يكفي أن يخطئ طفل في تعريف جسم معدني صغير، فيراه لعبة أو قطعة قابلة للبيع، كي تستعيد حرب قديمة قدرتها على القتل. لا يعرف اللغم أن اتفاقاً للسلام وُقّع، ولا أن حكومة سقطت، أو جيشاً انسحب، أو عائلة قررت العودة إلى قريتها بعد سنوات من النزوح. ليبقى تحت التراب محتفظاً بأمر القتال الأخير، ينتظر جسداً لا علاقة له غالباً بالمعركة التي زُرع من أجلها.
لهذا لا تكشف الأرقام الجديدة التي أعلنها مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، اتساع مشكلة إنسانية فقط. إنها تكشف شكلاً من أشكال السلطة التي تمارسها الحرب بعد انتهائها: سلطة تحدد من يستطيع العودة، وأي أرض يمكن زراعتها، وأي طريق يمكن عبوره، وأي قرية ستظل خالية حتى بعد مغادرة المقاتلين.
وفق تقرير الأمم المتحدة عن أثر الألغام المضادة للأفراد في حقوق الإنسان، ظل ما لا يقل عن 58 دولة وإقليماً ملوثاً بهذه الأسلحة خلال العام 2025. وسجّل مرصد الألغام والذخائر العنقودية 1945 قتيلاً و4325 مصاباً بسبب الألغام ومخلفات الحروب المتفجرة خلال العام 2024. وفي الحالات التي عُرفت فيها صفة الضحايا، شكّل المدنيون نحو 90% منهم.
الخريطة بين الورق والأرض
تبدو الألغام في الخرائط العسكرية وسيلة لضبط حركة الخصم، وحماية المواقع، وإغلاق الممرات، لكن الخرائط تتغير أسرع من الأرض.
قد يتراجع الجيش الذي زرع اللغم، وتنتقل السيطرة إلى طرف آخر، ويعود اسم القرية إلى نشرات الأخبار بوصفها “محررة” أو “آمنة”. وحده اللغم لا يتلقى أمراً بالانسحاب.
تتحول نتيجة ذلك مساحات واسعة إلى مناطق محظورة لا بقرار قانوني أو إداري، بل باحتمال الانفجار. تصبح ملكية الأرض بلا قيمة عملية؛ فالمزارع يملك حقله لكنه لا يستطيع دخوله، والأسرة تملك بيتها لكنها لا تعرف إن كان الطريق إليه آمناً، والدولة تستعيد السيادة الاسمية على أراضيها من دون أن تستطيع ضمان الحركة فيها.
الأثر هنا يتجاوز الحق في الحياة. فالتلوث بالألغام يعطل الوصول إلى المياه والمستشفيات والمدارس، ويمنع الزراعة والرعي وإصلاح الطرق وشبكات الكهرباء، ويرفع تكلفة إعادة الإعمار، ويؤخر عودة النازحين. الأرض الملوثة لا تنتج الغذاء ولا تجذب الاستثمار، لكنها تستمر في إنتاج الخوف والفقر والاعتماد على المساعدات.
بهذا المعنى، يصبح اللغم أداة لإعادة تنظيم المجتمع بعد الحرب. يدفع سكان الريف إلى المدن والمخيمات، ويغير أنماط الملكية والعمل، ويترك الأطراف والمناطق الحدودية خارج الدورة الاقتصادية. وقد تنتهي المعركة العسكرية خلال أيام، بينما يحتاج تفكيك أثرها المكاني والاجتماعي إلى عقود.
بورما وسوريا.. المدني هو الجبهة
سجلت بورما خلال العام 2024 أعلى حصيلة عالمية، بنحو 2029 قتيلاً ومصاباً، تلتها سوريا بـ 1015، ثم أفغانستان بـ 624. وجاءت أوكرانيا ونيجيريا ومالي واليمن وبوركينا فاسو ضمن الدول التي تجاوزت فيها الحصيلة 200 ضحية.
لا تعكس هذه القائمة تشابهاً سياسياً بين الدول، لكنها تكشف قاعدة واحدة: حيث تتعدد الجبهات، وتتغير خطوط السيطرة بسرعة، وتضعف مؤسسات الدولة، يصبح الإنسان المدني الطرف الأكثر تعرضاً لسلاح لا يستطيع تمييزه أو معرفة موقعه.
