بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

أمن مناخي

من غوام إلى تايوان والصين.. إعصار “بافي” يكشف هشاشة البنية المدنية في أكثر مناطق المحيط الهادئ تسليحاً

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

قطع إعصار “بافي” خلال أيام مساراً يختصر خريطة التنافس الاستراتيجي في غرب المحيط الهادئ. بدأ هجومه الأشد على جزر ماريانا وغوام الأمريكيتين، ثم تحرك باتجاه تايوان والجزر اليابانية، قبل أن يقترب من الساحل الشرقي للصين، مخلفاً وراءه دماراً وانقطاعات واسعة للكهرباء وعمليات إجلاء امتدت إلى أكثر من دولة.

وصل “بافي” إلى ذروة قوته قرب جزيرة روتا، مصحوباً برياح بلغت سرعتها نحو 290 كيلومتراً في الساعة، وفق بيانات هيئة الأرصاد الجوية الوطنية الأمريكية ووكالة “ناسا”. وبعد عبوره جزر ماريانا، تراجعت شدته تدريجاً، لكنه ظل قادراً على حمل أمطار كثيفة وتهديد مناطق واسعة بالفيضانات والانهيارات الأرضية.

الأرقام وحدها تكشف حجم الاختبار: أكثر من 14 ألف شخص أُجلوا في تايوان، ونحو 1.8 مليون في مقاطعتي تشجيانغ وفوجيان الصينيتين، بينما أُلغيت رحلات جوية وأُغلقت مدارس وموانئ وتعطلت شبكات كهرباء في غوام وماريانا وأوكيناوا. وفي الفيليبين، أسهمت الأمطار الموسمية التي عززها الإعصار في فيضانات وانزلاقات أرضية أوقعت ما لا يقل عن 17 قتيلاً.

لكن دلالة العاصفة تتجاوز حصيلة الضحايا ومسار الرياح. فقد عبرت واحدة من أكثر مناطق العالم كثافة في الاستعدادات العسكرية، وكشفت في المقابل عن هشاشة البنية المدنية التي تعتمد عليها تلك الاستعدادات نفسها.

قواعد متقدمة.. وخدمات تتراجع

تمثل غوام وجزر ماريانا الشمالية عقدة أساسية في الوجود العسكري الأمريكي في المحيط الهادئ. تستضيف غوام قواعد جوية وبحرية ومنشآت لوجستية، وتؤدي دوراً مركزياً في خطط واشنطن للردع والدعم المتقدم في حال نشوب أزمة حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي.

غير أن “بافي” وضع صورة القوة العسكرية إلى جانب واقع مدني مختلف. غرقت جزيرتا سايبان وتينيان في الظلام، وانقطعت المياه والكهرباء والاتصالات عن روتا، فيما واجهت فرق الإغاثة صعوبة في الوصول إلى بعض المناطق. والأهم أن الإعصار جاء بعد ثلاثة أشهر فقط من إعصار “سينلاكو”، حين كانت أجزاء من الأرخبيل لا تزال تعاني آثار العاصفة السابقة.

هذا التتابع يغيّر طبيعة المشكلة. فالحديث لا يدور عن كارثة استثنائية تعقبها عودة طويلة إلى الوضع الطبيعي، بل عن صدمات متقاربة فقد تصل العاصفة التالية قبل اكتمال التعافي من سابقتها. عندها تتحول الهشاشة من أزمة خدمات إلى ضعف استراتيجي متراكم.

تعتمد القواعد العسكرية على منظومة أوسع تشمل الموانئ والطرق وشبكات الطاقة والاتصالات والمستشفيات والعمالة المحلية. وإذا تعطلت هذه المنظومة، فلن تبقى آثار العاصفة محصورة في منازل المدنيين؛ بل قد تمتد إلى سرعة الاستجابة العسكرية واستمرارية العمليات ونقل الإمدادات.

تايوان أمام اختبار خارج الحرب

في تايوان، دفعت الحكومة بأكثر من 28 ألف عسكري إلى حالة التأهب، وأجلت السكان من المناطق الجبلية والساحلية، وأوقفت الدراسة والعمل في عدد من المدن، كما ألغت الرحلات الداخلية ومئات الرحلات الدولية وخفّضت خدمات القطارات السريعة.

تعكس هذه الإجراءات خبرة متقدمة في إدارة الأعاصير، لكنها تكشف أيضاً اتساع الضغط الواقع على جزيرة تعيد بناء استعداداتها الأمنية على أساس احتمال مواجهة عسكرية مع الصين. فالجاهزية التي تُقاس غالباً بعدد الملاجئ والصواريخ والاحتياط العسكري تحتاج إلى معيار آخر: قدرة شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات على مواصلة العمل تحت ضغط ممتد.

