بدأت المواجهة بقرارين تنظيميين ضد غوغل، لكنها قد تنتهي باختبار أوسع لحدود السيادة الرقمية الأوروبية. ففي 23 يوليو فرضت المفوضية الأوروبية غرامتين على الشركة بقيمة إجمالية تبلغ 890 مليون يورو، بسبب تفضيل خدماتها داخل نتائج البحث والقيود التي تفرضها على مطوري التطبيقات في Google Play. وبعد يوم واحد، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه استخدام المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974 للتحقيق في الممارسات الأوروبية، ولوّح برد تجاري على ما وصفه باستهداف الشركات الأمريكية.
لا تكمن أهمية القضية في أن الحرب التجارية بدأت بالفعل، بل في أن واشنطن فتحت الباب أمام نقل الخلاف من التنظيم الرقمي إلى أدوات التجارة. إذا حدث ذلك، فلن يبقى السؤال متعلقاً بكيفية ترتيب نتائج البحث أو تحصيل المدفوعات داخل متجر التطبيقات، بل بمن يملك الحق في تحديد القواعد التي تعمل بموجبها الشركات الأمريكية داخل السوق الأوروبية، وما الثمن الذي يمكن فرضه على الاتحاد إذا أصر على تطبيقها.
من يتحكم في بوابة الوصول؟
تتعلق الغرامة الأولى، وقيمتها 460 مليون يورو، بطريقة تعامل غوغل مع خدماتها داخل محرك البحث. وخلصت المفوضية إلى أن الشركة تمنح خدماتها، في مجالات تشمل التسوق والفنادق والنقل والنتائج الرياضية، ظهوراً أكثر تميزاً من الخدمات المنافسة، عبر مواضع العرض والتصميم والمرشحات البصرية.
لا تمنع قواعد الاتحاد غوغل من تشغيل خدماتها الخاصة، وإنما تمنع الشركة، بصفتها “حارس بوابة”، من منح هذه الخدمات معاملة تفضيلية في نقطة الوصول التي تديرها هي نفسها. فالمشكلة التنظيمية هنا تتعلق بجمع قوة مزدوجة: إدارة البوابة التي يصل منها المستخدم إلى السوق، ثم المنافسة داخل السوق عبر تلك البوابة.
أما الغرامة الثانية، البالغة 430 مليون يورو، فتتعلق بما يعرف بقواعد “التوجيه”. وترى المفوضية أن غوغل قيّدت قدرة مطوري التطبيقات على إبلاغ مستخدمي Google Play بعروض أو وسائل شراء بديلة خارج المتجر، بما فيها خيارات قد تكون أرخص، كما اعتبرت أن مستوى بعض الرسوم المرتبطة بجلب العملاء ومدة تحصيلها تجاوزا ما يسمح به قانون الأسواق الرقمية.
وأمهلت المفوضية غوغل 60 يوماً للامتثال للقرارين، وإلا أصبحت معرضة لمدفوعات جزائية دورية قد تصل إلى 5% من إجمالي إيراداتها العالمية. وفي الوقت نفسه، أقرت بأن الشركة بدأت اختبار تغييرات في عرض خدمات البحث وشروط متجر التطبيقات يمكن أن تمثل تقدماً نحو الامتثال.
لكن الجزء الأكثر أهمية للمستقبل يتجاوز البحث التقليدي. فالمفوضية قالت إنها تناقش مع غوغل كيفية تطبيق مبادئ القرار نفسه على AI Overviews و AI Mode، أي المساحات التي تتحول فيها نتائج البحث من قائمة روابط إلى إجابة ينتجها الذكاء الاصطناعي ويقرر داخلها ما الذي يظهر للمستخدم وما الذي يبقى خارجها.
وهذا يوسع المسألة من نزاع حول شكل صفحة البحث إلى سؤال حول بنية القوة في عصر الذكاء الاصطناعي. فإذا كان قانون الأسواق الرقمية يمنع محرك البحث التقليدي من تفضيل خدمات مالكه، فكيف سيطبق المبدأ نفسه عندما يصبح المحرك مساعداً ذكياً يختار المصادر والخدمات ويصوغ الإجابة قبل أن يصل المستخدم إلى أي رابط؟
تهديد بالتحقيق.. لا تحقيق رقمي مكتمل
اختيار ترامب للمادة 301 ليس تفصيلاً قانونياً. فهذه المادة تمنح الممثل التجاري الأمريكي سلطة التحقيق في سياسات أو ممارسات أجنبية تعتبرها الولايات المتحدة غير مبررة أو تمييزية أو عبئاً على تجارتها، ثم اتخاذ إجراءات تجارية رداً عليها.