في بورما، ترافق انتشار الألغام مع اتساع الصراع بين الجيش والجماعات المسلحة المناهضة له، وسط صعوبة الوصول إلى مناطق واسعة وغياب نظام وطني قادر على توثيق جميع الحوادث أو تطهير الأرض. أما في سوريا، فقد تحولت مخلفات أكثر من عقد من الحرب إلى خطر يواجه العائدين إلى مناطق لم تُمسح أو تُطهّر بصورة كافية.
تقدّر منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن نحو خمسة ملايين طفل في سوريا يعيشون في مناطق ملوثة بالألغام ومخلفات الحرب المتفجرة. وبين ديسمبر 2024 وفبراير 2026، سُجل ما لا يقل عن 1891 قتيلاً ومصاباً مدنياً بسبب هذه المخلفات؛ مثّل الأطفال 30% من القتلى و40% من المصابين.
هنا تظهر المفارقة الأكثر قسوة: العودة التي تُقدَّم عادة بوصفها علامة على الاستقرار قد ترفع التعرض للخطر. فكلما عادت الأسر إلى البيوت والحقول والمدارس المهجورة، ازدادت احتمالات احتكاكها بما تركته الجبهات.
الطفل الذي يدخل مبنى مدمراً بحثاً عن قطعة حديد، والمزارع الذي يحرث أرضاً لم تُزرع منذ سنوات، والراعي الذي يسلك طريقاً جانبياً، ليسوا ضحايا عرضيين فحسب. إنهم يدفعون كلفة انتقال الحرب من المجال العسكري المرئي إلى المجال المدني المخفي.
ويشكّل الأطفال أكثر من 40% من مجموع الضحايا المدنيين الذين سجلهم المرصد منذ العام 1999. لا يعود ذلك إلى استهدافهم بالضرورة، بل إلى طبيعة السلاح نفسه: جسم صغير، صامت، قد يبدو مألوفاً أو مثيراً للفضول، ولا يمنح من يقترب منه فرصة لتصحيح الخطأ.
معاهدة تتسع جنوباً وتتراجع شمالاً
تأتي التحذيرات الأممية في لحظة تتعرض فيها اتفاقية “أوتاوا” لحظر الألغام لأحد أخطر اختباراتها منذ فتحها للتوقيع في العام 1997.
تضم الاتفاقية 162 دولة، وتحظر استخدام الألغام المضادة للأفراد وإنتاجها وتخزينها ونقلها، وتلزم الدول بتدمير المخزونات وتطهير المناطق الملوثة ومساعدة الضحايا. وقد أسهمت خلال العقود الماضية في تدمير عشرات الملايين من الألغام المخزنة وترسيخ اعتبار استخدامها فعلاً خارج المقبول دولياً. لكن هذا الإجماع بدأ يتشقق تحت ضغط الحسابات الأمنية.
انسحبت إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وفنلندا وبولندا من الاتفاقية، مستندة إلى تصاعد التهديدات العسكرية على الحدود الشرقية لحلف شمال الأطلسي وإلى الحرب الروسية في أوكرانيا. وأوقفت الأخيرة تنفيذ التزاماتها، معتبرة أن القيود التي تفرضها الاتفاقية تحد من قدرتها على مواجهة موسكو التي لا تلتزم بها.
المنطق العسكري مفهوم: دولة تتوقع هجوماً برياً تريد امتلاك كل وسيلة ممكنة لإبطاء القوات المهاجمة. لكن هذا المنطق يفصل المنفعة التكتيكية القصيرة عن الكلفة المدنية الطويلة. اللغم الذي يُزرع لحماية جبهة اليوم قد يقتل سكان المنطقة بعد تغير الجبهة أو انتهاء الحرب بسنوات.
وتكشف هذه الانسحابات تحولاً أوسع في ترتيب الأولويات الدولية. فمع تصاعد المخاوف من اندلاع حروب كبرى، تستعيد بعض الأسلحة المحظورة شرعيتها باعتبارها “ضرورات دفاعية”. وتصبح القواعد الإنسانية عرضة للتراجع عندما ترى الدول القوية أو حلفاؤها أن موازين الردع تتطلب ذلك.