تعرضت تايوان لرياح شديدة وأمطار كثيفة، وانقطعت الكهرباء عن عشرات الآلاف، فيما حذرت السلطات من أمواج قد يصل ارتفاعها إلى عشرة أمتار. ومع أن مركز الإعصار لم يعبر قلب الجزيرة مباشرة، فإن اتساع نطاقه كان كافياً لتعطيل الحياة والنقل وإجبار آلاف السكان على مغادرة منازلهم.

تكمن الحقيقة هنا في أن البنية المدنية لا تشكل ملفاً خدمياً منفصلاً عن الأمن القومي. الجزيرة التي تستعد لحماية منشآتها من هجوم محتمل مطالبة أيضاً بحمايتها من صدمات مناخية متكررة قد تستنزف الموارد وتختبر الثقة العامة في مؤسسات الدولة.

الصين وقوة الإجلاء

على الساحل الصيني، أظهرت السلطات قدرة واسعة على التعبئة، بعدما نقلت نحو 1.8 مليون شخص من المناطق المعرضة للخطر في تشجيانغ وفوجيان، وعلقت خدمات النقل وأغلقت منشآت ووضعت فرق الإنقاذ في حالة تأهب.

يوضح هذا الحجم من الإجلاء قدرة الدولة على تحريك السكان والموارد بسرعة، لكنه لا يحسم السؤال الأهم: هل يجري تقليل الخطر فعلياً، أم تكتفي السلطات بإدارة نتائجه كلما اقتربت عاصفة جديدة؟

تتركز مدن ومصانع وموانئ حيوية على الساحل الشرقي للصين، وهو ما يجعل الأعاصير تهديداً اقتصادياً يتجاوز الأضرار المباشرة. فإغلاق ميناء أو توقف مصنع أو انقطاع طريق رئيس يمكن أن ينتقل أثره إلى سلاسل التوريد والتجارة الإقليمية، خصوصاً عندما تتزامن الكوارث المناخية مع توتر سياسي أو عسكري.

ولهذا لا تعني أعداد المُجلين نجاحاً كاملاً بحد ذاتها. النجاح الحقيقي يُقاس بسلامة المساكن، وقدرة أنظمة التصريف على احتواء الأمطار، وسرعة استعادة الكهرباء والاتصالات، ومنع تكرار الخسائر في المناطق ذاتها.

من يدفع كلفة الهشاشة؟

لا تتوزع أضرار الأعاصير بالتساوي. سكان الجزر الطرفية، وأصحاب المشروعات الصغيرة، والعاملون محدودو الدخل، ومن يعيشون في مساكن خفيفة أو مناطق جبلية، يتحملون عادة الخسارة الأكبر.

في غوام، أنفق أصحاب متاجر ومطاعم مئات الدولارات لتثبيت النوافذ وحماية منشآتهم، بينما لجأ سكان إلى الفنادق بسبب متانة مبانيها وامتلاكها مولدات احتياطية. هذه التفاصيل تكشف فجوة واضحة: القدرة على النجاة ترتبط أحياناً بما يستطيع الفرد شراءه، لا بما توفره البنية العامة للجميع.

وعندما تتكرر العواصف خلال فترات قصيرة، تتضاعف الفجوة. الأسر التي استنزفت مدخراتها في إصلاح الأضرار الأولى تدخل الكارثة التالية بموارد أقل، والمشروعات الصغيرة التي تتوقف أياماً قد تعجز عن دفع الإيجارات والرواتب، بينما يتأخر تعافي المناطق البعيدة مقارنة بالمراكز السياسية والعسكرية.

المناخ يدخل معادلة الردع

لا يثبت إعصار واحد بمفرده علاقة سببية مباشرة مع تغير المناخ، لكن الأدلة العلمية تشير إلى أن ارتفاع حرارة المحيطات يوفر طاقة أكبر للأعاصير ويزيد كمية الرطوبة التي تحملها، بما يرفع احتمالات الأمطار الغزيرة والتصاعد السريع في قوة بعض العواصف. وقد أوضحت “ناسا” أن “بافي” بلغ قوة إعصار من الفئة الخامسة عند مروره بجزر ماريانا، وهي المرة الثانية التي تتعرض فيها المنطقة لإعصار شديد خلال ثلاثة أشهر.

هذه ليست قضية بيئية هامشية في منطقة تتحول إلى مركز للتنافس الأمريكي-الصيني. فالقوة العسكرية التي لا تستند إلى مدن مرنة وشبكات طاقة محمية وموانئ قابلة للتشغيل بعد الكوارث، تظل معرضة لتعطل لا يحتاج إلى صاروخ أو حصار.

كشف “بافي” أن مفهوم الأمن في المحيط الهادئ أوسع من خرائط القواعد وانتشار السفن. الاختبار الحقيقي يبدأ من قدرة الحكومات على إبقاء الضوء والمياه والاتصالات متاحة للسكان، وحماية المجتمعات التي تقوم حولها البنية العسكرية. ففي منطقة تستعد لاحتمال الحرب، قد يكون الخطر الأكثر انتظاماً هو العاصفة التالية.