ازدادت أهمية هذا المسار بعد حكم المحكمة العليا الأمريكية في 20 فبراير 2026 بأن قانون الصلاحيات الاقتصادية الدولية الطارئة لا يمنح الرئيس سلطة فرض الرسوم الجمركية التي استخدمها سابقاً على نطاق واسع. لم يسحب الحكم من السلطة التنفيذية أدواتها التجارية، لكنه أعاد دفع الإدارة نحو سلطات يمنحها الكونغرس بصورة أكثر تحديداً، وبينها المادة 301.
ولم تبق هذه المادة أداة نظرية. ففي يوليو استخدمها مكتب الممثل التجاري لفرض إجراءات جمركية مرتبطة بملف استيراد السلع المنتجة بالعمل القسري، شملت عشرات الاقتصادات، بينها الاتحاد الأوروبي. وتختلف تلك التحقيقات تماماً عن النزاع الرقمي مع بروكسل، لكنها تثبت أن الإدارة مستعدة لاستخدام المادة 301 على نطاق واسع عندما تستطيع تعريف ممارسة أجنبية بوصفها ضارة بالمصالح التجارية الأمريكية.
ولهذا يصبح غياب تحقيق رقمي رسمي حتى الآن معلومة مهمة، لا دليلاً على انتهاء التهديد. فالخطوة التي تستحق المراقبة ليست تصريحاً جديداً من ترامب، بل ظهور إشعار من مكتب الممثل التجاري يحدد الممارسة التي سيحقق فيها: هل هما قرارا غوغل وحدهما؟ أم قانون الأسواق الرقمية؟ أم مجموعة أوسع من قواعد المنافسة والبيانات والذكاء الاصطناعي؟
الفرق بين هذه السيناريوهات كبير. استهداف غرامتين منفردتين يترك النزاع محصوراً نسبياً في ملف شركة واحدة. أما اعتبار القانون الأوروبي نفسه حاجزاً تجارياً، يعني أن واشنطن لا تنازع في نتيجة قضية، بل في نموذج تنظيمي كامل يطبق على الشركات العاملة داخل السوق الأوروبية.
الضغط السياسي سبق قضية غوغل. ففي 21 يوليو، قبل يومين من صدور الغرامتين، دعا 25 مشرعاً جمهورياً الإدارة إلى النظر في استخدام المادة 301 وأدوات تجارية أخرى رداً على قواعد التكنولوجيا الأوروبية. وهذا يمنح تهديد ترامب قاعدة سياسية أوسع من رد فعل رئاسي على غرامة منفردة.
استهداف للشركات الأمريكية أم للهيمنة؟
تقوم الرواية الأمريكية على تراكم القرارات الأوروبية ضد شركات مثل غوغل وأبل وميتا وأمازون. لكن جمع هذه الملفات في رقم واحد يخفي اختلافاً مهماً في طبيعتها القانونية.
في أبريل 2025، فرضت المفوضية بموجب قانون الأسواق الرقمية غرامة قدرها 500 مليون يورو على أبل و200 مليون على ميتا، بسبب مخالفات تتعلق بتوجيه المستخدمين وخيارات استخدام البيانات. هذه قضايا تقع مباشرة ضمن التنظيم الرقمي الأوروبي.
أما نحو 13 مليار يورو المرتبطة بأبل، فلم تكن غرامة بموجب قانون الأسواق الرقمية، بل استرداداً لمساعدات ضريبية غير قانونية قالت المفوضية إن أيرلندا منحتها للشركة، وأكدت محكمة العدل الأوروبية في 2024 وجوب استردادها.
وفي حالة أمازون، بلغت الغرامة الأصلية لحماية البيانات 746 مليون يورو، لكن المحكمة الإدارية في لوكسمبورغ ألغتها في مارس 2026 على ضوء تطور في الاجتهاد القضائي الأوروبي، مع بقاء جوانب من استنتاجات هيئة حماية البيانات قائمة.
هذه الفروق لا تنفي حقيقة أن الشركات الأمريكية تتحمل جانباً كبيراً من أثر التنظيم الرقمي الأوروبي، لكنها تجعل إثبات التمييز أكثر تعقيداً من مجرد إحصاء الأموال. فالاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت القواعد صُممت أو طُبقت بصورة مختلفة على شركات متشابهة بسبب جنسيتها، أم أن التأثير يتركز على الشركات الأمريكية لأنها تملك القسم الأكبر من المنصات التي تبلغ عتبات “حارس البوابة”.
