، ومحاولة زعزعة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتشويه صورة الدولة المصرية أمام دوائر صنع القرار الغربي.

اختيار لاهاي لاستضافة مؤتمر يحمل عنواناً سياسياً مرتبطاً بمستقبل الدولة المصرية، لا يمكن فصله عن محاولة إعادة توظيف البنية المؤسسية والاجتماعية التي راكمتها شبكات الإسلام السياسي داخل أوروبا على مدار عقود سابقة، إذ أصبحت هولندا واحدة من الدول الأوروبية التي شهدت نمو شبكات الإسلام الحركي والإخواني منذ تسعينيات القرن الماضي، وظهور مؤسسات وشبكات مثل LIGN، ثم FION وEurope Trust Nederland، إلى جانب ارتباط عدد من المساجد والمؤسسات بهذه الشبكات الأوروبية، قبل أن يتوسع النشاط لاحقاً ليشمل مجالات المال والعقار والعمل الأهلي والسياسي. 

الشبكات اللامركزية

مع تراجع نفوذ جماعة “الإخوان المسلمين” في عدد من الدول العربية، اتجهت، وفق ما تشير إليه العديد من الدراسات والتحليلات، إلى إعادة النظر في أدوات حضورها السياسي والتنظيمي، ليس عبر التخلي عن مشروعها، وإنما من خلال إعادة تقديمه في قوالب جديدة، تعتمد على المنصات الرقمية، والحملات الإلكترونية، وإنتاج المحتوى الموجه إلى الأجيال الجديدة، وشبكات العلاقات مع المؤسسات البحثية والحقوقية والإعلامية الدولية.

ويمثل ذلك تحولاً من نموذج التنظيم الهرمي المباشر إلى نموذج أكثر اعتماداً على الشبكات اللامركزية، والواجهات الإعلامية والحقوقية والأكاديمية، بما يسمح بإعادة إنتاج الخطاب ذاته بأدوات مختلفة، وبصورة أقل ارتباطاً بالبنية التنظيمية التقليدية.

D.R

في المقابل، تعاملت دوائر في صنع القرار الغربي مع الجماعات الأصولية، في مراحل مختلفة، باعتبارها أدوات ضغط سياسي يمكن توظيفها بصورة برغماتية لتحقيق مصالح أو ممارسة ضغوط على نظم سياسية عربية، كما استخدمت بعض هذه الشبكات في تعبئة أصوات الجاليات العربية والإسلامية خلال العمليات الانتخابية، وتوجيهها نحو دعم تيارات وشخصيات سياسية محددة. 

حركة ميدان

 تأتي على رأس الكيانات المرتبطة بالمؤتمر حركة “ميدان”، التي تضع في قائمة أولوياتها، وفق وثيقتها السياسية، تصورات لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة المصرية، من خلال مجموعة من الأطروحات التي تستند إلى مفاهيم ذات جذور قطبية، (نسبة إلى سيد قطب)، وتتضمن المطالبة بإلغاء النظام القضائي واستبداله بالقضاء العرفي والشرعي، وإلغاء التجنيد الإجباري، وتقليص دور المؤسسة العسكرية، باعتبارها، وفق تصور الحركة، عقبة أمام تمرير مشروعها وتمددها، فضلاً عن الدعوة إلى تفعيل “التسليح الشخصي” للمصريين، والتي تنذر في النهاية بتنفيذ سيناريو حرب براغماتية أهلية.

تذهب الوثيقة السياسية لحركة “ميدان” إلى اعتبار الدولة المصرية واقعة تحت سلطة الاحتلال، وتطرح مفهوم “التحرير” باعتباره واجباً شرعياً من سلطة النظام السياسي القائم، في محاولة لإضفاء غطاء ديني على الصراع السياسي. وتؤكد الوثيقة أن منهج الحركة يقوم على التغيير الجذري الذي لا يقبل الحلول الوسط، وأنها تعتمد في سبيل ذلك على مجموعة من الأدوات والمسارات الثورية التي تتخذ من أفكار سيد قطب مرجعية لها.

يعتمد مشروع “ميدان” على مدخل فكري صيغ في كتاب “سبيل الرشاد.. معالم طريق التحرر الإسلامي”، الصادر في يناير 2025 لمحمد الهامي، والذي يروج لمشروع السيطرة على السلطة في الدولة المصرية من خلال صناعة ما يصفه بـ”انفجار شعبي” مدفوع بإطار تنظيمي.

ويكشف هذا التصور عن محاولة نقل فكرة التغيير من المجال الاحتجاجي العفوي إلى نموذج أكثر تنظيماً، يقوم على صناعة حالة انفجار اجتماعي وسياسي، ثم توجيهها من خلال هياكل تنظيمية قادرة على استثمار حالة الفوضى وإعادة تشكيل المجال السياسي. 

حسن البنا وسيد قطب

لا يمكن فصل توجهات ونتائج المؤتمر الإخواني في هولندا عن مفردات الوثيقة السياسية والفكرية لحركة “ميدان”، ولا عن السياق التاريخي الأوسع لمشروع “الإخوان”، إذ كانت المنطلقات الفكرية لحسن البنا وسيد قطب جزءاً أساسياً من البنية التي أثرت في عقلية العديد من قادة وأبناء الحركات الأصولية، وشبكات العنف المسلح، التي تبنت المرجعية التكفيرية ذاتها في التعامل مع قضية أسلمة المجتمع، ثم طورت آلياتها وأساليبها، في محاولة لفرض رؤيتها على الثقافة الدينية والعادات الاجتماعية ومؤسسات الدولة.

مؤتمر “الإخوان” في لاهاي لا يمكن اعتباره مجرد تجمع سياسي عابر، أو محاولة لإعادة تقديم الجماعة في صورة معارضة سياسية تقليدية، وإنما باعتباره حلقة جديدة في مسار إعادة تموضع التنظيم خارج الحدود المصرية، مع توظيف الفضاء الأوروبي في إعادة بناء شبكات التأثير من الخارج، والبحث عن أدوات وواجهات جديدة لاستعادة الحضور والتأثير بعد سنوات من التراجع والانقسام.