في الاتجاه المعاكس، أودع لبنان في الأول من مايو 2026 وثيقة انضمامه إلى الاتفاقية، لتدخل حيز التنفيذ بالنسبة إليه في الأول من نوفمبر. جاء القرار في بلد يحمل إرثاً ثقيلاً من الألغام والذخائر غير المنفجرة، وفي ظل نزاع وتوتر أمني مستمرين.
المفارقة واضحة: دولة عربية مثقلة بالحرب تقبل تقييد خياراتها العسكرية باسم حماية الأرض والسكان، بينما تعيد دول أوروبية مستقرة ومقتدرة فتح الباب أمام السلاح نفسه باسم الاستعداد لحرب محتملة.
لا تجعل هذه المفارقة القرار اللبناني مثالياً أو كافياً؛ الانضمام لا يزيل لغماً واحداً تلقائياً. لكنه يضع التزاماً قانونياً وسياسياً يمكن قياسه: تحديد المناطق الملوثة، إعلان المخزونات، تطهير الأرض، وتأمين حقوق الناجين.
تمويل يتراجع والأرض ملوثة
يتطلب تفكيك لغم واحد وقتاً وخبرة وأجهزة وفرقاً مدربة، وقد تكون كلفة العثور عليه وإزالته أعلى بكثير من كلفة إنتاجه وزرعه.
مع ذلك، تراجعت المساهمات في صندوق الأمم المتحدة الاستئماني الطوعي للمساعدة في مكافحة الألغام من نحو 125 مليون دولار إلى 46 مليون دولار خلال السنوات السبع المنتهية في 2025.
ليست هذه فجوة محاسبية، فانخفاض التمويل يعني عدداً أقل من فرق المسح والإزالة، ومساحات أصغر يجري تطهيرها، وبرامج توعية تتوقف، وتأهيلاً أبطأ للمصابين، وتأجيل عودة القرى إلى الإنتاج.
تتضح هنا معادلة مختلة: الدول تنفق مئات المليارات على التسليح والتحصينات، لكنها تقلص الموارد المخصصة لإزالة سلاح بسيط تركته حروب سابقة. ويستطيع قرار عسكري واحد زرع آلاف الألغام خلال وقت قصير، بينما تحتاج إزالتها إلى سنوات من العمل الفردي الدقيق.
كما أن التعامل مع الألغام باعتبارها ملفاً إنسانياً منفصلاً عن إعادة الإعمار يضمن استمرار المشكلة. لا معنى لبناء طريق أو مدرسة أو محطة كهرباء إذا كانت الأراضي المحيطة بها غير آمنة. ولا يمكن الحديث عن عودة طوعية للنازحين إذا كانت العائلة مطالبة بالمغامرة بحياتها للتحقق من سلامة منزلها.
الحرب التي تُورَّث
تقتل القنبلة في لحظة سقوطها، أما اللغم فيحوّل القتل إلى احتمال دائم. يعيش الناس قربه سنوات من دون أن يعرفوا موقعه، وينقل الآباء إلى أبنائهم خرائط شفهية عن الحقول والطرقات التي ينبغي تجنبها. وقد تضيع هذه المعرفة مع النزوح أو وفاة كبار السن، فيبقى الخطر بينما تختفي الذاكرة التي كانت تحاصره.
لهذا لا يكفي قياس أثر الألغام بعدد القتلى والمصابين. هناك عائلات لم تعد، وأراضٍ لم تُزرع، وطرق لم تُفتح، وأطفال تركوا المدارس، ومشروعات لم تبدأ، لأن جسماً متفجراً أو مجرد الاشتباه بوجوده كان كافياً لتعطيل الحياة.
الاختبار الحقيقي لاتفاقية أوتاوا لا يكمن في عدد الدول الأعضاء وحده، بل في قدرة المجتمع الدولي على منع تحول الانسحابات الأخيرة إلى موجة أوسع من إعادة الإنتاج والتخزين والاستخدام. كما يتوقف على ما إذا كان تمويل الإزالة سيعامل بوصفه استثماراً في السيادة والتنمية والعودة، لا بنداً إنسانياً يمكن تخفيضه عند أول أزمة مالية.
تنتهي الحرب فعلياً حين يستطيع طفل أن يسلك طريقه إلى المدرسة من دون أن يكون فضوله جريمة، وحين يدخل المزارع حقله من دون أن يختبر بقدمه ما إذا كانت الدولة قد استعادت أرضها حقاً.