ولهذا يظل الخلاف بين الطرفين خلافاً على تعريف المشكلة نفسها. واشنطن ترى أن الاتحاد يستخدم التنظيم لتحميل شركاتها الناجحة تكاليف غير متناسبة. أما بروكسل فتعامل الحجم والقوة السوقية بوصفهما السبب في تشديد الالتزامات، لا جنسية الشركة.
الكلفة خارج قطاع التكنولوجيا
يزيد الاتفاق التجاري الأمريكي–الأوروبي لعام 2025 تعقيد المواجهة. فقد التزم الطرفان ضمن الإطار بمعالجة “الحواجز غير المبررة أمام التجارة الرقمية”، إلى جانب تعهدات تتعلق بعدم فرض رسوم جمركية على عمليات النقل الإلكتروني وعدم تبني رسوم استخدام الشبكات. لكن النص لا يذكر قانون الأسواق الرقمية أو قانون الخدمات الرقمية بالاسم.
هذه المساحة تسمح لكل طرف بقراءة الاتفاق بطريقة مختلفة. تستطيع واشنطن القول إن تطبيقاً أوروبياً ترى أنه تمييزي يدخل ضمن الحواجز الرقمية التي تعهد الطرفان بمعالجتها. وفي المقابل، تستطيع بروكسل التمسك بأن الاتفاق التجاري لا يلغي صلاحياتها التشريعية والتنظيمية، وأن خلاف الولايات المتحدة مع نتيجة تطبيق قانون أوروبي لا يحوله تلقائياً إلى انتهاك للاتفاق.
وقد أظهر الممثل التجاري الأمريكي بالفعل هذا الربط عندما قال إن إجراءات المفوضية الأخيرة تخلق حالة من عدم اليقين حول اتفاقية التجارة عبر الأطلسي، وطالب بما وصفه بحوار يجري في ظل “وقف لإطلاق النار” التنظيمي.
هنا يظهر موضع الضغط الحقيقي. الولايات المتحدة لا تستطيع إلغاء قرار المفوضية أو إعادة كتابة قانون الأسواق الرقمية، لكنها تستطيع — إذا استكملت المسار القانوني — فرض كلفة تجارية على سلع أو قطاعات أوروبية لا علاقة مباشرة لها بغوغل.
وبذلك تنفصل الجهة التي تتخذ القرار عن الجهة التي تدفع ثمن الرد. المفوضية الأوروبية تطبق القانون على منصة رقمية، بينما قد تتحمل شركات صناعية أو مزارعون أو مصدرون في دول أعضاء كلفة رسوم أمريكية إضافية. وكلما تركزت هذه الكلفة في قطاعات أو دول ذات نفوذ سياسي، ارتفع الضغط الداخلي على بروكسل للوصول إلى تسوية.
أداة مكافحة الإكراه
لكن الاتحاد يملك بدوره أدوات للرد. فقد دخلت “أداة مكافحة الإكراه” الأوروبية حيز التنفيذ في 2023، وتسمح باتخاذ تدابير في التجارة والخدمات والاستثمار والمشتريات العامة وغيرها عندما تستخدم دولة ثالثة إجراءات تجارية أو استثمارية، أو تهدد باستخدامها، لدفع الاتحاد أو إحدى دوله إلى تغيير خيار سيادي. ولا يعني وجود الأداة أن شروط استخدامها تحققت في قضية غوغل؛ فتحديد “الإكراه الاقتصادي” يخضع لإجراءات وتقييم لكل حالة على حدة.
ولهذا لن يُحسم الاختبار بقيمة الـ890 مليون يورو. هناك ثلاثة مؤشرات أكثر أهمية خلال الأسابيع المقبلة: هل ينشر مكتب الممثل التجاري الأمريكي تحقيقاً رقمياً رسمياً بموجب المادة 301، وما النطاق الذي سيمنحه له؛ كيف ستعدل غوغل خدماتها خلال مهلة الستين يوماً؛ وهل يمتد تطبيق القرار الأوروبي فعلياً إلى AI Overviews وAI Mode.
إذا بقي التهديد الأمريكي بلا تحقيق، ستظل المواجهة في نطاق الضغط السياسي والتفاوض. أما إذا تحولت قواعد الاتحاد الرقمية نفسها إلى موضوع تحقيق تجاري ورسوم محتملة، فستدخل العلاقة عبر الأطلسي مرحلة مختلفة: لن يعود الخلاف حول مقدار ما تدفعه غوغل، بل حول ما إذا كانت القوة التجارية الأمريكية تستطيع رفع ثمن تطبيق قانون أوروبي إلى مستوى يدفع بروكسل إلى تغيير طريقة إنفاذه.








